الدكتور شتيفن شفارتس: تبسيط لائحة الغابات لا يزال “وحشا إداريا”

دبي – علي الزكري | قهوة ورلد

في الرابع من مايو الماضي، نشرت المفوضية الأوروبية حزمة “تبسيط” لائحة إزالة الغابات. بين مؤيد رأى فيها تخفيفاً حقيقياً للأعباء، ومعتبر إياها تعديلات شكلية فقط.

قهوة ورلد فتحت هذا الملف منذ البداية. حاورنا ستة خبراء من أربع قارات. نشرنا تحقيقاً تمهيدياً لخص آراءهم. والآن ننشر الحلقات الكاملة، لكل خبير حلقة مستقلة تضم إجاباته كاملة دون اقتطاع.

حلقتنا الأولى مع الدكتور شتيفن شفارتس، خبير علوم القهوة التطبيقية من ألمانيا، والمؤسس المشارك لمنصة أبلايد كوفي ساينس. وصف اللائحة بعد التبسيط بأنها “لا تزال وحشاً إدارياً للعديد من الفاعلين الصغار”.

إليكم نص الحوار كاملاً.

  • ما هو تقييمك العام لقرار الاتحاد الأوروبي بتبسيط لائحة إزالة الغابات؟ هل يساعد حقاً في تقليل الأعباء أم أنها مجرد تغييرات شكلية؟

الدكتور شتيفن شفارتس: وجهة نظري العامة هي أن التبسيط يساعد عند الهامش، لكنه لا يحل المشكلة الأساسية. تبقى اللائحة وحشاً إدارياً للعديد من الفاعلين الصغار في سلسلة القهوة.

النية صحيحة تماماً. لا يمكن لأي شخص في عالم القهوة أن يعترض جدياً على حماية الغابات. السؤال هو ما إذا كانت الأداة متناسبة وذكية بما فيه الكفاية. في الوقت الحالي، أخشى أنها تبسط النظام بشكل رئيسي لأولئك الذين لديهم بالفعل الهياكل اللازمة للتعامل معه: كبار المستوردين والمصدرين، وهيئات إصدار الشهادات، والشركات التي لديها أقسام امتثال.

بالنسبة للمحامص الصغيرة، والمستوردين الصغار، وعلاقات التجارة المباشرة، لا يزال العبء الأساسي قائماً. القهوة ليست مجرد سلعة استهلاكية بالجملة. الكثير من القهوة الأكثر قيمة في أوروبا تأتي من مزارع صغيرة، وأصناف قديمة، وأنظمة زراعية حراجية، وكميات صغيرة جداً. هذه القهوة قد تكون خالية تماماً من إزالة الغابات، لكن إثبات ذلك بالشكل الإداري المطلوب قد يصبح مكلفاً بشكل غير متناسب.

لذا نعم، التبسيط مرحب به. لكن إذا كان النظام لا يزال يجعل استيراد كميات ضخمة موحدة أسهل من استيراد كميات صغيرة متنوعة من علاقات التجارة المباشرة، فإننا لم نحل المشكلة الحقيقية.

  • من هو المستفيد الأكبر من هذا التبسيط برأيك؟

الدكتور شتيفن شفارتس: أكبر المستفيدين سيكونون على الأرجح الشركات الكبيرة والدول المصدرة منخفضة المخاطر التي لديها أنظمة توثيق منظمة. هؤلاء يمكنهم توزيع تكاليف الامتثال على كميات كبيرة ودمج اللائحة في هياكلهم القانونية والرقمية القائمة.

قد يستفيد صغار المنتجين على الورق، خاصة حيث تنطبق الإعلانات المبسطة أو الالتزامات المخفضة. لكن الكثير من صغار المزارعين خارج الاتحاد الأوروبي سيشعرون بالضغط بشكل غير مباشر. قد يكون الالتزام القانوني على عاتق المشغل الأوروبي، لكن الطلب على بيانات الموقع الجغرافي وأدلة المشروعية وإمكانية التتبع سيتجه عكسياً إلى مستوى المزرعة.

هنا يكمن الخطر. مزارع صغير يزرع القهوة تحت الظل، ويحافظ على الأصناف القديمة، ولم يسبق له أن أزال غابة، قد يتم استبعاده إذا كانت الأوراق صعبة أو مكلفة للغاية. النظام قد لا يميز عن قصد ضد صغار المزارعين، لكن تأثيره العملي قد يفعل ذلك بالضبط.

في رأيي، الفائزون الحقيقيون هم أولئك القادرون على تصنيع الامتثال. والخاسرون المحتملون هم أولئك الذين تكمن قوتهم في الجودة والتنوع والتجارة القائمة على العلاقات بدلاً من القدرة الإدارية.

  • كيف ترى إدراج القهوة سريعة الذوبان بعد أن كانت مستثناة؟

الدكتور شتيفن شفارتس: من المنطق التنظيمي، إدراج القهوة سريعة الذوبان أمر منطقي. إذا كان الهدف هو منع دخول القهوة المرتبطة بإزالة الغابات إلى السوق الأوروبية، فسيكون من غير المتسق تنظيم القهوة الخضراء والمحمصة وترك القهوة سريعة الذوبان خارج النظام.

لكن القهوة سريعة الذوبان غالباً ما تعتمد على سلاسل توريد معقدة، وحجم كبير، ومتعددة المنشأ. قد تنطوي على خلطات كبيرة، ومراحل معالجة متعددة، وقهوة من العديد من المزارع والمناطق والبلدان. هذا يجعل إمكانية التتبع أكثر تعقيداً.

بالنسبة لمصنعي القهوة سريعة الذوبان الكبار، سيخلق هذا مزيداً من أعمال الامتثال، لكنهم عموماً أكثر تجهيزاً للتعامل معه. بالنسبة للتجار الذين يزودون صناعة القهوة سريعة الذوبان، سيزداد الضغط بشكل كبير. سيحتاجون إلى وثائق أنظف، وفصل أقوى، وبيانات منشأ أفضل.

الخطر هو أن سلاسل توريد القهوة سريعة الذوبان ستصبح أكثر اندماجاً. الموردون الذين لا يستطيعون تقديم الوثائق المطلوبة قد يتم استبعادهم ببساطة من السلسلة. مرة أخرى، قد لا تصبح القهوة بالضرورة أفضل أو أكثر استدامة. قد تصبح فقط أسهل في التوثيق.

  • هل سلسلة توريد القهوة العالمية جاهزة للموعد النهائي في 30 ديسمبر 2026؟ ومن سيتضرر أكثر؟

الدكتور شتيفن شفارتس: لا، ليست جاهزة بالكامل. بعض أجزاء الصناعة جاهزة، وخاصة المصدرين الكبار، والتعاونيات المنظمة، والتجار متعددي الجنسيات، والشركات التي تعمل بالفعل مع أنظمة تتبع مفصلة. لكن قطاع القهوة العالمي ككل ليس جاهزاً.

أكبر ضربة ستتلقاها الفئات التالية: صغار المنتجين، وصغار المصدرين، وصغار المستوردين، والمحمصين المستقلين الذين يعملون مع كميات التجارة المباشرة. هؤلاء الفاعلون غالباً ما تكون لديهم أكثر العلاقات البشرية شفافية، لكن ليس لديهم دائماً البنية التحتية الإدارية التي تتطلبها اللائحة.

الموقع الجغرافي مثال جيد. من الناحية النظرية، هو أداة قوية. من الناحية العملية، فإن جمع وتحقيق وتخزين ونقل بيانات دقيقة على مستوى قطع الأراضي عبر آلاف المزارع الصغيرة هو تحد كبير. الإبقاء على موعد ديسمبر 2026 يعني أن العديد من سلاسل التوريد سيتعين عليها اتخاذ قرارات سريعة.

القرار الأسهل سيكون غالباً تقليل التعقيد: عدد أقل من المنشأ، عدد أقل من الموردين الصغار، عدد أقل من الكميات الصغيرة جداً، عدد أقل من القهوات التجريبية.

هذا هو قلقي الرئيسي. قد تنتهي أوروبا إلى حماية نفسها قانونياً، بينما تضعف بعضاً من أكثر أشكال تجارة القهوة المستدامة معنى.

تسأل اللائحة السؤال الأخلاقي الصحيح: هل يجب على أوروبا أن تستهلك قهوة مرتبطة بإزالة الغابات؟ بوضوح، لا. لكن السؤال التالي لا يقل أهمية: هل تستطيع أوروبا حماية الغابات دون دفع صغار المزارعين، والأصناف القديمة، والتجارة المباشرة، وتنوع القهوة خارج السوق؟

في الوقت الحالي، أنا غير مقتنع بأننا حققنا هذا التوازن.

قهوة ورلد – الحلقة الثانية غداً مع كيم تومبسون، المؤسس المشارك لشركة راو كوفي في دبي.

مواد ذات صلة:

6 أصوات من صناعة القهوة تقتحم صمت بروكسل.. تبسيط أم تجميل؟

المفوضية الأوروبية تبسط لائحة إزالة الغابات.. ما الجديد؟

6 أصوات من صناعة القهوة تقتحم صمت بروكسل.. تبسيط أم تجميل؟

تحقيق علي الزكري – دبي. في هذا التحقيق سنناقش موضوع تبسيط لائحة الغابات آراء خبراء القهوة.

11 مايو 2026

في الرابع من مايو 2026، نشرت المفوضية الأوروبية حزمة “التبسيط” للائحة إزالة الغابات. انتظرت صناعة القهوة العالمية هذا القرار بفارغ الصبر. بعد التعديلات التي أجريت في ديسمبر 2025، كان الكثيرون يأملون في تخفيف حقيقي للأعباء.

لكن ما خرج من بروكسل كان مثيراً للجدل. أضافت المفوضية القهوة سريعة الذوبان بعد أن كانت مستثناة. أخرجت الجلود من القائمة مؤقتاً. خفضت التكاليف التقديرية للامتثال بنسبة 75 في المائة للشركات الصغيرة داخل أوروبا. لكنها أبقيت على إلزامية إحداثيات الموقع الجغرافي للمصدرين من الدول منخفضة المخاطر. وثبتت الموعد النهائي في 30 ديسمبر 2026.

قهوة ورلد طرحت أربعة أسئلة على ستة خبراء ومتخصصين من أربع قارات. هذا التقرير التمهيدي يلخص آراءهم. في الأيام القادمة، سننشر حلقات كاملة مع ردود كل مشارك دون اقتطاع.

من هم المشاركون

ألمانيا
خبير علوم القهوة التطبيقية
دبي
مؤسس مشارك، شركة راو كوفي
هندوراس
خبير طب شرعي في سلاسل التوريد
كينيا
مصدر قهوة خضراء، الرئيس التنفيذي لشركة سومسيرون كوفي
فيتنام
مستشار قهوة متخصص ومدرب معتمد
هولندا

مؤسس تاكومي كولكتيف

ماذا قالوا

الدكتور شتيفن شفارتس

تقييم التبسيط: يساعد عند الهامش لكن اللائحة لا تزال وحشاً إدارياً للصغار. المستفيد الأكبر: الشركات الكبيرة والدول منخفضة المخاطر ذات الأنظمة الوثائقية. القهوة سريعة الذوبان: منطقي لكنه يزيد التعقيد. جاهزية السلسلة: غير جاهزة، وأكبر متضرر هم صغار المنتجين والمستوردين المستقلين.

كيم تومبسون، راو كوفي

تقييم التبسيط: يساعد عند الحواف لكن نقطة الضغط الأكبر وهي التتبع لم تزل. المستفيد الأكبر: المؤسسات الكبيرة والبلدان ذات الأنظمة الرقمية الجاهزة. القهوة سريعة الذوبان: منطقي ويغلق ثغرة. جاهزية السلسلة: غير جاهزة، والجزء الأكثر ضعفاً هم صغار المزارعين في سلاسل التوريد المجزأة.

بيرك كامبل

تقييم التبسيط: تجميلي. ما بسطته أوروبا هو ما يخصها فقط. المستفيد الأكبر: الشركات الكبيرة. صغار المنتجين خارج أوروبا لم يستفيدوا. القهوة سريعة الذوبان: يغلق ثغرة لكنه يفرض ضرائب على التصنيع في بلد المنشأ. جاهزية السلسلة: غير جاهزة، والمتضرر الأكبر هم التعاونيات الصغيرة في أفريقيا وأمريكا الوسطى.

