سماح بدر.. من شغف التذوق إلى أول مدربة للقهوة المختصة في اليمن

دبي – علي الزكري

لم يكن الأمر مجرد طموح مهني مرسوم، أو قراراً اتخذته في لحظة تفكير، بل كان “فطرة” نمت معها منذ الصغر؛ تلك الحساسية المفرطة تجاه النكهات، والتدقيق في تفاصيل المذاق التي قد تمر على الجميع مرور الكرام، كانت هي البوصلة التي وجهت “سماح بدر” نحو عالم القهوة. من طفلة “تتعب” أهلها بتحليل كل ما تذوقه، إلى أول يمنية تكسر الحواجز لتصبح مدربة معتمدة عالمياً، ومقيمة جودة محترفة، تغوص اليوم في أعماق هذا العالم لتكتشف فيه تعريفاً جديداً للحماس والإنجاز، مؤمنة بأن توقيت الله دائماً ما يكون مثالياً.

في هذا الحوار، ننسج مع سماح خيوط حكايتها التي بدأت بصدفة قادها شغف داخلي، لتتحول اليوم إلى واحدة من أبرز الوجوه التي تعيد صياغة المشهد التعليمي والميداني للقهوة المختصة في اليمن.

ندعوكم لمتابعة هذا الحوار الملهم الذي يجمع بين أصالة الإرث وعمق العلم:

Samah Badr: From Tasting Passion to Yemen’s First Coffee Trainer

  • نشأتِ في بيئة محبة للقهوة، وترعرعتِ في صنعاء.. كيف بدأت الحكاية قبل أن تصبح القهوة مسارًا علميًا؟

لم تكن القهوة بالنسبة لي مجرد مشروب، بل كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، حاضرة في المجالس، وفي الذاكرة، وفي هوية المكان. نشأتي في بيئة تقدّر القهوة منحتني هذا الارتباط المبكر، الذي بدأ كإحساس وانتماء، ثم تحوّل مع الوقت إلى شغف بالمعرفة. حين دخلت عالم القهوة المختصة، أدركت أن ما نحمله من إرث يمكن أن يُعاد تقديمه بلغة العلم، ليأخذ مكانه الذي يستحقه عالميًا.

  • تنحدر أصولك من إب، مديرية النادرة.. كيف شكّل هذا الامتداد علاقتك بالمزارعين والعمل الميداني؟

هذا الامتداد منحني رؤية مختلفة؛ فالقهوة بالنسبة لي ليست منتجًا نهائيًا، بل رحلة تبدأ من المزارع. وجودي في الميدان ليس ابتعادًا عن المدينة، بل اقترابًا من أصل الحكاية. أحرص على النزول للمزارع، لأنني أؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ من هناك، حيث يمكن تحويل المعرفة إلى ممارسة، والجودة إلى قيمة ملموسة تعود بالنفع على المزارع قبل أي طرف آخر.

  • بصفتك أول مدربة معتمدة من جمعية القهوة المختصة في اليمن، وضمن بيئة تعليمية معتمدة تشمل أكاديمية الإسبريسو والحرم التعليمي المتميز لجمعية القهوة، والمقر المهني المعتمد لمعهد جودة القهوة.. ماذا يعني هذا الحضور؟

الإجابة: هذا الحضور يمثل كسرًا للحواجز التي كانت تفصل بين الطموح والفرص. اليوم، أصبح بإمكان الشباب في اليمن الوصول إلى نفس جودة التعليم والمعايير العالمية دون الحاجة للسفر. نحن لا نقدّم دورات فقط، بل نبني منظومة تعليمية تخلق جيلًا جديدًا من المتخصصين القادرين على المنافسة، والمساهمة في تطوير قطاع القهوة محليًا وعالميًا.

Samah Badr: From Tasting Passion to Yemen’s First Coffee Trainer

  • في مسيرتك التدريبية.. ما هي أصعب قناعة واجهتكِ؟

أصعب ما واجهته هو ترسيخ فكرة أن الجودة ليست رفاهية. الكثير كانوا يرون أن القهوة منتج واحد لا يتغير، لكن من خلال التجربة والتذوق، بدأ هذا المفهوم يتلاشى. عندما يرى المتدرب الفرق بنفسه—في النكهة، وفي القيمة—يبدأ التحول الحقيقي، وتتحول القهوة من منتج عادي إلى تجربة لها معنى وسعر.

