كيم تومبسون: القهوة على حافة الاضطراب

دبي – علي الزكري

لم يعد قطاع القهوة العالمي غريباً على الأزمات. ففي السنوات الأخيرة واجهت الصناعة سلسلة من الاضطرابات، بدءاً من تداعيات الجائحة وصولاً إلى تقلبات المناخ في الدول المنتجة وارتفاع تكاليف الشحن والنقل. واليوم، بينما يحاول السوق التكيف مع هذه المتغيرات، تضيف التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط طبقة جديدة من عدم اليقين إلى سلاسل الإمداد العالمية.

وفي وقت يشهد فيه سوق القهوة حالة من التقلب — إذ بلغ الإنتاج العالمي نحو 175 مليون كيس في عام 2025 في ظل ارتفاع التكاليف الناتجة عن التحديات المناخية واضطرابات الشحن — تأتي الحرب الجارية في المنطقة لتثير تساؤلات جديدة حول استقرار طرق التجارة وسلاسل التوريد التي تعتمد عليها هذه الصناعة العالمية.

القهوة سلعة تعبر آلاف الكيلومترات قبل أن تصل إلى فنجان المستهلك؛ من المزارع في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا إلى الموانئ وشركات الشحن، ثم إلى المحامص والمقاهي. وأي اضطراب في الممرات البحرية أو تكاليف النقل أو الخدمات اللوجستية يمكن أن ينعكس سريعاً على السوق، خصوصاً في قطاع القهوة المختصة الذي يعتمد على الطزاجة وعلاقات طويلة الأمد مع المنتجين.

لفهم كيف ينظر العاملون في القطاع إلى هذه التطورات، أجرينا هذا الحوار مع كيم تومبسون، الشريك المؤسس  في شركة راو كوفي إحدى أبرز شركات تحميص القهوة المختصة في دبي. في هذا الحوار تتحدث تومبسون عن ردود فعل المقاهي حتى الآن، واحتمالات ارتفاع الأسعار، وتعقيدات الشحن التي بدأت تظهر مع تصاعد التوترات في المنطقة، إضافة إلى كيفية استعداد الشركات للحفاظ على استمرارية العمل إذا تعرضت سلاسل الإمداد لمزيد من الضغوط.

  • هل بدأ عامل الخوف يظهر في السوق؟ وهل تلاحظون أن المقاهي أو الفنادق بدأت بشراء القهوة بكميات كبيرة وتخزينها تحسباً لأي نقص محتمل؟

ليس فعلياً. الواقع في قطاع المقاهي أن معظم المشغلين يديرون تدفقهم النقدي أسبوعاً بأسبوع، وليس لديهم عادة القدرة على بناء مخزون استراتيجي كبير. لذلك فإن معظم النقاشات التي نجريها حالياً تتركز حول التحكم في التكاليف أكثر من التخزين أو الشراء بدافع القلق.

هناك عامل آخر مهم وهو الطزاجة. القهوة المختصة ليست سلعة تُخزن في المستودعات لأشهر طويلة. نحن نحمّص القهوة أسبوعياً ونوزعها طازجة، وبالتالي فإن فكرة التخزين لا تتماشى مع الطريقة التي تعمل بها شركات القهوة التي تركز على الجودة.

قد يعبجك أيضا: ارتفاع النفط قد يرفع أسعار القهوة عالمياً 

نتوقع أن تتضح ردود الفعل الحقيقية — إن حدثت — بعد عيد الفطر، عندما يكون لدى أصحاب المقاهي وقت كافٍ لتقييم الوضع الجيوسياسي والتفكير في كيفية التعامل معه. في الوقت الحالي الجميع يراقب الوضع بحذر أكثر من كونه في حالة ذعر.

  • القهوة التي تقومون بتحميصها اليوم تم شراؤها قبل الحرب. إلى متى يمكنكم الحفاظ على الأسعار الحالية في قوائم المقاهي قبل أن تفرض تكاليف الشحن الجديدة نفسها؟

الحقيقة غير المريحة هي أن الضغوط السعرية في سوق القهوة بدأت قبل هذا الصراع بوقت طويل. فالقطاع كان يمتص بالفعل زيادات كبيرة في تكاليف الإنتاج في بلدان المنشأ، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعالجة والشحن خلال العامين الماضيين.

لقد اضطررنا بالفعل إلى تعديل الأسعار مرة واحدة، ببساطة لأن اقتصاديات إنتاج القهوة عالية الجودة تغيرت على مستوى العالم.