جون سيروني

تقييم التبسيط: خطوة إيجابية جزئياً، لكن التكاليف الجوهرية لا تزال مرتفعة. المستفيد الأكبر: الشركات الكبيرة وسلاسل التوريد المنظمة. القهوة سريعة الذوبان: مهم ويغلق ثغرة. جاهزية السلسلة: غير جاهزة في أفريقيا وآسيا، والخطر الأكبر على صغار المزارعين والتعاونيات الصغيرة.

مايكل ترونغ

تقييم التبسيط: لا يقدم قيمة حقيقية للمزارعين أو المستهلكين، ويزيد التكاليف فقط. جاهزية السلسلة: غير جاهزة تماماً لموعد ديسمبر 2026. يحذر من أن اللائحة تتحول إلى “ضريبة امتثال” تلتهم أرباح المزارع.

فابريسيو سكوكو فيورافانتي

تقييم التبسيط: خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها تقدمية. المستفيد الأكبر: المصدرون منخفضو المخاطر وصغار المنتجين. القهوة سريعة الذوبان: يغلق ثغرة غير متسقة فلسفياً. جاهزية السلسلة: غير جاهزة، وأكبر متضرر هم المستوردون من المستوى المتوسط.

 تبسيط لائحة الغابات الأوروبية آراء خبراء القهوة

نقطة واحدة اتفقوا عليها جميعاً

سلسلة توريد القهوة العالمية ليست جاهزة لموعد 30 ديسمبر 2026. ليس حتى قريبة. الشركات الكبيرة والتجار متعددي الجنسيات مستعدون. لكن المناطق التي يعتمد إنتاجها على صغار المزارعين في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا الوسطى تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة.

كما قال جون سيروني: “بدون دعم مالي وتدريب وشراكات حقيقية، يواجه صغار المنتجين خطر الاستبعاد من السوق الأوروبية، رغم أنهم يزرعون قهوة عالية الجودة بشكل مستدام لأجيال”.

وأضاف بيرك كامبل أن استثناء “صغار المنتجين” هو قاعدة داخل أوروبية فقط. مشغل صغير في ألمانيا يمكنه استخدام عنوان بريدي بدلاً من المضلعات الجغرافية. أما المزارع الصغير في هندوراس أو فيتنام فلا يستطيع. “هذا البند الواحد هو جوهر عدم التماثل”.

ما الذي تغير وما الذي لم يتغير

تمت إضافة القهوة سريعة الذوبان إلى القائمة الخاضعة للرقابة، مما يسد ثغرة كانت تسمح لدخول القهوة المرتبطة بإزالة الغابات عبر منتجاته. تم استبعاد الجلود والجلود الخام والمدبوغة والمكملة بشكل مؤقت.

انخفضت تكاليف الامتثال للمشغلين الصغار داخل الاتحاد الأوروبي بنسبة تصل إلى 75 في المائة. لكن إحداثيات الموقع الجغرافي لا تزال إلزامية للمصدرين من الدول منخفضة المخاطر، باستثناء المشغلين الأوروبيين الصغار جداً. الموعد النهائي هو 30 ديسمبر 2026 للمشغلين الكبار والمتوسطين، و30 يونيو 2027 لمعظم المشغلين الصغار جداً خارج قطاع الأخشاب.

أسئلة جوهرية

هل يعفي التبسيط الدول منخفضة المخاطر من الموقع الجغرافي؟

لا. المصدرون من الدول منخفضة المخاطر لا يزالون ملزمين بتقديم إحداثيات الموقع الجغرافي لقطع الأراضي، باستثناء المشغلين الأوروبيين الصغار جداً الذين يمكنهم استخدام العنوان البريدي.

لماذا أضيفت القهوة سريعة الذوبان إلى اللائحة؟

لأن استبعادها كان يخلق ثغرة تسمح بدخول قهوة مرتبطة بإزالة الغابات عبر تحويلها إلى قهوة سريعة الذوبان خارج أوروبا. إدراجها يسد هذه الثغرة.

هل سلسلة توريد القهوة العالمية جاهزة لموعد ديسمبر 2026؟

لا. يتفق الخبراء على أن السلسلة غير جاهزة. الشركات الكبيرة مستعدة، لكن صغار المزارعين والمصدرين في أفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى يواجهون صعوبات كبيرة.

القادم حلقات كاملة

هذا هو الباب. في الأيام القادمة، ستنشر قهوة ورلد ست حلقات كاملة، كل حلقة مخصصة لأحد الخبراء، مع ردودهم كاملة دون اقتطاع.

الدكتور شتيفن شفارتس

كيم تومبسون راو كوفي

بيرك كامبل

جون سيروني

مايكل ترونغ

فابريسيو سكوكو فيورافانتي

الحلقة الأولى قريباً مع الدكتور شتيفن شفارتس.

© 2026 قهوة ورلد | تحقيق صحفي حول القهوة والتجارة والاستدامة. المصادر: حزمة تبسيط المفوضية الأوروبية (مايو 2026)، مقابلات حصرية أجراها علي الزكري. الآراء الواردة تعبر عن رأي الخبراء المشاركين فقط.

مايكل ترونغ: بعد الخمسين صرت مبتدئاً في عالم القهوة

حوار خاص وحصري مع السيد مايكل ترونغ، المدرب المعتمد من جمعية القهوة المختصة، ومؤسس علامة «آي أو كافيه» الفيتنامية

دبي – علي الزكري

تبدأ أغلب الأحاديث عن القهوة بنوتة تذوق: الشوكولاتة، الياسمين، الفواكه المجففة. ولكن ماذا لو بدأنا بدلا من ذلك بحاوية شحن عالقة في الجمارك؟ أو بمزارع يشاهد أشهرا من العمل تضيع في ساعة واحدة بسبب المطر؟

السيد مايكل ترونغ قضى أكثر من 25 عاما في مجال الخدمات اللوجستية الدولية. ينقل البضائع، ويحل أزمات الموانئ، ويلاحق الأوراق. ثم بعد الخمسين، فعل شيئا غير متوقع. صار تلميذا في عالم القهوة. وهو اليوم مدرب معتمد من جمعية القهوة المختصة، ومستشار في مجال القهوة، ومؤسس علامة «آي أو كافيه»، حيث يقوم بالتحميص داخل فيتنام ليبقي القيمة عند أيدي الذين يزرعون الحبة.

في هذه المقابلة الصريحة، يشرح مايكل كيف جلبته الجائحة إلى بداية جديدة، وما معنى «ابتسامة القهوة» الحزينة، وكيف علمته الخبرة اللوجستية ألا يحترم الحبة فقط، بل كل الأيدي التي تلمسها.

إذا كنت ممن يهتمون بما وراء فناجين قهوتك، ليس فقط قصة المصدر، بل سلسلة الإمداد الحقيقية، فهذه المقابلة لك.

  • لقد قضيت أكثر من 25 عاما في مجال الخدمات اللوجستية، ثم انتقلت فجأة إلى عالم القهوة المختصة. كيف حدث ذلك؟ وهل ساعدتك الخبرة اللوجستية في رؤية القهوة بشكل مختلف؟

أنا قادم من قطاع الخدمات. قضيت أكثر من 25 عاما في مجال الشحن الدولي. أحل مشاكل الجمارك، وتأخير الشحنات، وازدحام الموانئ، وأتلقى المكالمات في كل ساعة فقط للحفاظ على سير البضائع. كانت تلك حياتي لزمن طويل.

ثم جاءت الجائحة وتباطأ كل شيء. ولأول مرة منذ سنوات، وجدت وقتا لأجلس بهدوء وأتأمل. أدركت أنني أعرف كيف أنقل القهوة حول العالم، لكنني لا أعرف شيئا عن الناس الذين يزرعونها. لم أكن أعرف الزراعة، ولا التربة، ولا الجهد الكبير الذي يحدث قبل أن تصل الحبة إلى مستودع أو مقهى.

هذه كانت حياة بدايتي بعد الخمسين. في عمر يعتقد فيه كثيرون أنهم سيبدأون بالتراجع، صرت مبتدئا من جديد. ولأنني قادم من مجال الخدمات اللوجستية، لم أدخل عالم القهوة كخبير. بل دخلت كتلميذ. في الخدمات اللوجستية، تتعلم أن تحترم الرحلة من النقطة (أ) إلى النقطة (ب). أما في القهوة، فقد تعلمت أن أحترم الأشخاص الذين يقفون في بداية تلك الرحلة. بصراحة، القهوة علمتني شيئا واحدا. كلما عرفت أكثر، أدركت أنني لا أعرف.

  • أسست علامة «آي أو كافيه» بعد مسيرتك الطويلة في الخدمات اللوجستية. كيف تستخدم تلك الخبرة لتحسين سلسلة القهوة؟ وهل غيرت طريقة شحن القهوة بسبب الأخطاء التي رأيتها؟

نعم، كثيرا. في الخدمات اللوجستية، خطأ صغير في البداية يتحول إلى مشكلة عملاقة لاحقا. لقد عشت الكوابيس الحقيقية. فخ الرمز الجمركي في الجمارك، أو فقدان الشهادات، أو بقاء البضاعة في الميناء بسبب الازدحام. القهوة حساسة جداً لكل هذا. إذا بقيت في حاوية ساخنة أثناء تأخير الميناء، أو بالقرب من شيء ذي رائحة كريهة بسبب سوء اختيار المعدات، فإن النكهة تختفي.

بسبب خلفيتي، أهتم بشكل طبيعي بتدفق الهواء، والتحكم في الرطوبة، والتغليف، ونظافة الحاويات لحماية الحبة من المزرعة حتى الفنجان. ولكن أكبر شيء كان رؤيتي لقلة القيمة التي تبقى لدى المزارعين. ولهذا نقوم بالتحميص في فيتنام في علامة «آي أو كافيه». أؤمن بأن منطقة المنشأ يجب أن تحتفظ بقدر أكبر من المكافأة، وليس فقط تصدير المادة الخام.

بالنسبة لي، الاستدامة ليست مجرد كلمة تسويقية. إنها حماية للجهد الكامن وراء القهوة. ولهذا نقول دائما: احترم الحبة. احترم الأيدي.

  • ما الذي دفعك لتصبح مدربا معتمدا من جمعية القهوة المختصة وتبدأ قناة «مايكل باريستا» على موقع يوتيوب؟

كنت أعتقد أن القهوة بسيطة. ولكن بمجرد أن تتعمق، ترى أنها جامعة كاملة داخل حبة صغيرة. كيمياء، زراعة، تحميص، وعلم التذوق، كلها متصلة. لم أرغب في أن أكون مجرد رجل يملك رأيا. أردت أن أتعلم المعايير المهنية الدولية. وهذا ما قادني لأصبح مدربا معتمدا من جمعية القهوة المختصة.

قناة يوتيوب جاءت بشكل طبيعي. بدأت قناة «مايكل باريستا» لتوثيق رحلتي بأمانة، بما في ذلك أخطائي. أنا لست أستاذا. أنا مجرد شخص قادم من خارج هذا العالم يشارك ما يكتشفه، لكي يشعر الجيل الأصغر أن القهوة شيء يمكنهم الاقتراب منه. تعلمت أيضا أنه اليوم، القهوة الجيدة وحدها لا تكفي. أنت بحاجة إلى سرد القصص وإلى تواصل حقيقي مع الناس.

  • خلال رحلاتك العديدة إلى مزارع القهوة، ما هي ثلاثة أشياء لم تتوقع رؤيتها أبدا؟

أولا: التضحية. لم أتوقع أبدا هذا المستوى الهائل من الجهد البدني. رؤية المزارعين يقطفون الثمار تحت الشمس الحارقة. تلك حياة رجل، وليس مجرد منتج.

ثانيا: الهشاشة أو «ابتسامة القهوة». في الخدمات اللوجستية، التوقيت مهم. في القهوة، التوقيت هو كل شيء. تعلمت قصة حزينة في المزارع. إذا هطل المطر بشكل غير متوقع أثناء موسم الحصاد، تنفجر الثمار الناضجة. نسمي هذا «ابتسامة القهوة»، ولكن عندما تبتسم القهوة، يبكي المزارع. في بضع ساعات فقط من المطر، تتحلل أشهر من العمل الشاق. هذا جعلني أدرك كم هي حساسة هذه الرحلة.