  • بعين خبيرة ومقيمة جودة معتمدة.. ما الذي ينقص القهوة اليمنية لتعود إلى القمة؟

القهوة اليمنية لا ينقصها التميز، بل ينقصها الاتساق. لدينا تنوع مذهل وإمكانات عالية، لكن تحسين الممارسات بعد الحصاد، من المعالجة إلى التجفيف، هو المفتاح الحقيقي. عندما ننجح في تقديم جودة مستقرة، سنرى القهوة اليمنية تعود بقوة، ليس فقط بتاريخها، بل بجودتها الحالية.

  • كيف تنجحين في نقل مفاهيم الجودة المعقدة إلى المزارع؟

الإجابة: أؤمن أن أبسط الطرق هي الأكثر تأثيرًا. أعتمد على ربط المعلومة بالنتيجة، وعلى تحويل المفاهيم النظرية إلى خطوات عملية يمكن تطبيقها بسهولة. عندما يرى المزارع أن تحسين بسيط في طريقة التجفيف قد يضاعف قيمة محصوله، يصبح التغيير خيارًا منطقيًا وليس عبئًا.

  • كيف ترين خارطة الطريق لمستقبل القهوة اليمنية؟

الإجابة: المستقبل يعتمد على بناء منظومة متكاملة تبدأ من المزارع وتنتهي بالسوق العالمي. نحتاج إلى تمكين حقيقي للمزارعين، وربطهم بسلاسل قيمة عادلة، وتعزيز هوية القهوة اليمنية كمنتج يحمل قصة وجودة. إذا تم العمل على هذه المحاور بشكل متوازن، فإن اليمن لا يستعيد مكانته فقط، بل يعيد تعريف نفسه في سوق القهوة المختصة.

  • حين تمثلين اليمن في المحافل الدولية كمدربة معتمدة.. ماذا تقولين للعالم؟

أقول إن اليمن ليس مجرد تاريخ في القهوة، بل هو حاضر غني بالفرص ومستقبل واعد. أحمل معي قصة بلد يمتلك عمقًا زراعيًا وثقافيًا فريدًا، وأسعى لأن يرى العالم هذا الجانب كما أراه—مليئًا بالإمكانات، وقادرًا على المنافسة، وجديرًا بأن يُسمع صوته من جديد.

حوار حصري مع فانوسيا نوغيرا حول مستقبل القهوة العالمية وتحديات 2026

من القيود التنظيمية للاتحاد الأوروبي إلى تقلبات السوق وتغير المناخ.. المدير العام لمنظمة القهوة الدولية (ICO) ترسم خارطة طريق لعدالة سلاسل الإمداد العالمية.

دبي – علي الزكري

ليست منظمة القهوة الدولية مجرد هيئة حكومية دولية، بل هي القلب النابض لصناعة عالمية تعيل الملايين. وعلى رأس هذا الهيكل تقف السيدة فانوسيا  نوغيرا، تلك القائدة الرؤيويّة التي اتسمت فترة ولايتها بسعي دؤوب لتحقيق العدالة للمزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة.

يمثل هذا الحوار الحصري لحظة تاريخية، كونه أول حديث من نوعه تخص به المدير العام وسيلة إعلام عربية. ونحن هنا، نود أن نعرب عن عميق امتناننا للسيدة نوغيرا على قبولها الكريم لدعوتنا؛ فبعيداً عن مكانتها المهنية المرموقة، كان تواضعها وصدقها في التعاطي مع محاور هذا اللقاء لافتاً ومميزاً. ففي قطاع غالباً ما تغلب عليه الرسميات الدبلوماسية، قدمت لنا السيدة فانوسيا في هذا الحوار المباشر إجابات اتسمت بالشفافية المطلقة والدقة والمباشرة، مما كشف عن شخصية قيادية مخلصة تهتم بعمق بتفاصيل القطاع من أصغر مزارع في جبال اليمن إلى كبار المستثمرين في العالم. نحن ممتنون جداً للطفها، ودقتها، وصراحتها التي منحتنا رؤية واضحة لهذا القطاع في لحظة مفصلية.