إذا تقلصت طرق الشحن أو ارتفعت تكاليف الخدمات اللوجستية مرة أخرى بسبب عدم الاستقرار في المنطقة، فهناك حدّ لما يمكن لسلسلة التوريد أن تتحمله. قد يتمكن المحمّصون من امتصاص جزء من الصدمة لفترة معينة، لكن في نهاية المطاف ستفرض الأرقام نفسها على الجميع.

القهوة تاريخياً كانت أقل سعراً مما ينبغي إذا أخذنا في الاعتبار حجم العمل والمخاطر المرتبطة بإنتاجها. وما نراه الآن هو أن السوق العالمي بدأ تدريجياً في تصحيح هذا الواقع.

  • هل هناك بلدان منشأ أو درجات من القهوة المختصة أصبحت فعلياً خارج الوصول بسبب مرورها عبر مناطق الصراع؟

حتى الآن لا يوجد منشأ أصبح مقطوعاً بالكامل، لكن الخدمات اللوجستية أصبحت أكثر تعقيداً بين ليلة وضحاها.

لدينا حالياً عدة حاويات في البحر ونحن نتابع مسارها باستمرار، وفي الوقت نفسه نبحث عن مسارات بديلة لتجنب المرور عبر مضيق هرمز.

من نواحٍ كثيرة يبدو الأمر شبيهاً بما حدث في بداية جائحة كورونا: التخطيط لسيناريوهات مختلفة، والبحث عن طرق شحن بديلة، والاعتماد بشكل كبير على العلاقات داخل سلسلة التوريد للحفاظ على تدفق القهوة.

قطاع القهوة المختصة يتمتع بقدر كبير من المرونة لأنه قائم أساساً على علاقات طويلة الأمد مع المنتجين والمصدرين وشركاء الخدمات اللوجستية. وعندما تصبح الظروف غير متوقعة، تزداد قيمة هذه العلاقات بشكل كبير.

  • ماذا عن المعدات وقطع الغيار؟ هل هناك خطر من أن يتعطل جهاز إسبريسو في أحد المقاهي ويبقى معطلاً بسبب تأخر الشحن؟

نحن نراقب هذا الجانب عن كثب. لحسن الحظ قمنا بالتخطيط مسبقاً، ولدينا عدة حاويات في طريقها إلينا تحمل آلات قهوة تجارية ومنزلية. قد تصبح الإمدادات أكثر محدودية، لكننا لا نبدأ هذه المرحلة من دون استعداد.

الأهم من ذلك أننا استثمرنا كثيراً في بنيتنا التقنية. لدينا قسم صيانة متكامل داخل الشركة، مع مخزون كبير من قطع الغيار وفنيين مؤهلين، إضافة إلى آلات بديلة يمكن توفيرها لشركائنا من المقاهي عند الحاجة.

من الناحية العملية، إذا تعطلت آلة في أحد المقاهي فنحن قادرون على إبقاء العمل مستمراً. التحدي الأكبر في هذه الصناعة غالباً لا يكون في الآلة نفسها، بل في منظومة الخدمات اللوجستية العالمية التي تقف خلف كل شيء.

الحرب تعيد رسم خريطة الشحن وتضغط على تجارة القهوة

دبي – قهوة ورلد

يشهد قطاع الشحن العالمي موجة جديدة من الضغوط مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط أواخر فبراير، في وقت لم يتعافَ فيه السوق بعد من تداعيات أزمة البحر الأحمر المستمرة منذ أكثر من عامين. التطورات الأخيرة تعمّق حالة عدم اليقين وتضيف أعباء تشغيلية ومالية جديدة على سلاسل الإمداد العالمية، بما فيها تجارة البن.

  • تباطؤ في مضيق هرمز ومخاوف من ارتفاع التكاليف

اعتباراً من 28 فبراير، تباطأت حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز — أحد أهم الممرات الحيوية لتدفقات الطاقة عالمياً — إلى مستويات شبه متوقفة، وسط ارتفاع المخاطر الأمنية. وأعلنت عدة خطوط ملاحية، من بينها CMA CGM، فرض رسوم طوارئ مرتبطة بالنزاعات، لتعويض ارتفاع أقساط التأمين وتكاليف الإجراءات الأمنية وزيادة المخاطر التشغيلية.