ثالثا: الأمل. أرى مزارعين أصغر سنا يعودون إلى المزارع بأفكار جديدة مع احترامهم للجيل الأكبر. إنهم يجلبون العلم والاستدامة إلى التراب، وهذا يعطيني أملا في مستقبل القهوة الفيتنامية.

  • فيتنام منتج كبير لحبوب روبوستا. كيف ننتقل نحو «القيمة» بدلا من «الكمية» فقط؟

لسنوات عديدة، اشتهرت فيتنام بالكمية في الغالب. لكنني الآن أرى المزيد من الناس يركزون على الجودة والشفافية وحبوب الروبوستا الفاخرة. الناس حول العالم لم يعودوا يريدون فقط نوتات النكهة. بل يريدون معرفة من أنتج القهوة وكيف تم التعامل معها.

ما زلت أتعلم كيفية الموازنة بين عقلي التشغيلي اللوجستي وبين جانب سرد القصص. في الخدمات اللوجستية، كنا فقط ننقل البضائع. أما في القهوة، فعلينا أن نشارك القلب الكامن وراء العمل. لا أعتقد أننا بحاجة إلى الكثير من الضجيج. القهوة الجيدة تتحدث بهدوء. أفضل ما يمكننا فعله هو مواصلة التحسن. شيئا فشيئا، موسما بعد موسم، وفنجانا بعد فنجان.

السيد مايكل ترونغ هو مدرب معتمد من جمعية القهوة المختصة ومؤسس علامة «آي أو كافيه» في فيتنام. يمكنكم متابعة محتواه التعليمي على يوتيوب باسم «مايكل باريستا».

حوار استثنائي مع البروفيسور شاهان يريتزيان، رائد القهوة المزروعة في المختبر

دبي – علي الزكري  

لثلاثة عقود، كان البروفيسور شاهان يريتزيان واحداً من أكثر الأصوات احتراماً في عالم القهوة. بصفته أستاذاً فخرياً للكيمياء التحليلية ورئيس مركز التميز للقهوة في جامعة زيورخ للعلوم التطبيقية (ZHAW) في سويسرا، شهد كل التحولات الكبرى في طريقة فهمنا وتحميصنا وتذوقنا للمشروب الأكثر محبة في العالم. لكن قبل خمس سنوات، وجد نفسه يفكر في فكرة اعتبرها كثيرون في الصناعة خيالاً علمياً: زراعة القهوة ليس على سفوح الجبال، بل في مفاعلات حيوية.

واليوم، أصبحت تلك الرؤية التي بدت بعيدة المنال قريبة من التحقق تجارياً. تستعد شركة “فود برور” بالتعاون مع فريق البروفيسور يريتزيان لطرح القهوة المزروعة خلوياً في الأسواق أواخر عام 2027.

لطالما وصف حبة القهوة الطبيعية بأنها “مفاعل صغير مضغوط” ضروري لتكوين النكهة. فكيف يمكن محاكاة ذلك داخل خزان فولاذي؟ هل يمكن للخلايا المزروعة في المختبر أن تقدم التعقيد الحسي للإسبرسو العظيم؟ وماذا سيحدث لملايين صغار المزارعين في حزام القهوة إذا انتقل الإنتاج إلى مختبرات في زيورخ أو سنغافورة؟

أرسلنا هذه الأسئلة، الجريئة والمتشككة والفضولية، إلى البروفيسور يريتزيان. جاءت إجاباته بالصرامة والصدق والتفاؤل الذي يمتاز به. لا يرى القهوة المزروعة بديلاً عن التقليد، بل مكملاً ضرورياً، وأداة للاستقرار، وربما دعوة لإعادة التفكير في ماهية القهوة.

هذه مقابلة استثنائية حول فكرة استثنائية. تفضلوا بالقراءة.

تحدي “المفاعل الصغير”

لقد وصفتم حبة القهوة الطبيعية بأنها “مفاعل صغير مضغوط” أساسي لتكوين النكهة. وبما أن الكتلة الحيوية المزروعة خلوياً تفتقر إلى هذا البنية الفيزيائية، فما مدى قدرتنا واقعياً على الوصول إلى “طلقة الإسبرسو المثالية”؟ هل نسعى إلى نسخة كيميائية مطابقة، أم أن الهدف هو خلق فئة حسية جديدة تماماً؟

اهتمامي بالقهوة المزروعة خلوياً يأتي من عدة اتجاهات. أولاً: الاستدامة والعرض والطلب. عندما بدأت في علم القهوة والبحث فيها قبل ثلاثين عاماً، لم تكن الاستدامة في مزارع القهوة والقهوة المزروعة خلوياً موضوعين بارزين في العلم والاقتصاد. بدأ اهتمامي المتزايد قبل خمس سنوات، من إدراك أن زراعة القهوة التقليدية قد حققت نجاحاً كبيراً وأصبحت تُنتج بكميات هائلة لدرجة أنه في مرحلة ما في المستقبل، سيصبح الطلب على القهوة التقليدية المزروعة في المزارع أعلى من العرض، وسترتفع أسعار القهوة دون رجعة، وسيصبح استهلاك القهوة غير مستدام. حتى لو لم أكن ولست مؤيداً لاستبدال القهوة المزروعة في المزارع بالقهوة المزروعة خلوياً، فقد بدا لي واضحاً أن القهوة المزروعة خلوياً، كخيار لسد الفجوة، كانت حلاً جيداً جداً.

“القهوة المزروعة خلوياً ليست مصممة لتحل محل القهوة التقليدية، وليس طموحي استبدال القهوة عالية الجودة (القهوة المختصة). في الوقت الحالي، تهدف هذه التقنية إلى سد الفجوة والوصول إلى جودة القهوة الرئيسية.”

حتى اليوم، لا تصل القهوة المزروعة خلوياً إلى كثافة الإسبرسو الجيد. لكن هناك مشروعاً لهذا الهدف تحديداً: إيجاد استراتيجيات وتقنيات لزيادة كثافة النكهة وتحسين الملف الحسي والتركيب الكيميائي للقهوة المزروعة خلوياً لمحاكاة القهوة المزروعة في المزارع. أتوقع أن نصل لهدف محاكاة القهوة الجيدة خلال اثني عشر شهراً.

ثانياً: استهلاك الطاقة. القهوة المزروعة خلوياً تؤدي إلى انخفاض إجمالي في استهلاك الطاقة أثناء التحميص بمقدار عشرة أضعاف، وذلك بسبب صغر حجم الجسيمات وقصر وقت التحميص. مع التوقع بارتفاع وتذبذب تكاليف الطاقة في المستقبل، تصبح التكاليف الأكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ للقهوة المزروعة خلوياً ميزة كبرى.

ثالثاً: التكنولوجيا. تُحمص القهوة تقليدياً على شكل حبوب كاملة لجعلها هشة وسهلة الطحن، ولكن أعتقد أن تكوّن النكهة أثناء التحميص لم يُبحث بشكل كاف. العلم سيحسن تكنولوجيا تحميص القهوة بشكل كبير، حيث يمكن تعديل تكنولوجيا التحميص وتكييفها لتحميص القهوة الخضراء المطحونة، مثل إضافة دهون أثناء التحميص أو الطحن الخشن.

رابعاً: محاكاة الملف الحسي. بالنسبة للخبير، لا يمكن تحقيق كثافة الإسبرسو المثالية إلا بتحميص الحبوب السليمة. ولكن الملف الحسي للقهوة المطحونة والمحمصة يعتمد بشكل أساسي على حجم الطحن، والنضارة، وإضافة دهون أثناء التحميص للتقاط مركبات نكهة القهوة الذائبة في الدهون بشكل انتقائي.

“بما أن القهوة المزروعة خلوياً هي قهوة أصلية، فيمكننا وينبغي لنا أن نتحرر لخلق ملفات نكهة جديدة تماماً – كونوا مبدعين.”

خامساً: خلق ملفات حسية جديدة. القهوة المزروعة خلوياً هي قهوة أصلية، وهذا يعطيها الحرية في أن تكون نكهتها خارج الإطار التقليدي للإسبرسو. نحن بالفعل نقبل ونحب القهوة ذات النوتات العطرية الجديدة، مثل القهوة المخمرة بقوة أو المحمصة بدرجة خفيفة جداً، طالما أنها قهوة. لذلك أفترض أن فجوة النكهة الحالية هي عائق مؤقت فقط.

الاضطراب وسلسلة القيمة العالمية

يراقب القطاع عن كثب شركة “فود برور” وجولات تمويلها الأخيرة. كيف ترون تطور هيكل التسعير؟ وهل ستظهر القهوة المزروعة في المختبر كلاعب أول في مجال الاستدامة وبرفعة سعرية، أم أنها ستكون حلاً ضخم الحجم لتحقيق استقرار سوق السلع؟

شركة “فود برور” هي الأكثر تقدماً في مجال المنتجات المزروعة خلوياً، وطموحها هو تقديم قهوة بسعر تنافسي. في البداية، من المرجح أن يكون التسعير فوق سعر السلعة الأساسية أثناء التوسع، لكنني أتوقع أن الجزء الأكبر من الإنتاج سيكون قريباً لمنتجات الجودة الرئيسية بسعر مساوٍ أو أقل من القهوة التقليدية. هدف الشركة هو سد الفجوة بين الطلب والعرض وتثبيت سعر القهوة في سوق السلع الأساسية.

هناك قلق متزايد حول “فقدان المهارة” في بلدان أصل القهوة. إذا انتقل الإنتاج إلى مفاعلات حيوية في زيورخ، فماذا سيحدث للنسيج الاجتماعي الاقتصادي لحزام القهوة؟

أتوقع أن يتجه إنتاج القهوة المزروعة في المزارع في المستقبل نحو القهوة عالية الجودة ذات السعر الأعلى والمهارات العالية. زراعة القهوة التقليدية المتخصصة والمهارات المرتبطة بها ضرورية لإمدادات القهوة في العالم. في المقابل، سيتحول سوق القهوة الرئيسية الحساس للسعر والمنخفضة المهارة جزئياً إلى القهوة المزروعة خلوياً، عندها ستكمل التقنية الجديدة زراعة القهوة التقليدية ولا تلغيها.

الشفافية وعامل الصحة

هل ستتمكن “القهوة الخلوية” من ادعاء نفس الملف الغذائي الصحي كحبوب القهوة المزروعة في المزارع؟ وهل تم إجراء تقييم صارم لدورة الحياة يقارن البصمة الطاقية للمفاعلات مقابل الزراعة الحراجية؟

أعتقد وآمل أن تكون القهوة المزروعة خلوياً قادرة على ادعاء سمعة وملف غذائي صحي مشابه للحبوب التقليدية، وربما أفضل. من حيث المبدأ، يمكن زيادة المستقلبات الثانوية مثل الكافيين وأحماض الكلوروجينيك. كما أن انخفاض الكافيين قد يمثل ميزة صحية للتوجهات التي تفضل القهوة منخفضة الكافيين. أما بالنسبة لدورة الحياة، فقد أظهرت التقييمات إمكانية تقليل استخدام المياه والبصمة الكربونية بنحو تسعين في المئة.

العقبات التنظيمية وتبني السوق

كيف تخططون لسد فجوة السردية؟ وهل ترون المزائج الهجينة بمثابة “حصان طروادة” الضروري للقبول الجماهيري؟ وكيف تعرّف “القهوة” اليوم؟

الشفافية هي المفتاح. القهوة المزروعة خلوياً لا تستخدم أي تعديل جيني؛ إنها ببساطة تأخذ الخلية من نبتة القهوة وتشكل مباشرة قهوة خضراء مطحونة، فهي “زراعة أكثر كفاءة”. المنتجات المخلوطة الهجينة هي أحد الاحتمالات لتعريف المستهلكين بالمنتج بشرط الإعلان بوضوح عن ذلك. بالنسبة لي، الرائحة والطعم أمران حاسمان في تعريف القهوة، بالإضافة إلى الطاقة التي تمنحها ودورها كوسيط اجتماعي. بمجرد أن يثق الناس في التجربة الحسية، سيبدأ القبول الجماهيري.