  •  مع دخولنا عام 2026، كيف ترين دور المنظمة في مساعدة صغار المزارعين على مواكبة اللوائح البيئية السريعة مثل قانون الاتحاد الأوروبي (EUDR)؟

تعمل منظمة القهوة الدولية كجسر حيوي بين الدول المنتجة والمستهلكة. وبما أن المزارعين الصغار يمثلون ما بين 75% إلى 80% من المنتجين عالمياً، فإن دورنا هو إفهام صناع القرار التحديات الحقيقية على أرض الواقع. غالباً ما تكون النوايا خلف هذه اللوائح جيدة، لكن الكثيرين لا يدركون مدى صعوبة الامتثال لها في الميدان. نحن نعمل على توعية هذه الأطراف وجميع الشركاء من حكومات ووكالات تنمية بضرورة تقديم الدعم الفني والمالي الذي تحتاجه المجتمعات الضعيفة لجعل هذا التحول قابلاً للتطبيق.

  • أصبحت أنظمة التتبع والبيانات أمراً لا مفر منه.. كيف نضمن ألا يقع عبء تكاليفها على كاهل المزارع الصغير؟

نبني حالياً شراكات مع الجانب المستهلك (الصناعة والحكومات) لدعم البنية التحتية المطلوبة، من تحديد المواقع الجغرافية إلى قواعد البيانات. في كثير من الدول، تكمن المشكلة في البنية التحتية الداخلية مثل الوصول إلى الإنترنت. نحن نعمل مع شركاء مثل حكومات ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا لتنفيذ هذه الأنظمة. وعلاوة على ذلك، يجب تعليم المستهلك لماذا يعد دفع ثمن عادل أمراً ضرورياً؛ فالشفافية هي المفتاح لإثبات أن هذه الهوامش ضرورية لبقاء المنتج وازدهاره.

  • بالنظر إلى عام 2025، هل أحرزت الصناعة تقدماً نحو “الدخل المعيشي” أم ما زلنا أسرى لمنطق بورصة نيويورك (C-Market)؟

أدرك القطاع في العامين الماضيين أن الدخل المعيشي لا يتعلق بالسعر فقط، بل بسد الفجوات في الإنتاجية والبنية التحتية مثل الصحة والتعليم. ورغم أن المنتجين في بعض المناطق حققوا مستويات مريحة العام الماضي بسبب ارتفاع الأسعار، إلا أن آخرين ما زالوا يعانون. الحل الجوهري يكمن في توقف صغار المنتجين عن العمل المنفرد؛ عليهم التنظم في تعاونيات أو جمعيات للوصول إلى الأسواق والحصول على الدعم الفني بشكل جماعي.

  • بالحديث عن أثر المناخ على أصول محددة.. في اليمن مثلاً، أصبح الحصاد متجزئاً لعدة مراحل والكميات تتراجع.. كيف ترين ذلك؟

الوضع في اليمن – حيث يتم الحصاد من نفس الشجرة في ثلاث أو أربع مرات بدلاً من مرة واحدة – هو عرض واضح لتغير المناخ الذي يجب أن نحلله بعمق. لقد شهدنا تحولات مماثلة في البرازيل. علينا أن نفهم ما إذا كانت السلالات التقليدية في اليمن – وهو أحد المواطن الأصلية لقهوة أرابيكا – لا تزال مناسبة لهذا المناخ الجديد أم أننا بحاجة لتجديد المزارع بسلالات أكثر مرونة. إرث اليمن هو أولوية عالمية، وعلى العلماء العمل لإيجاد حلول تحمي هذه الإنتاجية الفريدة.

  • كيف يجب أن يتعامل القطاع مع بدائل القهوة المصنعة مخبرياً دون فقدان قيمة القهوة الطبيعية؟

التواصل والوضوح هما الأساس. يجب أن يكون واضحاً للجميع ما هي “القهوة الحقيقية” وما هو “البديل الكيميائي”. القهوة الطبيعية لها فوائد صحية مثبتة علمياً، بينما لا يتم ذكر آثار البدائل الكيميائية. في دول مثل البرازيل وفيتنام، تمنع القوانين وضع كلمة “قهوة” على عبوات البدائل. يجب أن نستمر في توضيح لماذا تظل القهوة الطبيعية هي الأفضل للصحة والثقافة.