ورغم أن شحنات البن لا تمر مباشرة عبر المضيق، فإن التأثيرات غير المباشرة كبيرة. إذ تمثل دول الخليج نحو 20% من الإمدادات العالمية للنفط الخام، ومع تداول الأسعار قرب 70 دولاراً للبرميل، تتزايد التوقعات بارتفاعها. وبما أن وقود السفن يشكل نحو 40% من تكاليف التشغيل، فإن زيادات إضافية في معامل تعديل الوقود (BAF) تبدو مرجحة.

هذه المعطيات، إلى جانب استمرار التحويلات الملاحية عبر رأس الرجاء الصالح، تضغط على أزمنة العبور وتوافر السفن ومعدلات الشحن، ما ينعكس في جداول أطول، واختلالات في توازن الحاويات، وتراجع موثوقية المواعيد، وضغوط تصاعدية جديدة على تكاليف النقل البحري.

  • الوضع لا يزال قيد التطور.
  • البحر الأحمر.. أزمة تدخل عامها الثالث

بعد أكثر من عامين على أول هجوم صاروخي استهدف سفينة تجارية في البحر الأحمر، لا يزال القطاع يتعامل مع واحدة من أكثر الصدمات التجارية إرباكاً في العقود الأخيرة.

بدأت الأزمة في نوفمبر 2023 عندما استولت قوات الحوثيين على سفينة “غالاكسي ليدر”، وأعقبت ذلك حملة هجمات استهدفت السفن العابرة لمضيق باب المندب. وفي ذروة التصعيد، تم استهداف أكثر من 100 سفينة، وتراجعت حركة العبور عبر البحر الأحمر بنحو 60%، ما أجبر الشركات على تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح.

هذه التحويلات أضافت ما بين 10 و14 يوماً إلى زمن الرحلات، وامتصت طاقة استيعابية كبيرة، وأربكت الجداول عبر أهم خطوط التجارة بين الشرق والغرب.

هدنة غزة في أواخر 2025 منحت السوق هدنة مؤقتة، وبدأت بعض الشركات مراجعة خططها للعودة إلى مسار قناة السويس. لكن التصعيد الجديد في المنطقة وعودة التهديدات دفعا جميع الخطوط تقريباً إلى إلغاء خطط التعديل والاستمرار في الإبحار حول أفريقيا.

  • استجابات الشركات

أكدت شركة ميرسك إلغاء خدمة الشرق الأوسط – الهند – الساحل الشرقي الأميركي (MECL) التي كان مقرراً أن تعبر البحر الأحمر، مع تحويلها إلى مسار بديل حول أفريقيا.

كما تراجعت CMA CGM، التي كانت من أوائل العائدين إلى مسار السويس، عن معظم العبور عبر القناة، وعادت إلى جداولها السابقة.

أما خدمات آسيا – أوروبا، فما زالت بمعظمها تسلك طريق رأس الرجاء الصالح، في ظل إحجام الشركات عن الالتزام بالعودة قبل توافر ضمانات أمنية مستدامة.

نحو 12% من التجارة البحرية العالمية تمر عبر قناة السويس، ما يعكس هشاشة هيكلية يصعب تجاوزها، ويجعل التخطيط للسيناريوهات المختلفة أولوية ملحّة.

  • صفقة استحواذ بقيمة 4.2 مليار دولار

في موازاة الاضطرابات الجيوسياسية، يشهد القطاع تحركات اندماجية بارزة. فقد أعلنت هاباغ-لويد اتفاقاً للاستحواذ على منافستها الإسرائيلية زيم في صفقة نقدية بقيمة 4.2 مليار دولار، بسعر 35 دولاراً للسهم، ما يمثل علاوة بنسبة 58% على سعر الإغلاق في 20 فبراير.

الصفقة سترفع هاباغ-لويد إلى المرتبة الخامسة عالمياً بين أكبر شركات الشحن بالحاويات، مع تعزيز حضورها في خطوط المحيط الهادئ، وآسيا الداخلية، والأطلسي، وأميركا اللاتينية، وشرق المتوسط.

ولتلبية متطلبات الحكومة الإسرائيلية، التي تمتلك “سهمًا ذهبياً” في زيم، سيتم فصل كيان يركز على السوق الإسرائيلية مملوك لشركة FIMI، ويبدأ نشاطه بـ16 سفينة.

من المتوقع إتمام الصفقة أواخر 2026 بعد الحصول على الموافقات اللازمة.