الطريق إلى الأمام

ما هو العامل الوحيد الأكبر للنجاح أو الفشل لهذا المشروع؟ وهل سيتم تعريف “القهوة المتخصصة” في عام 2050 بمنطقة معينة أم بوصفة حيوية؟

العائق القانوني هو الأكبر حالياً، حيث يجب أن تصبح القهوة المزروعة خلوياً مقبولة قانونياً في الأسواق الكبيرة. العامل الثاني هو التوسع الناجح لتحقيق اقتصاديات وحدة جذابة من حيث السعر. وبحلول عام 2050، أرى أنهما سيتعايشان معاً؛ القهوة المزروعة خلوياً ستجعل الأصناف النادرة أكثر سهولة وتساعد في الحفاظ على الأنواع المهددة بالأبخرة، بينما ستستمر القهوة المزروعة في المزارع في تعريف المستقبل إلى حد كبير.

“توقعي لعام 2050: القهوة المزروعة في المزارع ستعرف المستقبل، والقهوة المزروعة خلوياً ستكون مقبولة في السوق الرئيسي، مما يسمح بإنتاج القهوة حيث تُشرب بنقل قصير وجودة مستقرة.”

من فيلنيوس إلى القمة.. كيف وصلت «هوراكان كوفي» إلى لقب الأفضل عالميًا؟

حوار خاص مع فيتاوتاس كراتوليس، مؤسس أفضل محمصة قهوة في العالم 2026

دبي – علي الزكري

عندما فازت «هوراكان كوفي» بلقب أفضل محمصة قهوة في العالم لعام 2026 ضمن جوائز القهوة العالمية في سان سلفادور، لم يكن ذلك مجرد إنجاز عابر، بل لحظة تعكس تحوّلًا أوسع في صناعة القهوة المختصة. للمرة الأولى، تصل محمصة من منطقة البلطيق إلى هذا المستوى، متقدمة على أسواق تقليدية لطالما قادت هذا القطاع.

خلف هذا الفوز يقف فيتاوتاس كراتوليس، الذي ارتبطت رحلته الشخصية بتحولات ليتوانيا منذ الاستقلال، وساهم بشكل مباشر في تأسيس مشهد القهوة المختصة في بلاده. من بدايات بسيطة في توزيع القهوة التجارية، إلى بناء شبكة علاقات عالمية مع المزارعين والمشاركة في أهم منصات التقييم الدولية، تشكلت تجربته عبر سنوات من العمل المتواصل والرؤية الواضحة.

في هذا الحوار مع «قهوة وورلد»، يفتح كراتوليس المجال للحديث عن رحلته، وفلسفته في التحميص، ورؤيته لمستقبل القهوة.

نترككم مع هذا الحوار.

  • بدايةً، هل يمكن أن تعرّفنا بنفسك وبقصة تأسيس «هوراكان كوفي»؟

عندما انهار الاتحاد السوفيتي، تغيّر كل شيء. حصلت ليتوانيا على استقلالها عام 1991، وكنت في السابعة عشرة من عمري. كانت لحظة إعادة بناء كاملة، حيث لم تكن هناك أنظمة واضحة أو استقرار اقتصادي، بل شعور عام بضرورة بناء كل شيء من الصفر.

رغم التحديات، كانت تلك الفترة مليئة بالفرص. بدأ الكثير من الشباب، بمن فيهم أنا، في البحث عن دور في هذا الواقع الجديد، سواء من خلال السفر أو العمل أو تأسيس مشاريع.

بدأت العمل في شركة توزيع للقهوة التجارية من دول أوروبية مختلفة. كانت مهمتي بسيطة، لكنني مع الوقت بدأت ألاحظ اهتمام الناس بالقهوة الجيدة، حتى وإن لم يكن لديهم المعرفة الكاملة بها. كما أن للقهوة بُعدًا شخصيًا في حياتي، إذ كانت والدتي تعتمد عليها للتخفيف من الصداع.

التحول الحقيقي جاء عندما تذوقت قهوة محمصة حديثًا لأول مرة. تلك اللحظة دفعتني لشراء آلة تحميص والدخول إلى هذا المجال.

في ذلك الوقت، لم يكن مفهوم القهوة المختصة منتشرًا، ولم أتعرف عليه إلا في عام 2004 خلال مشاركتي في معرض بأثينا، حيث التقيت بشخصيات مؤثرة في هذا المجال. بعد ذلك، عدت إلى فيلنيوس وافتتحت أول مقهى مختص، وأسست مجتمعًا محليًا للقهوة، ونظمنا أول بطولة وطنية، ثم شاركنا في بطولات عالمية.

وفي عام 2005، جاءت نقطة تحول مهمة عندما شاركت كحكم في مسابقة تميز القهوة في نيكاراغوا، وكانت تلك أول زيارة لي إلى بلد منتج، ومن هناك بدأت علاقاتي المباشرة مع المنتجين.

  • كيف كان شعورك عند الفوز بلقب أفضل محمصة قهوة في العالم؟

الشعور كان صعب الوصف. حتى لو حصلنا على المركز الثاني أو الثالث، لكان ذلك إنجازًا كبيرًا. لكن الوصول إلى المركز الأول يجعلك تتوقف وتفكر في الرحلة كلها.

في لحظة الإعلان، كان الإحساس بسيطًا، وهو الامتنان لوجودك في هذا المستوى. أما بعد ذلك، فتبدأ في إدراك أن هذا الإنجاز هو نتيجة سنوات طويلة من العمل.

عندما تأهلنا إلى النهائي، كنا نعتبر ذلك بحد ذاته إنجازًا، خاصة في ظل المنافسة مع أسواق متقدمة. لم نكن نتوقع الفوز، لكننا كنا مستعدين لتقديم أفضل ما لدينا.

  • ما الذي صنع الفارق في هذه المنافسة؟

أحد أهم العوامل كان قدرتنا على الأداء الجيد في عدة فئات، وليس فئة واحدة فقط. هذا التنوع أعطانا قوة إضافية.

لدينا خبرة طويلة في القهوة المفلترة ومشروبات الحليب، كما أن فريقنا لديه سجل قوي في بطولات الباريستا. حتى في فئات لم نركز عليها يوميًا، مثل التحميص الشامل، تمكنا من تحقيق نتائج جيدة.

التوقيت أيضًا كان مهمًا، حيث تزامنت المنافسة مع وصول دفعات مميزة من القهوة التي نحرص على توفيرها سنويًا، مما أتاح لنا تقديم خيارات قوية.

كنا نعمل وفق خطة واضحة، من اختيار القهوة إلى توقيت التحميص، وهذا ساعدنا على تقديم أنفسنا بشكل متكامل.

  • كيف تصف فلسفتكم في التحميص؟

نحن نؤمن أن التحميص يجب أن يتناسب مع طريقة التحضير.

في مشروبات الحليب، نعمل على تحقيق توازن يناسب الحليب. أما في القهوة المفلترة، فنفضل التحميص الخفيف لإبراز خصائص المنشأ.

في الإسبريسو، نبحث عن التوازن والحلاوة، مع حضور مدروس للحموضة. أسلوبنا يقع بين مدارس مختلفة، دون الانحياز الكامل لأي اتجاه.

نحن لا نرفض التجارب الحديثة، لكننا لا نعتبرها الحل الوحيد، بل نركز على ما يحقق أفضل نتيجة في الكوب.

  • ما أهمية علاقتكم بالمزارعين؟

هذه العلاقات هي أساس العمل.

مع مرور الوقت، تصبح العلاقة أكثر من مجرد تجارة، حيث يفهم المزارع احتياجاتك ويقدم لك أفضل ما لديه. ما تحصل عليه يعكس صورة البلد في سوقك.

لدينا علاقات طويلة، مثل تعاوننا مع مزارعين في السلفادور منذ سنوات عديدة، ونحرص على زيارة الدول المنتجة بشكل دوري لمتابعة التطورات.

  • ما رأيك في نظام التذوق الأعمى؟

أعتقد أنه نظام عادل إذا تم تطبيقه بشكل صحيح.

يعتمد على ثبات الظروف وخبرة الحكام، مما يسمح بتقييم موضوعي. كما أن مقارنة القهوة من دول مختلفة دون معرفة مصدرها يمنح نظرة أوسع على الجودة.

  • ماذا يعني هذا الفوز لمنطقة البلطيق؟

هو إنجاز مهم ويمنح دفعة معنوية كبيرة.

المشهد المحلي نشط، وهناك اهتمام متزايد بالقهوة المختصة، لكن لا يزال هناك مجال للتطور من حيث الوعي والاستمرارية في الجودة.

  •  ما خططكم القادمة؟

هذا الفوز أعطانا تأكيدًا بأننا نسير في الاتجاه الصحيح.

سنواصل التركيز على القهوة، مع تطوير منتجات جديدة والتوسع في التعاونات. كما نطمح إلى التواجد بشكل أكبر في أسواق جديدة، خاصة في العالم العربي.

  • ما النصيحة التي تقدمها للمحامص الطموحة؟

التركيز على المسار الخاص هو الأهم.

المشاركة في المنافسات مهمة، ويجب عدم الخوف من الخسارة. الكثير من الجهات القوية لا تخوض هذه التجارب أصلًا.

هذا الحوار يعكس رحلة طويلة من العمل والتجربة، ويؤكد أن التميز في القهوة لم يعد مرتبطًا بموقع جغرافي محدد، بل برؤية واضحة وقدرة على الاستمرار والتطور.

إيلي أبو خليل يكشف تحولات القهوة المنزلية في الخليج واتجاهات الباريستا المنزلي

 

دبي – قهوة ورلد

لم تعد القهوة في دول الخليج مجرد تجربة مرتبطة بالمقاهي أو اللقاءات الاجتماعية، بل أصبحت جزءا من نمط حياة يتشكل داخل المنازل. ومع تطور ثقافة القهوة وارتفاع مستوى الوعي بالجودة، بات المستهلك يسعى إلى تحضير كوب يضاهي ما تقدمه أفضل المقاهي.

هذا التحول يعكس توجها واضحا نحو الدقة والاتساق وفهم أعمق لأساسيات التحضير، حيث يظهر جيل جديد من عشاق القهوة الذين يتبنون دور الباريستا المنزلي. وفي الوقت نفسه، تظل القهوة مرتبطة بثقافة الضيافة، ما يجعل تحضيرها في المنزل تعبيرا عن الذوق والاهتمام بالتفاصيل.

في هذا الحوار، يشارك إيلي أبو خليل رؤيته حول هذا التحول، والتقنيات التي تدعمه، وكيف تتطور تجربة القهوة المنزلية في المنطقة. تابع القراءة لاكتشاف ملامح هذا المشهد المتغير.

كيف ترى تطور مستهلك القهوة في الخليج من زائر للمقاهي إلى باريستا منزلي يبحث عن الدقة الاحترافية

من منظور سيج، ما نراه في مختلف أنحاء الخليج هو نمو مستمر وواضح جدا في القهوة المختصة داخل المنازل. خلال السنوات الماضية، طوّر المستهلكون في أسواق مثل الإمارات والسعودية تقديرا قويا للقهوة عالية الجودة، مدفوعا بثقافة مقاهي متقدمة جدا وانفتاح عالمي من خلال السفر. ما يتغير الآن هو أن هذا التوقع لم يعد مقتصرا على المقاهي، بل أصبح عدد متزايد من الناس يسعى لإعادة إنتاج نفس مستوى الجودة في المنزل.

ومع ذلك، نشهد تحولا في السلوك. فالمستهلكون لا يبحثون فقط عن آلة، بل عن الاتساق والدقة والقدرة على فهم قهوتهم وتحسينها. وهنا نرى تحولا حقيقيا في السوق. في الوقت نفسه، ترتبط القهوة بشكل عميق بثقافة الضيافة في المنطقة. تحضير القهوة في المنزل، سواء كانت إسبريسو كلاسيكية أو مشروبات مخصصة، أصبح جزءا من طريقة استقبال الضيوف والتعبير عن الجودة. كما نرى بشكل متزايد ابتكار مشروبات خاصة أو بأسلوب منزلي، مما يعزز الحاجة إلى التحكم وإمكانية التكرار.

بالنسبة لنا في سيج، فهذا هو المجال الذي نعمل فيه. تركيزنا ينصب على تقديم أداء بمستوى احترافي داخل المنزل بطريقة سهلة ومتسقة. الهدف ليس تحويل كل مستهلك إلى باريستا محترف، بل منحه الأدوات والثقة لتحقيق نتائج بجودة المقاهي يوميا في مطبخه.