  • تقلبات الأسعار كانت حادة جداً.. ما الذي يحرك هذه التقلبات فعلياً؟

الأمر يتعلق بـ “قصور العرض” مقابل الطلب. الأحداث المناخية القاسية منذ 2021 في البرازيل وفيتنام وكولومبيا خفضت الإنتاج، بينما يزدهر الاستهلاك خاصة في الشرق الأوسط وآسيا. نحن نعمل حالياً مع خبراء في الذكاء الاصطناعي لابتكار نماذج تتنبأ بهذه الأحداث بشكل أفضل لحماية الإنتاج على المديين القريب والبعيد.

  • أسواق مثل الشرق الأوسط بدأت تشكل هويتها الخاصة.. كيف تخطط المنظمة للتواصل معها؟

الشرق الأوسط هو محرك للصناعة اليوم. انضمت المملكة العربية السعودية رسمياً للمنظمة قبل ستة أشهر، وزرت الرياض مؤخراً للاطلاع على الوضع هناك. كما سمعت أشياء مذهلة عن معرض “عالم القهوة دبي” قبل أسبوعين؛ وصفه الناس بأنه كان حدثاً “جنونياً” ومذهلاً. نحن بحاجة للتواجد في هذه الأسواق كشركاء لتحسين التواصل ودعم هذه القاعدة الاستهلاكية الناضجة.

  • ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه العالم العربي في دعم المنتجين بعيداً عن مجرد الشهادات؟

يمكن للعالم العربي أن يلعب دوراً استراتيجياً كـ “مستثمر محفز”. فبعيداً عن الملصقات، يكمن تأثيرهم في الاستثمار والشراكة وبناء الأنظمة. يمكنهم المساعدة في تقليل مخاطر الابتكار والتكيف المناخي في دول المنشأ، ومن خلال دعم اللوجستيات والزراعة الرقمية، يمكنهم إعادة تشكيل كيفية مشاركة المسؤولية والقيمة في القطاع.

  • إذا أتيحت لكِ الفرصة لمخاطبة القطاع العالمي في 2026، ماذا ستقولين؟

أكثر ما يحتاج للتغيير بشكل عاجل هو كيفية توزيع المخاطر والقيمة. اليوم، يمتص صغار المزارعين معظم آثار تقلب الأسعار وتغير المناخ. يجب التعامل مع القهوة ليس كمجرد سلعة، بل كـ “منفعة عامة عالمية” تدعم سبل العيش والأنظمة البيئية والثقافات. إذا حقق المنتج دخلاً مزدهراً، سيصبح القطاع بأكمله مرناً.. وهذا التغيير لا يمكنه الانتظار.

  • أبرز الاقتباسات:

“يجب التعامل مع القهوة كمنفعة عامة عالمية تدعم سبل العيش والثقافات، وليس كمجرد سلعة تجارية.”

“اليمن هو مهد قهوة أرابيكا؛ وعلينا أن نضمن بقاء هذا الإرث التاريخي صامداً أمام تحديات المناخ المتغير.”

“أثبت معرض ‘عالم القهوة دبي’ بطاقته الكبيرة أن العالم العربي أصبح اليوم محركاً مركزياً لصناعة القهوة العالمية.”

“الدخل المعيشي لا يتحقق بالسعر وحده؛ فمضاعفة الأسعار لن تكفي إذا كانت الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية غائبة.”

“على المستهلكين أن يدركوا أن للقهوة الطبيعية فوائد صحية مثبتة لا يمكن للبدائل الكيميائية والمخبرية مضاهاتها.”

“العالم العربي يمتلك القوة ليكون ‘مستثمراً محفزاً’ يعيد صياغة المسؤولية والقيمة في قطاع القهوة العالمي.”

من الجذور إلى القماش: رحلة إيلاف مصطفى الفنية عبر تراث القهوة اليمنية

دبي  – علي الزكري

في عوالم صنعاء وحراز الساحرة، تتكشف حياة إيلاف مصطفى بين طبقات تربة اليمن الغنية. باعتبارها متذوقة للغة والأدب والفن والقهوة، شرعت إيلاف في السير على طريق أكاديمي في الترجمة واللسانيات، ووجدت نفسها تسترشد بالقوى المتشابكة للفن واللغة نحو عالم القهوة.