  • خطة بحرية أميركية تعيد طرح رسوم الموانئ

في الولايات المتحدة، كشفت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن خطة العمل البحري (MAP) المؤجلة منذ أشهر، متضمنة مقترحاً مثيراً للجدل لفرض رسوم على السفن الأجنبية الصنع التي ترسو في الموانئ الأميركية.

الخطة، المؤلفة من 36 صفحة، تقوم على أربعة محاور لإحياء صناعة بناء السفن الأميركية وتعزيز الأمن القومي. وتستند مالياً إلى فرض رسم لكل كيلوغرام من البضائع المستوردة التي تفرغها السفن الأجنبية الصنع.

تتراوح الرسوم المقترحة بين 0.01 و0.25 دولار للكيلوغرام، ما قد يحقق إيرادات بنحو 66 مليار دولار خلال عشر سنوات عند الحد الأدنى، وقد يصل إلى 1.5 تريليون دولار عند الحد الأعلى.

القطاع حذر من أن هذه الرسوم سترفع تكاليف الاستيراد وتعيد تشكيل حسابات المسارات التجارية، وربما تفتح الباب لإجراءات مضادة من شركاء تجاريين.

  • حتى الآن، لا توجد جداول زمنية واضحة للتنفيذ.

تراجع في أسعار الشحن ومؤشر شنغهاي

سجل مؤشر شنغهاي لحاويات الشحن (SCFI) مستوى 1251.46 في 13 فبراير 2026، ما يعكس تحول السوق نحو معدلات أقل وأكثر تقلباً.

ومن المتوقع أن تنخفض أسعار الحاويات 40 قدماً (هاي كيوب) من آسيا إلى الساحل الغربي الأميركي بنسبة تتراوح بين 30 و35% مقارنة بعام 2025، رغم عودة النمط الموسمي المعتاد في الربع الأول قبل عطلة رأس السنة القمرية.

لكن استمرار نمو الطاقة الاستيعابية وعدم وضوح مستقبل البحر الأحمر سيبقيان الضغوط قائمة على السوق الفورية.

  • موثوقية الجداول تتراجع مجدداً

انخفضت موثوقية الجداول عالمياً إلى 62.8% في ديسمبر 2025، وهو ثاني أدنى مستوى منذ مايو من العام نفسه.

الازدحام في الموانئ الأوروبية لا يزال العامل الأبرز، إضافة إلى تداعيات التحويلات الملاحية. كما ارتفعت الرحلات الملغاة بنسبة 122% في فبراير 2026 مقارنة بيناير، ما ضيّق الطاقة المتاحة خلال فترة رأس السنة القمرية.

ورغم تحسن الأداء مقارنة بعام 2024، تبقى النتائج متفاوتة بين الشركات، مع تسجيل بعض الخطوط معدلات التزام بين 50 و60%.

  • نظرة على خطوط التجارة

آسيا والمحيط الهادئ إلى العالم: طاقة مستقرة؛ تراجع في الأسعار الفورية.

الهند إلى العالم: طاقة محدودة؛ اتجاه طفيف لارتفاع الأسعار.

البرازيل إلى العالم: طاقة قابلة للإدارة؛ ازدحام مستمر بالموانئ؛ استقرار نسبي للأسعار.

أميركا الوسطى إلى العالم: طاقة محدودة؛ نقص في حاويات 20 و40 قدماً من هندوراس ونيكاراغوا.

شرق أفريقيا إلى العالم: طاقة جيدة؛ ازدحام حاد في ميناء مومباسا.

  • تأخيرات في الموانئ الرئيسية

تشهد عدة موانئ عالمية تأخيرات تشغيلية ملحوظة:

أنتويرب (بلجيكا): 3 أيام

نيويورك (الولايات المتحدة): 4 أيام

لندن غيتواي (المملكة المتحدة): 5 أيام

بوينافينتورا (كولومبيا): 4 أيام

سانتوس (البرازيل): 5 أيام

موانئ الهند: 4 أيام

فيتنام: 4 أيام

مومباسا (كينيا): 10 أيام

أستراليا: 3 أيام

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن عام 2026 يتجه ليكون عاماً آخر تُختبر فيه مرونة سلاسل الإمداد العالمية، بينما تبقى تجارة البن — كغيرها من السلع — رهينة توازنات جيوسياسية متقلبة وتكاليف تشغيلية متصاعدة.