كيف توازن بين الأتمتة للمستخدم اليومي والتحكم اليدوي لعشاق القهوة

من وجهة نظرنا، لا يتعلق الأمر بالاختيار بين الأتمتة أو التحكم، بل بتقديم الحل المناسب لكل نوع من مستخدمي القهوة.

في الخليج، نرى نطاقا واسعا من الاحتياجات، من مستهلكين يبحثون عن السرعة والاتساق إلى آخرين يرغبون في تجربة عملية أكثر. في سيج، نعالج ذلك من خلال مجموعة تشمل التحضير التلقائي واليدوي والمساعد، مع الحفاظ دائما على نفس الالتزام بجودة الكوب.

عبر مختلف المنتجات، نركز على الدقة والأداء لضمان نتائج موثوقة من أول كوب.

في الوقت نفسه، تحتل المشروبات المعتمدة على الحليب مكانة أساسية في ثقافة القهوة في الخليج. ميزات مثل تبخير الحليب وتشكيله تلقائيا تلعب دورا مهما، حيث توفر نتائج متسقة مع إمكانية التخصيص مع مرور الوقت.

في النهاية، نهدف إلى تمكين المستهلكين من الأدوات المناسبة لتجربتهم المفضلة، مع المرونة للنمو دون المساس بالجودة.

ما التحديات الهندسية في نقل معايير احترافية إلى الأجهزة المنزلية

التحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال ميزات متقدمة، بل في جعلها تعمل بشكل متسق في بيئة منزلية. الآلات التجارية مصممة للاستخدام المكثف وعلى يد محترفين، بينما في المنزل تكون التوقعات مختلفة من حيث الحجم وسهولة الاستخدام والموثوقية اليومية. في سيج، يعتمد نهجنا على أربعة عناصر أساسية: الجرعة ودرجة حرارة التحضير والضغط والبخار.

تكمن الصعوبة في ترجمة هذه العناصر إلى صيغة منزلية، من خلال تقديم جرعة ووزن دقيقين، والحفاظ على درجة حرارة ثابتة ضمن نطاق ضيق، وضمان ضغط مستقر أثناء الاستخلاص، وتوفير بخار متسق لتشكيل الحليب.

هذه العناصر لا تكون مهمة إلا إذا قدمت نتائج متسقة في الكوب، لذلك ينصب التركيز على الدقة وإمكانية التكرار وسهولة الاستخدام بدلا من التعقيد.

في النهاية، الهدف هو نقل الأداء الاحترافي إلى المنزل بطريقة سلسة وموثوقة.

كيف تساعد التقنية في تقليل الهدر وتحسين الاستفادة من القهوة

بالنسبة لي، يعتمد الكثير على الاتساق في التحضير. في سيج، نركز على مساعدة المستخدمين للوصول إلى نتيجة عالية الجودة بسرعة أكبر وبثقة أعلى. عندما تكون عناصر مثل الجرعة ودرجة الحرارة والاستخلاص مستقرة وقابلة للتكرار، يصبح من الأسهل استخراج أفضل ما في القهوة.

ما ألاحظه غالبا هو أنه عندما يثق المستخدم في إعداداته، يبدأ بفهم قهوته بشكل أفضل ويطور أسلوبه تدريجيا. في النهاية، الأمر يتعلق بتحقيق نتائج أفضل باستمرار في المنزل وضمان أن كل كوب يقدم التجربة المتوقعة.

هل الطلب على الأجهزة الفاخرة اتجاه طويل الأمد أم مؤقت

هذا تحول هيكلي طويل الأمد بوضوح. في الإمارات والسعودية، القهوة جزء أساسي من الروتين اليومي وتلعب دورا مهما في الضيافة، مما يرفع التوقعات للجودة في المنزل. لم يعد المستهلكون راضين عن الحلول الأساسية، بل يبحثون عن الاتساق والأداء وتجربة أكثر تطورا.

في الوقت نفسه، أصبح السوق أكثر وعيا، مع تركيز أكبر على القيمة طويلة الأمد والأداء والموثوقية بدلا من الاتجاهات المؤقتة.

وهذا هو موقع سيج، حيث نركز على تقديم أداء احترافي في المنزل بطريقة سهلة ومتسقة، ومع استمرار ارتفاع التوقعات سيظل الطلب على حلول القهوة المنزلية الفاخرة قويا ومتطورا.

كيف تساهمون في تقليل فجوة التعلم لدى محضري القهوة في المنزل

جزء كبير من نهجنا في سيج هو تصميم آلات توجه المستخدم نحو نتيجة جيدة من البداية. سير العمل الواضح والأداء المتسق يسهلان بناء الثقة وتحسين المهارات مع الوقت. كما أن مجموعتنا تدعم مختلف أنواع المستخدمين سواء كانوا يفضلون الأتمتة أو التحكم اليدوي أو الحلول المساعدة، دون التأثير على الدقة وجودة الكوب.

التعليم جزء أساسي من هويتنا. نعمل بشكل وثيق مع محترفي القهوة والمحمصين، لأن الآلة في النهاية تعتمد على جودة الحبوب. يتم تطوير آلاتنا بالتعاون مع خبراء في مركز التصميم والابتكار في مقرنا في أستراليا، لنقل معايير المقاهي إلى المنزل. كما ندعم التعلم من خلال التجارب داخل المتاجر والمحتوى العملي.

لقد مررت شخصيا بشهادات احترافية وأرى قيمتها، لكنها ليست ضرورية للجميع. يجب أن تبقى القهوة متاحة للجميع، لكن لمن يرغب في التعمق، يمكن للتعلم المنظم تسريع هذه الرحلة. في النهاية، الأمر يتعلق بالجمع بين الأداء والدقة والاتساق لمنح المستخدم الثقة في تحضير قهوة رائعة في المنزل.

ما موقع الشرق الأوسط في خريطة الابتكار العالمية

أصبح الشرق الأوسط منطقة مهمة جدا من حيث فهم المستهلك والتفاعل معه.

ما يميز هذه المنطقة هو وعي المستهلك وتركيزه على الجودة، مع اهتمام كبير بالأداء والتصميم وتجربة الاستخدام في المنزل. بدلا من تطوير ميزات مخصصة لسوق واحد، نركز على الأنماط العالمية، ومن بينها في الشرق الأوسط تفضيل المشروبات بالحليب وكثرة الاستضافة المنزلية والحاجة إلى أداء متسق.

تحضير كوب جيد أمر، لكن الحفاظ على نفس الجودة عند تقديم عدة أكواب للضيوف أمر آخر مهم. هذه الرؤى تؤثر مباشرة على أولويات الابتكار لدينا.

كيف يمكن للتقنية تعزيز الشفافية وضمان عدالة سلاسل التوريد

في القهوة المختصة، يعمل المحمصون غالبا بشكل وثيق مع المزارع، ويبنون علاقات طويلة الأمد ويركزون على الجودة من المصدر حتى الكوب. هذه العلاقة عنصر أساسي في تعريف القهوة المختصة.

دورنا في سيج يركز على التحضير، حيث نصمم آلات تتيح للمستخدم التعبير الكامل عن جودة القهوة في المنزل. نعمل مع نخبة من محترفي القهوة لضمان أن تعكس آلاتنا معايير المقاهي.

يمكن للتقنية دعم الشفافية، لكن تركيزنا هو على تقديم الدقة والاتساق لإبراز أفضل ما في القهوة.

كيف سيغير الذكاء الاصطناعي والمنازل الذكية تجربة القهوة مستقبلا

سيلعب الاتصال دورا متزايدا في تجربة القهوة المنزلية. نرى ذلك بالفعل في بعض الأجهزة التي تدعم الاتصال، مما يتيح تحديثات مستمرة وإضافة وصفات جديدة مع الوقت.

كما أن بعض الأجهزة توفر تجربة أكثر ترابطا من خلال التطبيقات، رغم أن توفرها قد يختلف حسب المنطقة.

القيمة الحقيقية لهذه التقنية ليست في التعقيد، بل في التحسين المستمر، حيث تتيح دعم المستخدم بعد الشراء وجعل التجربة أكثر سهولة مع الوقت. ومع ذلك، تظل القهوة تجربة شخصية واجتماعية، ودور التقنية هو دعمها لا استبدالها.

في النهاية، الهدف هو بناء منظومة متصلة تتطور مع المستخدم مع الحفاظ على البساطة والمتعة.

حِرفة هادئة.. انضباط كافا أوسلو وفن التذوق والتحميص

دبي – علي الزكري

في عالم القهوة المختصة الذي يتسع يومًا بعد يوم، تبرز محمصة كافا أوسلو كأحد الأسماء التي بنت هويتها على الدقة، والصبر، والاحترام العميق للتفاصيل. من حي ريون في العاصمة النرويجية أوسلو، تواصل هذه المحمصة صياغة تجربة قهوة تقوم على فهم حقيقي للبذور، ورؤية واضحة لرحلة التحميص.

بعد عام استثنائي تُوّج فيه الفريق بلقب «أفضل محمصة في الشمال لعام 2026»، أجرينا هذا الحوار مع رئيسة التحميص تروده شخولد لوكن، للحديث عن رحلتها المهنية، وتحديات السوق العالمية، والفلسفة التي تقف خلف كل دفعة قهوة تخرج من المحمصة.

هذا الحوار ليس مجرد حديث عن القهوة، بل عن الحرفة، والانضباط، وكيف يمكن لفنجان واحد أن يحمل قصة تمتد عبر القارات.

التعريف بكافا أوسلو

هل يمكنكِ تقديم نفسكِ وسرد قصة كافا أوسلو للجمهور؟ وما هي القيم الأساسية التي تحدد هوية المحمصة في مشهد القهوة النرويجي؟

مرحبًا، اسمي تروده، أعمل في مجال القهوة المختصة منذ عام 2012 ، بدأت كباريستا ثم عملت كمحمصة إنتاج في عام 2016 . تقدمت تدريجيًا حتى وصلت إلى منصب رئيسة التحميص مع مسؤولية ضبط الجودة بعد سنوات من العمل. تعلمت مع الوقت، والصبر، والإصرار كيف أصبح متذوقة قهوة جيدة لأغراض التحميص، وهذا ما جعلني أصل إلى ما أنا عليه اليوم. إذا كان لدي نصيحة واحدة لأي شخص يرغب في أن يصبح محمصًا فهي: تعلّم التذوق لأغراض التحميص ولا تتوقف أبدًا عن التذوق.

كافا أوسلو هي محمصة قهوة مختصة صغيرة تقع في ريون في أوسلو. نشأت من إرث مقاهي أوسلو الشهيرة «جافا» و«موكا». تأسست على يد روبرت دبليو ثوريسن، أول بطل عالمي في فن الباريستا، وكانت رسالتنا دائمًا هي خلق تجارب ذات معنى من خلال قهوة استثنائية.

نعمل مباشرة مع منتجين مخلصين حول العالم للحصول على أفضل أنواع القهوة الخضراء عبر شركة التوريد التابعة لنا، مما يتيح لنا ضمان الاستدامة والجودة في كل مرحلة من الرحلة. نعتمد أسلوب تحميص خفيف يهدف إلى إبراز شخصية كل قهوة مع الحفاظ على سهولة تحضيرها.

منذ عام 2005 ونحن نركز على جعل القهوة المختصة تجربة قريبة ومفهومة للجميع، سواء في المنازل أو المقاهي، بهدف تقديم لمسة من الرفاهية اليومية عبر قهوة يمكن تتبع مصدرها بجودة عالية.

لحظة الفوز

تهانينا على الفوز بلقب أفضل محمصة في الشمال لعام 2026 . ما العنصر الذي تعتقدين أنه ميز أسلوبكم في التحميص هذا العام؟

كان هناك العديد من القهوات الرائعة على طاولة المنافسة، لكن ربما كانت الزهوريات والحموضة المتألقة في القهوة التي قمنا بتوريدها هي ما جعلها تبرز. كنا محظوظين للغاية بالحصول على قهوة من نوع غيشا كهذه. إنها من أفضل القهوج التي تذوقتها في حياتي، وقد جربت الكثير منها.

أما القهوة الإلزامية فكانت قريبة جدًا في أسلوبها من القهوة المختارة، وتعاملت معها كما لو كانت غيشا. اعتمدت تحميصًا خفيفًا بأسلوب الشمال، مع تطوير كافٍ يمنحها جسدًا ويجعل كلتا القهوتين تبرزان بشكل واضح.