علاقتها بالقهوة ليست علاقة حديثة. إنها متجذرة بعمق في تاريخ عائلتها في زراعة وتجارة البن.

إن رحلة إيلاف، المتفرعة إلى مسارات متنوعة، هي شهادة على المرونة المتأصلة في تجارب ماضيها. سواء كانت تواجه تحديات الكتب أو الفن أو احتضان القهوة المريح، فإنها، مثل أسلافها، تضع خططًا بديلة للتنقل في موجات الحياة المتغيرة باستمرار. وهناك صنعاء، المدينة الآسرة التي، على الرغم من الشدائد، لا تفشل أبدًا في إلهام القدرة على الصمود.

في هذه المقابلة، تأخذنا إيلاف مصطفى برحلة في حياتها الرائعة، فتكشف أسرار التقاطع بين مساعيها الأكاديمية والتراث العائلي في زراعة القهوة، والأثر العميق للتاريخ على رحلتها كفنانة. من أول لقاءاتها مع الكلمة المكتوبة إلى الإلهام اللامحدود المستمد من تراث القهوة لعائلتها، ترسم إيلاف صورة حية لتطورها كفنانة، وتكشف عن العلاقة التكافلية بين الفرشاة وشجرة القهوة.

تابعوا معنا في هذا الحوار رحلة إيلاف مصطفى وتعرفوا إلى رواية إيلاف الفنية، حيث تعكس كل ضربة على القماش حكايات أسلافها وروح القهوة اليمنية الدائمة.

من هي إيلاف مصطفى؟

عشت حياتي ما بين أرضيّ صنعاء وحراز، ولهما في روحي حيزٌ شاسع، احببت كل ما يتعلق باللغة والأدب، والفن والقهوة، ورغمًا عن الرسم الذي رافقني على مدى سنوات حياتي حتى اللحظة، الا أني وبعيدًا عنه تخصصت أكاديميًا بالترجمة وعلم اللُغات، واليوم أرى أن كلًا من الفن واللغة قاداني لطريق القهوة.

في الواقع لا يُعد انتمائي للقهوة بشيء حديث، فلدى عائلتي تاريخ وثيق بزراعة وتجارة البُن، حيث نمتلك العديد من المزارع في مسقط رأسنا حراز، ومنها مزارع حوت ومازالت إلى يومنا هذا أشجار بُن عاشت عقدًا من الزمن، وتناقلت عبرها قصص الأجداد ومعرفة وهوية عريقة.

بالنسبة لي وما بين اليوم والماضي أرى اني قد أصبحت مُتفرعة جدًا، ولكن الجدير بالذكر ان ما عشته انا وكل جيلي في الفترات السابقة، قد صقلنا بمدى لم يكن ليكفيه عمرً واحد، فتعلمنا فعلًا كيف نقدر الحياة، وبشكل او بأخر في كل مرة يسود المحيط لابد من وضع خطة بديله للتجاوز، فمرة بفعل كتاب ومرة بفعل الفن ومرات بفعل القهوة، ولكن بالطبع لا ننسى صنعاء، المدينة الساحرة الذي لم تجعلنا نقع مرة الا وننهض مهما حُفر لنا.

كيف بدأت رحلتك مع القهوة وكيف تأثرت بتاريخ وتراث عائلتك في زراعة البُن؟

كان لدى والدي مكتبة احتوت الكثير من كتب التاريخ ومنها الذي تتحدث عن الحضارات القديمة والمعاصرة. بفضل حثه المستمر لي على المطالعة قرأت العديد منها بدايةً من عمر العاشرة، ووجدتُ أن اليمن حوت تاريخ عريق لا تكفيه المجلدات ولا آلاف الكتب، لكني ومن خلال قراءاتي وجدتُ أن القهوة خَلقتْ بُقعة ضوءٍ في هذه المسيرة وعبر محطاتٍ عديدة، ف رابطت بجانب اليمنيين عبر العصور كنافذة ونور، والجدير بالذكر أنها كانت ولا زالت تَخلُق القصص وترويها، وبدوري أنا أحبُّ القصص وجدًا.