تجربة المنافسة

في فئة القهوة الإلزامية، الجميع يعمل على نفس البذور. كيف تمكنتِ من إبراز أسلوبك الخاص؟

أول تجربة تحميص عينة لي على جهاز التحميص التجريبي ذكرتني بقهوة غيشا، شعرت بأنها خفيفة، حلوة، وحساسة جدًا، لذلك اعتمدت هذا النهج في التحميص الأول على أصغر جهاز إنتاج لدينا.

حاولت إبراز النكهات التي كانت كامنة في القهوة: التوت الأحمر، زهور شاي أسود، وحلاوة أنيقة وناعمة.

سلاسل الإمداد العالمية

مع التوترات في الشرق الأوسط وتأثيرها على الشحن العالمي، كيف ترين تأثير ذلك على وصول القهوة إلى النرويج وتكلفتها؟

التحدي الحالي خلال السنوات الأخيرة هو أن قهوتنا القادمة من شرق أفريقيا لم تعد تستخدم طريق قناة السويس، بل تلتف حول رأس الرجاء الصالح. هذا يضيف حوالي أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع على مدة الوصول، ويزيد من تكلفة الشحن بشكل ملحوظ.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع أسعار الوقود عالميًا يزيد من تكلفة تشغيل السفن والشاحنات التي تنقل القهوة إلينا في النرويج. الأمر ليس سهلًا دائمًا من الناحية اللوجستية، لكننا نحاول الحفاظ على استمرارية الإمدادات بأفضل شكل ممكن.

التكيف

هل دفعت هذه التحديات إلى تغيير طريقة التوريد أو الشحن؟

لن نقوم بتغيير استراتيجيات الشراء أو طريقة نقل القهوة. سنواصل العمل كما هو، حتى لو اضطررنا للانتظار فترة أطول لوصول القهوة إلى النرويج.

الطموحات المستقبلية

بعد تحقيق هذا الإنجاز، ما هي الخطوة التالية؟

سنستمر في المشاركة في مسابقات أفضل محمصة في الشمال خلال السنوات القادمة، لأنها تجربة ممتعة ومليئة بالتحديات وتساعد على بناء الفريق وتطوير المعرفة.

وعلى المستوى الشخصي، سأواصل المشاركة في مسابقات التذوق والتحميص الوطنية، لأنني شخصية تنافسية وأتعلم الكثير من خلالها.

رسالة إلى العالم العربي

ما رسالتك إلى مجتمع القهوة المختصة في العالم العربي؟

أود حقًا زيارة هذا الجزء من العالم يومًا ما، لم أزره من قبل. وإذا خططت لزيارة، آمل أن تتم دعوتي إلى محمصتكم، وأن نتبادل القهوة ونقيم جلسة تذوق معًا.

المصدر: دبي – علي الزكري

لابليبل باخارياس.. قصة إبداع، دقة، وانتصار في عالم القهوة

دبي – علي الزكري

عندما أُعلن فوز لابليبل باخارياس في تحدي لافاتزا باريستا 2026، لم يكن ذلك مجرد لحظة انتصار، بل تتويج لرؤية واضحة ودقة متناهية وشغف عميق بالقهوة كفن وحكاية. ممثلة الإمارات على المسرح العالمي، حولت كل فنجان إلى تجربة مميزة، تمزج بين التراث والابتكار بأسلوب أسر قلوب لجنة التحكيم والجمهور على حد سواء. من الإلهام وراء مشروبها المميز إلى الطقوس التي تصقل تركيزها، تشاركنا لابليبل باخارياس رحلتها وتحدياتها وفلسفتها الإبداعية. استعدوا لقراءة حوار ممتع يكشف قلب وعقل بارستا عالمي.

  • كيف شعرتِ عند إعلان فوزك في النهائيات العالمية؟

عندما نُطق اسمي، شعرت بمزيج من الامتنان والفخر والدهشة. في تلك اللحظة، شعرت بالفخر ليس فقط لتمثيلي لنفسي، بل أيضًا لفريقي وبلدي الإمارات.

  • ما أصعب تحدٍ واجهته خلال المنافسة؟

أصعب تحدٍ كان التحكم في التوتر مع الحفاظ على الدقة. على المستوى العالمي، الجميع يتمتع بمهارات عالية جدًا، لذلك المنافسة الحقيقية غالبًا تكون مع أعصابك الخاصة. البقاء هادئة، مركزة، وحاضرة بالكامل كان أكبر اختبار لي.

  • هل يمكنك تذكر اللحظة التي شعرتِ فيها أن أداؤك كان مثالياً؟

كان هناك لحظة خلال العرض عندما شعرت أن كل شيء متناسق: الاستخلاص، وتدفق كلامي، وتفاعل لجنة التحكيم. لم يكن الأمر متعلقًا بالكمال التقني، بل بالاتصال الحقيقي. شعرت حينها بالثقة التامة وبأنني على طبيعتي.

ما الإلهام وراء مشروبك المميز الذي قدمته؟

استوحيت مشروبي المميز من مبنى “بوسكو فيرتيكالي” في ميلانو، حيث يلتقي التقليد بالابتكار. في فنجاني، حاولت نقل هذا المفهوم إلى النكهة، مع احترام العناصر التقليدية مع استخدام تقنيات حديثة. مثلما يمزج المبنى بين التراث والابتكار، أردت أن أصنع فنجانًا يحترم جذور القهوة ويعبّر عن الإبداع والتطور.

  • ما المهارة أو التقنية التي شعرتِ أنها ميزتك عن بقية المنافسين؟

أعتقد أن قدرتي على دمج سرد القصة مع الدقة الفنية هي ما ميزني. فالمسابقات لا تتعلق فقط بالاستخلاص، بل بإيجاد تجربة عاطفية للمتذوقين أو لجنة التحكيم.

  • كيف تختارين المكونات وتوازنين النكهات في مشروباتك؟

أبدأ بالقهوة نفسها.. أصلها، طريقة معالجتها، ونكهاتها الطبيعية. كل مكون يجب أن يدعم القهوة ويرتقي بها دون أن يطغى عليها. أركز على التوازن بين الحلاوة، الحموضة، القوام، والنهاية. البساطة مع القصد دائمًا هدفي.

  • كيف تخططين لتطوير مهاراتك بعد هذا الفوز؟

الفوز ليس نهاية الطريق، بل بداية جديدة. أخطط للاستمرار في صقل حواسي، واستكشاف مصادر القهوة بعمق أكبر، وإرشاد البارستا الشبان، ودفع إبداعي إلى الأمام. النمو في عالم القهوة لا يتوقف أبدًا.

  • ما نصيحتك للشباب الذين يرغبون بأن يصبحوا بارستا محترفين؟

تحلوا بالصبر وابقوا فضوليين. أتقنوا الأساسيات قبل الانغماس في الصيحات. استثمروا في فهم القهوة بما يتجاوز الوصفات، تعرفوا على المزارعين، وطرق المعالجة، والتحميص، وتقييم الحواس. والأهم، لا تفقدوا شغفكم أبدًا.

  • ماذا يعني لك تمثيل الإمارات على الساحة العالمية للقهوة؟

إنه لشرف عظيم. تمتلك الإمارات ثقافة قهوة حيوية وسريعة النمو، وتمثيلها عالميًا يعني إبراز مهنيتنا وتنوعنا وطموحنا. وأتمنى أن ألهم الآخرين في المنطقة ليطمحوا إلى المسرح العالمي.

  • متى بدأ شغفك بالقهوة وكيف اكتشفته؟

بدأ شغفي بالقهوة من خلال أصدقائي الذين كانوا مولعين بالقهوة، وشغفهم بالنكهات والتقنيات والأصول ألهمني. ما بدأ فضولًا بسيطًا أصبح سريعًا شغفي الشخصي. كونك محاطًا بأشخاص يحبون الحرفة دفعني لأخذ القهوة على محمل الجد، وشيئًا فشيئًا أصبحت مهنتي وهدفي.

  • هل لديك طقوس أو عادات خاصة أثناء تحضير القهوة تساعدك على التركيز أو الإبداع؟

قبل كل عرض، أخذ بعض الأنفاس الهادئة لأركز نفسي. أركز على الهدف، لماذا أصنع هذه القهوة ولمن أصنعها. هذا الوضوح يساعدني على البقاء متوازنة ومبدعة في الوقت نفسه.

  • من كان مصدر إلهامك الأكبر في هذا المجال؟

مصادري للإلهام هم الأشخاص الذين تربيت معهم في هذه الصناعة، مدروبوني وزملائي البارستا. رؤية تفانيهم وتضحياتهم وشغفهم دفعني لأطمح للأفضل. علموني أن التميز الحقيقي في القهوة يأتي من الانضباط، التواضع، والقلب.

سماح بدر.. من شغف التذوق إلى أول مدربة للقهوة المختصة في اليمن

دبي – علي الزكري

لم يكن الأمر مجرد طموح مهني مرسوم، أو قراراً اتخذته في لحظة تفكير، بل كان “فطرة” نمت معها منذ الصغر؛ تلك الحساسية المفرطة تجاه النكهات، والتدقيق في تفاصيل المذاق التي قد تمر على الجميع مرور الكرام، كانت هي البوصلة التي وجهت “سماح بدر” نحو عالم القهوة. من طفلة “تتعب” أهلها بتحليل كل ما تذوقه، إلى أول يمنية تكسر الحواجز لتصبح مدربة معتمدة عالمياً، ومقيمة جودة محترفة، تغوص اليوم في أعماق هذا العالم لتكتشف فيه تعريفاً جديداً للحماس والإنجاز، مؤمنة بأن توقيت الله دائماً ما يكون مثالياً.

في هذا الحوار، ننسج مع سماح خيوط حكايتها التي بدأت بصدفة قادها شغف داخلي، لتتحول اليوم إلى واحدة من أبرز الوجوه التي تعيد صياغة المشهد التعليمي والميداني للقهوة المختصة في اليمن.

ندعوكم لمتابعة هذا الحوار الملهم الذي يجمع بين أصالة الإرث وعمق العلم:

Samah Badr: From Tasting Passion to Yemen’s First Coffee Trainer

  • نشأتِ في بيئة محبة للقهوة، وترعرعتِ في صنعاء.. كيف بدأت الحكاية قبل أن تصبح القهوة مسارًا علميًا؟

لم تكن القهوة بالنسبة لي مجرد مشروب، بل كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، حاضرة في المجالس، وفي الذاكرة، وفي هوية المكان. نشأتي في بيئة تقدّر القهوة منحتني هذا الارتباط المبكر، الذي بدأ كإحساس وانتماء، ثم تحوّل مع الوقت إلى شغف بالمعرفة. حين دخلت عالم القهوة المختصة، أدركت أن ما نحمله من إرث يمكن أن يُعاد تقديمه بلغة العلم، ليأخذ مكانه الذي يستحقه عالميًا.

  • تنحدر أصولك من إب، مديرية النادرة.. كيف شكّل هذا الامتداد علاقتك بالمزارعين والعمل الميداني؟

هذا الامتداد منحني رؤية مختلفة؛ فالقهوة بالنسبة لي ليست منتجًا نهائيًا، بل رحلة تبدأ من المزارع. وجودي في الميدان ليس ابتعادًا عن المدينة، بل اقترابًا من أصل الحكاية. أحرص على النزول للمزارع، لأنني أؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ من هناك، حيث يمكن تحويل المعرفة إلى ممارسة، والجودة إلى قيمة ملموسة تعود بالنفع على المزارع قبل أي طرف آخر.

  • بصفتك أول مدربة معتمدة من جمعية القهوة المختصة في اليمن، وضمن بيئة تعليمية معتمدة تشمل أكاديمية الإسبريسو والحرم التعليمي المتميز لجمعية القهوة، والمقر المهني المعتمد لمعهد جودة القهوة.. ماذا يعني هذا الحضور؟

الإجابة: هذا الحضور يمثل كسرًا للحواجز التي كانت تفصل بين الطموح والفرص. اليوم، أصبح بإمكان الشباب في اليمن الوصول إلى نفس جودة التعليم والمعايير العالمية دون الحاجة للسفر. نحن لا نقدّم دورات فقط، بل نبني منظومة تعليمية تخلق جيلًا جديدًا من المتخصصين القادرين على المنافسة، والمساهمة في تطوير قطاع القهوة محليًا وعالميًا.