كيف يؤثر تاريخ عائلتك وارتباطها بزراعة البُن على إلهامك كفنانة تشكيلية؟

لطالما تأثرت وجدًا بالرابط العجيب الذي خُلق بفعل اشجار البُن، وقد روت لي جدتي، حفظها الله العديد من القصص عن أهميتها لدى المجتمع، وكيفية زراعتها وطقوس قطفها آنذاك، وكيف كان يُعامل البُن كسعلة ثمينة بين الناس. فأشارت في إحدى القصص أنها عند بدء الحصاد، تذهب ووالدتها للمزارع، فتقطف بضع حبات بُن ملئ كفها، وتبادلها بأي من السلع الأخرى كامتياز وحيد يحظى به البُن فقط.

العديد من الحكايات بالطبع، كلها رسخت بداخلي حُبًا وافتخارًا بهذهِ الشجرة، ما يدفعني دومًا لعكس أثرها في اللوحات حتى يتضح ولو القليل عنها.

كيف يمكن للقهوة أن تتحول من مشروب إلى هوية وتاريخ، وكيف تسعين لنقل هذه الفكرة من خلال أعمالك الفنية؟

في الواقع لا يمكن أبدًا أن تُحصر حبات البُن في كلمة “مشروب”، فهي تفيض عن كوبها ولها ابعاد كثيره.

من ميناء المخا شهدت هذهِ الثمرة حضارات وعصور وممالك، خلقت العديد من التناقضات فشككوا وتعلقوا بها، خبأوها في جرة لعقود كأحدى أثمن الكنوز، ونرى عبر التاريخ كم قامت لأجلها حروب واُخمدت بفعلها حروبًا أخرى.

عندما نشهد اليوم كيف أن أجدادنا أفنوا أعمارهم لأحيائها رغم الصعاب التي تلوي معظمها الظهر، تتضح الصورة، ولهذا بالتحديد قمت برسم لوحتي الأخيرة بعنوان أحفاد الشمس “للحجة فاطمة” إحدى مُزارعات البُن في المحويت كإشارة صارخة لثورة البُن اليمني في كُلِّ زمان، فقد بلغت من عمرها الثمانين ولازالت مُتمسكة بحباتها، لذا أصبح لزامًا عليّ أن اُخلد حكايتها في ثنايا لوحة.

كيف يمكن للفن أن يسهم في تعزيز الوعي بأهمية البُن اليمني وتاريخه في المجتمعات المحلية والعالمية؟

مُنذ القدم وإلى اليوم يُعد الفن هو العامل الرئيسي لنقل الحضارات وحفظها.

بالنسبة لي أرى الفن بجانب تاريخ القهوة كنافذة عتيقة مُزينة بألوان القمريات اليمنية، كُلِّ مرة تنقل لي مشهدًا يجب أن يُخلد، فأراه يروي عن نفسه من خلال نافذتي لا العكس، ونرى فعلًا كيف أن أهمية هذا الشيء أصبح يفرض واقعه على المجتمعات كانت محلية أو دولية.

كيف ترين مستقبل صناعة القهوة في اليمن ودور الفن في دعمها وتسليط الضوء على إرثها؟

كانت الفترات السابقة سحيقة بالنسبة للبُن اليمني، فتراجع انتاجه بشكل كبير لشدة صعوبة الأوضاع الاقتصادية وتردي العوامل البيئية، لكننا اليوم نعيش عصرًا من النهضة وبشكل لم نشهده من قبل، كُلّ القطاعات تعمل بكامل طاقاتها للارتقاء به لمراحل تتفوق على سابقتها، بداية من الأرض ودعم المُزارعين بكل الوسائل، وحتى حمصها وتقديمها، لذا ومن محطنا اليوم، أرى مستقبلًا واعدًا ينتظر.

اما الفن فهو الرفيق المُلازم لهذه الحبات وأرضها، يُعانق جذورها بشدة ليحفظها من النسيان، ودائمًا سيرويان الحكايا سويًا.

Continue reading “من الجذور إلى القماش: رحلة إيلاف مصطفى الفنية عبر تراث القهوة اليمنية”