Samah Badr: From Tasting Passion to Yemen’s First Coffee Trainer

  • في مسيرتك التدريبية.. ما هي أصعب قناعة واجهتكِ؟

أصعب ما واجهته هو ترسيخ فكرة أن الجودة ليست رفاهية. الكثير كانوا يرون أن القهوة منتج واحد لا يتغير، لكن من خلال التجربة والتذوق، بدأ هذا المفهوم يتلاشى. عندما يرى المتدرب الفرق بنفسه—في النكهة، وفي القيمة—يبدأ التحول الحقيقي، وتتحول القهوة من منتج عادي إلى تجربة لها معنى وسعر.

  • بعين خبيرة ومقيمة جودة معتمدة.. ما الذي ينقص القهوة اليمنية لتعود إلى القمة؟

القهوة اليمنية لا ينقصها التميز، بل ينقصها الاتساق. لدينا تنوع مذهل وإمكانات عالية، لكن تحسين الممارسات بعد الحصاد، من المعالجة إلى التجفيف، هو المفتاح الحقيقي. عندما ننجح في تقديم جودة مستقرة، سنرى القهوة اليمنية تعود بقوة، ليس فقط بتاريخها، بل بجودتها الحالية.

  • كيف تنجحين في نقل مفاهيم الجودة المعقدة إلى المزارع؟

الإجابة: أؤمن أن أبسط الطرق هي الأكثر تأثيرًا. أعتمد على ربط المعلومة بالنتيجة، وعلى تحويل المفاهيم النظرية إلى خطوات عملية يمكن تطبيقها بسهولة. عندما يرى المزارع أن تحسين بسيط في طريقة التجفيف قد يضاعف قيمة محصوله، يصبح التغيير خيارًا منطقيًا وليس عبئًا.

  • كيف ترين خارطة الطريق لمستقبل القهوة اليمنية؟

الإجابة: المستقبل يعتمد على بناء منظومة متكاملة تبدأ من المزارع وتنتهي بالسوق العالمي. نحتاج إلى تمكين حقيقي للمزارعين، وربطهم بسلاسل قيمة عادلة، وتعزيز هوية القهوة اليمنية كمنتج يحمل قصة وجودة. إذا تم العمل على هذه المحاور بشكل متوازن، فإن اليمن لا يستعيد مكانته فقط، بل يعيد تعريف نفسه في سوق القهوة المختصة.

  • حين تمثلين اليمن في المحافل الدولية كمدربة معتمدة.. ماذا تقولين للعالم؟

أقول إن اليمن ليس مجرد تاريخ في القهوة، بل هو حاضر غني بالفرص ومستقبل واعد. أحمل معي قصة بلد يمتلك عمقًا زراعيًا وثقافيًا فريدًا، وأسعى لأن يرى العالم هذا الجانب كما أراه—مليئًا بالإمكانات، وقادرًا على المنافسة، وجديرًا بأن يُسمع صوته من جديد.

محمد الهمداني: نحن لا نبيع قهوة.. نحن نحرس إرثاً يمنياً يمتد لأكثر من قرن!

منذ عام 1918.. رحلة سلالة “الهمداني” العريقة من جبال اليمن إلى الأسواق العالمية

دبي – علي الزكري

في عالم السلع، هناك أسماء تبيع “منتجات”، وهناك كيانات نادرة تبيع “تاريخاً” مقطراً في فنجان. حين تعبر عتبة شركة “الهمداني موكا”، فأنت لا تدخل مجرد مؤسسة تجارية، بل تفتح سجلات ذاكرة بدأت تدوين أولى صفحاتها في عام 1918، حين كانت قوافل القهوة ترسم ملامح التجارة العالمية من جبال اليمن الشاهقة.

من أزقة “سوق بوعان” في بني مطر، حيث وضع الأجداد حجر الأساس، وصولاً إلى ناطحات سحاب نيويورك وأسواق الخليج العربي، استطاعت هذه العائلة أن تحول “حبة القهوة” من مجرد محصول زراعي إلى رسالة حضارية عابرة للحدود. بين المخطوطات التي تجاوز عمرها مائة عام، وبين خطوط الإنتاج الأوروبية الحديثة، نلتقي بـ الأستاذ محمد الهمداني، المدير التنفيذي لشركة الهمداني موكا، ليحكي لنا كيف تدار “أمانة” بهذا الثقل، وكيف استطاعت الشركة أن تحافظ على نبض الأرض اليمنية في قلوب عشاق القهوة حول العالم.

ندعوكم في هذا الحوار الحصري والعميق، للإبحار في تفاصيل رحلة بدأت قبل قرن ولم تتوقف، والتعرف على كواليس صناعة الموكا الأصيلة التي تربط جبال حراز والحيمة بالعالم أجمع.

Mohammed Al-Hamdani: A Century of Yemeni Mocha Coffee Heritage | Interview

  • أستاذ محمد، حين نتحدث عن تاريخ يمتد إلى عام 1918، فنحن أمام إرث يسبق تشكّل الكثير من الأسواق العالمية المعاصرة. كمدير تنفيذي للعائلة التجارية العريقة، كيف تصف لنا شعور المسؤولية تجاه إدارة مؤسسة تحفظ مخطوطات ووثائق عمرها أكثر من قرن؟

إدارة شركة بهذا التاريخ ليست مجرد إدارة تجارية، بل هي أمانة تاريخية وثقافية كبرى. نحن لا ندير كياناً ربحياً فحسب، بل نحرس إرثاً عائلياً ارتبط باسم القهوة اليمنية منذ فجر القرن الماضي. فلسفة “الهمداني” ترتكز على مثلث ذهبي: الأصالة، الجودة، والاستمرارية. لقد حرصنا كأجيال متعاقبة على صون المعايير التي وضعها الأجداد، بدءاً من اختيار الثمار في المزارع وصولاً إلى تقديم منتج يليق بهوية القهوة اليمنية، ولهذا ظل اسمنا مرادفاً للجودة والموكا الأصيلة عبر العقود.

  • انطلقت الرحلة من سوق بوعان في بني مطر، المكان الذي شهد الخطوات الأولى للأجداد. كيف حافظ محمد الهمداني وفريقه على تلك العلاقة الوجدانية والمباشرة مع مزارعي الحيمة وحراز وبني مطر؟

محمد الهمداني: المزارع هو شريكنا الأول والأساسي. علاقتنا بمزارعي بني مطر وحراز والحيمة ليست علاقة توريد جافة، بل هي شراكة عمر. نحن ندعمهم بالتدريب الزراعي والتوعية بأساليب الحصاد والتجفيف العلمية، ونوفر لهم قنوات تسويق مستقرة تضمن استمراريتهم. هذه الثقة المتبادلة هي التي ضمنت لنا الحصول على أفخر أنواع القهوة، وهي التي حمت جودة القهوة اليمنية من الاندثار رغم كل الظروف.

Mohammed Al-Hamdani: A Century of Yemeni Mocha Coffee Heritage | Interview

  • في عام 2003، أحدثتم نقلة نوعية بإدخال خطوط الإنتاج الأوروبية الحديثة. كيف توازن بين “روح” الزراعة التقليدية و”دقة” المعايير الدولية؟

القهوة اليمنية تستمد فرادتها من طابعها التقليدي الذي توارثه المزارعون، وهذا خط أحمر لا يمكن المساس به. لكن لمواكبة السوق العالمي، كان لزاماً علينا تطوير عمليات الفرز والتعبئة. أدخلنا التقنيات الأوروبية لتنظيف وحماية الحبوب وضمان خلوها من العيوب وفق المعايير العالمية، دون التدخل في جوهر زراعتها وتجفيفها الطبيعي تحت الشمس. هذه المعادلة بين الأصالة والتكنولوجيا هي التي جعلت منتجنا ينافس بقوة في أرقى المحافل الدولية.

  • مع وجود أكثر من عشرة فروع في السعودية والخليج، إضافة إلى فرع الولايات المتحدة؛ كيف يقرأ محمد الهمداني تباين ذائقة عشاق القهوة عالمياً؟

الذائقة تتنوع بتنوع الثقافات؛ ففي الخليج يظل الارتباط وثيقاً بالقهوة العربية التقليدية، بينما في أمريكا وأوروبا نجد شغفاً متزايداً بالقهوة المختصة (Specialty Coffee) وطرق التحضير الحديثة. الجميل أن القهوة اليمنية تفرض حضورها في كل هذه الأنماط؛ فنكهتها المعقدة وتاريخها يمنحانها “كاريزما” خاصة تجذب المحترفين والهواة على حد سواء، مهما اختلفت طريقة التقديم.

Mohammed Al-Hamdani: A Century of Yemeni Mocha Coffee Heritage | Interview

  •  مشروع “المزرعة النموذجية” في حراز والحيمة.. ما الذي يمثله هذا المشروع لرؤيتكم الاستثمارية لمستقبل القهوة اليمنية؟

هذا المشروع هو قلب رؤيتنا المستقبلية. نحن نسعى لتكريس أفضل الممارسات الزراعية الحديثة التي ترفع من كفاءة الإنتاج وتحسن الجودة، مع الحفاظ الكامل على الطابع اليمني الأصيل. الهدف ليس مجرد زيادة المحصول، بل تحويل المزرعة إلى مركز تدريبي يدعم المزارع اليمني ويعزز استدامة هذا القطاع، لنثبت للعالم أن اليمن قادر على تقديم نماذج استثمارية عالمية في أرضه التاريخية.

  • رغم التحديات اللوجستية والاقتصادية الراهنة، تواصل “الهمداني” توسعها. ما هو المحرك السري خلف هذا الصمود؟

السر يكمن في “الإيمان بالهوية”. نحن نؤمن أن القهوة اليمنية هي الأفضل في العالم، وهذا الإيمان يدفعنا للعمل المستمر رغم الصعاب. نعتمد على شبكة علاقات قوية، وخبرة تجارية متراكمة، والتزام صارم لا يقبل المساومة بالمعايير العالمية في التعبئة والتصدير. نحن نعمل لنضمن أن تصل القهوة من الجبل اليمني إلى يد المستهلك في أي مكان في العالم بنفس الحالة المثالية التي كانت عليها لحظة حصادها.

Mohammed Al-Hamdani: A Century of Yemeni Mocha Coffee Heritage | Interview

  • ختاماً أستاذ محمد.. كيف تلخص قرناً من الزمان في رسالة واحدة لكل من يرتشف فنجان قهوة من “الهمداني”؟

رسالتنا هي: خلف كل رشفة قصة أرض. كل فنجان من قهوة الهمداني يختزل تعب مزارع يمني صبور، وإرثاً عائلياً صامداً منذ 100 عام. نحن لا نبيع مجرد مشروب، نحن نصدر تاريخاً وثقافة وهوية يمنية تصل من صنعاء إلى دبي ونيويورك، لتقول للعالم: “هنا أصل الموكا”.

أمل العكادي… صوت نسائي يعرّف العالم بقيمة القوة اليمنية

دبي – علي الزكري

في قلب الحكاية الطويلة للقهوة، يظل البن اليمني واحدًا من أكثر الفصول أصالة وثراءً. فمن جبال اليمن التي شهدت البدايات الأولى لانتشار القهوة في العالم، ما زالت الحبوب تحمل عبق التاريخ ونكهات الأرض التي زرعها المزارعون جيلاً بعد جيل. غير أن هذا الإرث العريق يحتاج دائمًا إلى من يرويه للعالم ويعيد تسليط الضوء عليه.

من بين الأصوات التي كرّست جهودها للتعريف بالبُن اليمني وتسويقه، تبرز أمل العكادي، الناشطة والمسوقة المتخصصة في قطاع القهوة، التي عملت لسنوات في التعريف بهذا المنتج الفريد والدفاع عن مكانته في الأسواق العالمية. في هذا الحوار مع “عالم القهوة”، تفتح العكادي نافذة على تجربتها الشخصية في هذا المجال، وعلى التحديات والطموحات المرتبطة بمستقبل البن اليمني. ندعوكم للتعرّف إلى قصتها ورؤيتها من خلال السطور التالية.

بداية المسار في عالم القهوة

تعرّف أمل العكادي نفسها بأنها مهتمة وعاملة في مجال القهوة اليمنية منذ سنوات، مع تركيز خاص على التعريف بالبُن اليمني وتسويقه. بدأت مسيرتها المهنية داخل شركة أجنبية، حيث عملت في قسم الإنتاج قبل أن تتدرج في العمل الوظيفي وصولاً إلى مجالات الشحن والتصدير. وخلال تلك السنوات ظل هدفها واضحًا: أن يعرف العالم القيمة الحقيقية للبن اليمني وتاريخه العريق. واليوم تقيم في الرياض، لكنها ما زالت تعتبر نفسها جزءًا من الجهود الرامية إلى إيصال صوت البن اليمني إلى العالم.

شغف يقود الفكرة

وتقول إن فكرة العمل في الترويج للبن اليمني جاءت أساسًا من حبها العميق لهذا المنتج وإيمانها بأنه كنز حقيقي. فاليمن، كما تؤكد، هو أصل القهوة في العالم، لكن التسويق لم يكن دائمًا بمستوى هذه المكانة التاريخية. ومن هنا نشأت رغبتها في أن تكون جزءًا من الجهود التي تعرّف الناس بهذا المنتج الفريد وتعيده إلى موقعه الذي يستحقه.

نكهة تحمل قصة

أكثر ما يجذبها في البن اليمني هو نكهته الفريدة وتنوعه الكبير من منطقة إلى أخرى. فالقهوة اليمنية، في نظرها، ليست مجرد مشروب، بل حكاية وثقافة تمتد عبر قرون، ونتاج عمل شاق يبذله المزارعون الذين يعتنون بهذه الشجرة سنوات طويلة حتى تصل حبوبها إلى فنجان القهوة.

خطوات البداية

تتذكر العكادي أن بداياتها في هذا المجال كانت بسيطة؛ إذ بدأت بالتواصل المباشر مع المزارعين والتعرّف إلى أنواع البن المختلفة. وتشير إلى الدور الذي لعبه مديرها السابق شبير عزي في دعمها خلال تلك المرحلة، حيث اكتسبت خبرة عملية في مجالات الشحن والتصدير، إلى جانب العمل على التعريف بالبُن اليمني عبر وسائل التواصل والعلاقات مع المهتمين بالقهوة داخل اليمن وخارجه.

أمل العكادي… صوت نسائي يعرّف العالم بقيمة القوة اليمنية

تحديات الطريق

لكن الطريق لم يكن خاليًا من الصعوبات. فقد واجهت، كما تقول، تحديات كبيرة بسبب الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد، مثل الحرب وصعوبة التنقل والتصدير. ومع ذلك، ظل البن اليمني يجد طريقه إلى الأسواق العالمية بفضل إيمان كثيرين بقيمته وتمسكهم بإيصال هذا المنتج إلى العالم.

تزايد الاهتمام العالمي

وترى العكادي أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في نظرة الناس إلى البن اليمني. فمع انتشار ثقافة القهوة المختصة في مختلف أنحاء العالم، بدأ الاهتمام يزداد بجودة البن اليمني وخصوصيته، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على هذا المنتج العريق.

جبال اليمن ونكهاتها المميزة

وعلى الرغم من أنها تؤكد أن جميع أنواع البن اليمني مميزة، فإنها تميل بشكل خاص إلى البن القادم من المناطق الجبلية مثل حراز ويافع، حيث تتميز هذه المناطق بنكهات غنية ومعقدة تلقى إقبالًا كبيرًا لدى عشاق القهوة المختصة.

حضور متزايد للمرأة اليمنية

كما تشدد العكادي على أن المرأة اليمنية تلعب دورًا مهمًا في قطاع القهوة، سواء في الزراعة أو المعالجة أو حتى في التسويق والترويج. وتعتقد أن حضور المرأة في هذا المجال أصبح اليوم أكثر وضوحًا وتأثيرًا، وهو تطور إيجابي يعكس حيوية هذا القطاع.

حلم لمستقبل البن اليمني

أما حلمها الأكبر، فهو أن يستعيد البن اليمني مكانته العالمية التي يستحقها، وأن يحصل المزارع اليمني على التقدير والسعر العادل مقابل الجهد الكبير الذي يبذله في زراعة هذا المحصول.

رسالة إلى المزارعين والشباب

وفي ختام حديثها، توجه رسالة إلى المزارعين والشباب على حد سواء. فالمزارعون، كما تقول، هم أساس هذا الكنز الحقيقي، بينما يمثل الشباب قوة المستقبل القادرة على تطوير هذا القطاع. وتؤكد أن البن اليمني يمكن أن يكون مصدر فخر ورافعة اقتصادية مهمة لليمن إذا تم العمل عليه بوعي وتسويق احترافي.

كما أعربت أمل العكادي عن شكرها لمنصة عالم القهوة وللأستاذ علي على إتاحة الفرصة للحديث عن تجربتها مع البن اليمني، معربة عن أملها في أن تستمر الجهود المشتركة للتعريف بقيمة هذا المنتج العريق وإبراز مكانته في عالم القهوة.

كيم تومبسون: القهوة على حافة الاضطراب

دبي – علي الزكري

لم يعد قطاع القهوة العالمي غريباً على الأزمات. ففي السنوات الأخيرة واجهت الصناعة سلسلة من الاضطرابات، بدءاً من تداعيات الجائحة وصولاً إلى تقلبات المناخ في الدول المنتجة وارتفاع تكاليف الشحن والنقل. واليوم، بينما يحاول السوق التكيف مع هذه المتغيرات، تضيف التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط طبقة جديدة من عدم اليقين إلى سلاسل الإمداد العالمية.

وفي وقت يشهد فيه سوق القهوة حالة من التقلب — إذ بلغ الإنتاج العالمي نحو 175 مليون كيس في عام 2025 في ظل ارتفاع التكاليف الناتجة عن التحديات المناخية واضطرابات الشحن — تأتي الحرب الجارية في المنطقة لتثير تساؤلات جديدة حول استقرار طرق التجارة وسلاسل التوريد التي تعتمد عليها هذه الصناعة العالمية.

القهوة سلعة تعبر آلاف الكيلومترات قبل أن تصل إلى فنجان المستهلك؛ من المزارع في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا إلى الموانئ وشركات الشحن، ثم إلى المحامص والمقاهي. وأي اضطراب في الممرات البحرية أو تكاليف النقل أو الخدمات اللوجستية يمكن أن ينعكس سريعاً على السوق، خصوصاً في قطاع القهوة المختصة الذي يعتمد على الطزاجة وعلاقات طويلة الأمد مع المنتجين.

لفهم كيف ينظر العاملون في القطاع إلى هذه التطورات، أجرينا هذا الحوار مع كيم تومبسون، الشريك المؤسس  في شركة راو كوفي إحدى أبرز شركات تحميص القهوة المختصة في دبي. في هذا الحوار تتحدث تومبسون عن ردود فعل المقاهي حتى الآن، واحتمالات ارتفاع الأسعار، وتعقيدات الشحن التي بدأت تظهر مع تصاعد التوترات في المنطقة، إضافة إلى كيفية استعداد الشركات للحفاظ على استمرارية العمل إذا تعرضت سلاسل الإمداد لمزيد من الضغوط.

  • هل بدأ عامل الخوف يظهر في السوق؟ وهل تلاحظون أن المقاهي أو الفنادق بدأت بشراء القهوة بكميات كبيرة وتخزينها تحسباً لأي نقص محتمل؟

ليس فعلياً. الواقع في قطاع المقاهي أن معظم المشغلين يديرون تدفقهم النقدي أسبوعاً بأسبوع، وليس لديهم عادة القدرة على بناء مخزون استراتيجي كبير. لذلك فإن معظم النقاشات التي نجريها حالياً تتركز حول التحكم في التكاليف أكثر من التخزين أو الشراء بدافع القلق.

هناك عامل آخر مهم وهو الطزاجة. القهوة المختصة ليست سلعة تُخزن في المستودعات لأشهر طويلة. نحن نحمّص القهوة أسبوعياً ونوزعها طازجة، وبالتالي فإن فكرة التخزين لا تتماشى مع الطريقة التي تعمل بها شركات القهوة التي تركز على الجودة.

قد يعبجك أيضا: ارتفاع النفط قد يرفع أسعار القهوة عالمياً 

نتوقع أن تتضح ردود الفعل الحقيقية — إن حدثت — بعد عيد الفطر، عندما يكون لدى أصحاب المقاهي وقت كافٍ لتقييم الوضع الجيوسياسي والتفكير في كيفية التعامل معه. في الوقت الحالي الجميع يراقب الوضع بحذر أكثر من كونه في حالة ذعر.

  • القهوة التي تقومون بتحميصها اليوم تم شراؤها قبل الحرب. إلى متى يمكنكم الحفاظ على الأسعار الحالية في قوائم المقاهي قبل أن تفرض تكاليف الشحن الجديدة نفسها؟

الحقيقة غير المريحة هي أن الضغوط السعرية في سوق القهوة بدأت قبل هذا الصراع بوقت طويل. فالقطاع كان يمتص بالفعل زيادات كبيرة في تكاليف الإنتاج في بلدان المنشأ، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعالجة والشحن خلال العامين الماضيين.

لقد اضطررنا بالفعل إلى تعديل الأسعار مرة واحدة، ببساطة لأن اقتصاديات إنتاج القهوة عالية الجودة تغيرت على مستوى العالم.

إذا تقلصت طرق الشحن أو ارتفعت تكاليف الخدمات اللوجستية مرة أخرى بسبب عدم الاستقرار في المنطقة، فهناك حدّ لما يمكن لسلسلة التوريد أن تتحمله. قد يتمكن المحمّصون من امتصاص جزء من الصدمة لفترة معينة، لكن في نهاية المطاف ستفرض الأرقام نفسها على الجميع.

القهوة تاريخياً كانت أقل سعراً مما ينبغي إذا أخذنا في الاعتبار حجم العمل والمخاطر المرتبطة بإنتاجها. وما نراه الآن هو أن السوق العالمي بدأ تدريجياً في تصحيح هذا الواقع.

  • هل هناك بلدان منشأ أو درجات من القهوة المختصة أصبحت فعلياً خارج الوصول بسبب مرورها عبر مناطق الصراع؟

حتى الآن لا يوجد منشأ أصبح مقطوعاً بالكامل، لكن الخدمات اللوجستية أصبحت أكثر تعقيداً بين ليلة وضحاها.

لدينا حالياً عدة حاويات في البحر ونحن نتابع مسارها باستمرار، وفي الوقت نفسه نبحث عن مسارات بديلة لتجنب المرور عبر مضيق هرمز.

من نواحٍ كثيرة يبدو الأمر شبيهاً بما حدث في بداية جائحة كورونا: التخطيط لسيناريوهات مختلفة، والبحث عن طرق شحن بديلة، والاعتماد بشكل كبير على العلاقات داخل سلسلة التوريد للحفاظ على تدفق القهوة.

قطاع القهوة المختصة يتمتع بقدر كبير من المرونة لأنه قائم أساساً على علاقات طويلة الأمد مع المنتجين والمصدرين وشركاء الخدمات اللوجستية. وعندما تصبح الظروف غير متوقعة، تزداد قيمة هذه العلاقات بشكل كبير.

  • ماذا عن المعدات وقطع الغيار؟ هل هناك خطر من أن يتعطل جهاز إسبريسو في أحد المقاهي ويبقى معطلاً بسبب تأخر الشحن؟

نحن نراقب هذا الجانب عن كثب. لحسن الحظ قمنا بالتخطيط مسبقاً، ولدينا عدة حاويات في طريقها إلينا تحمل آلات قهوة تجارية ومنزلية. قد تصبح الإمدادات أكثر محدودية، لكننا لا نبدأ هذه المرحلة من دون استعداد.

الأهم من ذلك أننا استثمرنا كثيراً في بنيتنا التقنية. لدينا قسم صيانة متكامل داخل الشركة، مع مخزون كبير من قطع الغيار وفنيين مؤهلين، إضافة إلى آلات بديلة يمكن توفيرها لشركائنا من المقاهي عند الحاجة.

من الناحية العملية، إذا تعطلت آلة في أحد المقاهي فنحن قادرون على إبقاء العمل مستمراً. التحدي الأكبر في هذه الصناعة غالباً لا يكون في الآلة نفسها، بل في منظومة الخدمات اللوجستية العالمية التي تقف خلف كل شيء.