مياسة علي.. حينما تكتب المرأة اليمنية تاريخ القهوة بمداد الشغف والريادة

المصدر: قهوة ورلد – حوار خاص |
الكاتب: علي الزكري |
التاريخ: 8 يونيو 2026

مياسة علي.. حينما تكتب المرأة اليمنية تاريخ القهوة بمداد الشغف والريادة

من قلب الحوار:

  • مياسة علي بدأت رحلتها مع القهوة المختصة عام 2021 في قلب صنعاء رغم أزمة كورونا والظروف الصعبة.
  • اسم العلامة التجارية “مياسة” هو إهداء لجدتها التي تخلت عن إرثها من أراضي البُن في حراز لحماية عائلتها.
  • أكبر تحدّ واجهها لم يكن مع المزارعين، بل مع تجار حاولوا تضليلها بنصائح خاطئة لإحباطها لأنها امرأة وحيدة في مجال التصدير.
  • تعلمت من أخطائها ألّا تمنح الثقة لتاجر مبتدئ دون خبرة، وأصبحت العقود الرسمية والحوكمة القانونية أساس عملها.
  • تؤمن بأن المرأة المسلمة منذ عهد النبي كانت تمارس التجارة والحوار والمشاركة الاجتماعية، وما تفعله اليوم هو دورها الطبيعي لا معركة ضد المجتمع.
  • رسالتها لكل شابة يمنية: ركّزي على حلمك، الناس لن يكونوا داعمين لك، استمراريّتك وتمسّكك بحلمك هما القوة الحقيقية.

في أروقة صنعاء، حيث يتنفس التاريخ عبق البُن، وتحديداً من قلب “مياسة كوفي”، تبدأ حكايةٌ تتجاوز كونها مجرد تجارة. إنها قصةُ امرأةٍ يمنية، مياسة علي، التي لم يولد مشروعها في فراغ. فإذا كانت صنعاء هي المركز الذي انطلقت منه الشركة، فإن جذور الحكاية تمتد عميقاً لتتشابك مع تربة حراز التاريخية، تلك المنطقة التي وهبت العالم أجود أنواع القهوة عبر العصور.

هذا التمازج بين صخب العاصمة وتاريخ حراز الخالد خلق رابطاً خفياً وقوياً قاد مياسة لتأسيس كيانٍ بات يتردد صداه في المحافل الدولية. في هذا الحوار الشيق، نغوص في أعماق تلك الذاكرة، لنكتشف كيف استطاعت مياسة أن تجعل من هذا الارتباط الوثيق قوة دافعة لإعادة كتابة التاريخ المهني للقهوة المختصة اليمنية. ندعوكم لاكتشاف هذه الرحلة الملهمة في السطور القادمة.

دخول عالم القهوة في 2021 وسط الظروف الصعبة: هل كان الشغف أم التحدي؟

في الحقيقة، البداية لم تكن خياراً بين الشغف أو التحدي، بل كان الاثنان معاً. الشغف كان هو الشرارة الأولى، لكن الشغف وحده لا يكفي للاستمرار، خصوصاً في التوقيت والظروف التي بدأت فيها. كانت أزمة كورونا في بدايتها وتأثيراتها العالمية تفرض نفسها. وهنا تحديداً دخل التحدي. وكان تحدياً شخصياً لإثبات أن الظروف المحيطة مهما كانت معقدة لا يمكنها إعاقتي عن تحقيق هدفي. كان التحدي هو المحرك الذي دفعني لإنتاج القهوة المختصة، بمعايير عالية، قادرة على المنافسة بقوة في سوق القهوة المختصة العالمي.

ما السر وراء اسم “مياسة” كواجهة للشركة؟

هذا البراند هو أقل ما يمكنني إهداؤه لجدتي التي سمتني وربتني. لقد كانت عائلتها من أثرى العائلات وأكبر أصحاب مزارع البُن في حراز، ولكنها بعد وفاة والديها تنازلت عن كل ذلك الإرث وانتقلت إلى صنعاء لتجنب خلافات الميراث وضمان سلامة عائلتها. هذا الكيان هو إهداء لتضحيتها بكل شبر أرض تخلت عنه لأجلنا. واسمي هو أكبر ضمانة والتزام مني بجودة وفخامة ما أقدمه للعالم.

التحدي الأكبر: العمل في ميدان يوصف بـ”عالم الرجال”

نعم صحيح، التصدير شيء والنزول للميدان شيء آخر. أنا بنت مدينة ولم أكن أعرف القرى، لكن دعم عائلتي وعقليتها كان السند الأول لي. الصدمة الإيجابية في الميدان كانت أن النساء متواجدات في مزارع القهوة ويعملن فيها أكثر من الرجال، فلم أشعر بالغربة. فرضت احترامي ووجودي بالمصداقية في التعامل ونظافة وجودة المنتج الذي أقدمه. العمل النظيف يفرض نفسه دائماً، وكل من تعاملت معه في هذا السوق أدرك أن خلف هذا الاسم سيدة لا ترضى إلا بالأفضل.

كيف بنت مياسة الثقة مع المزارع اليمني؟

الثقة مع المزارع بنيتها ببساطة من خلال الوفاء بالوعود والالتزام بها. المزارع اليمني يشتري الكلمة والمصداقية قبل أي شيء. أما أصعب موقف غيّر تفكيري، فلم يكن مع المزارعين، بل كان سوء معاملة التجار ومحاولاتهم لتضليلي. كوني امرأة وحيدة تُصدّر في هذا المجال، كان البعض يتعمد إعطائي نصائح ومعلومات خاطئة بهدف إحباطي لكي أستسلم. استوعبت اللعبة سريعاً، وتحولت من حُسن النية إلى الحذر الذكي. أصبحت أسأل أكثر من تاجر نفس السؤال، ثم أحلل وأفعل عكس نصائحهم المضللة. هذا الموقف علمني ألّا أعتمد إلا على بحثي الخاص، وأن أثق في حدسي الإداري لحماية عملي. فالمعرفة هي السلاح الأقوى في عالم التصدير.

السر وراء ضمان أعلى معايير الجودة في “مياسة كوفي”

السر يكمن في عقلية التقييم الخاصة التي أعتمدها. أنا لا أتعامل مع القهوة كتاجر يريد البيع فقط دون استمتاع، بل أضع نفسي دائماً في مكان المزارع، والتاجر، والمتذوق النهائي. قبل أن أخرج أي شحنة، أعتبر نفسي شخصاً غريباً يتذوق هذه القهوة ويقيمها بصرامة. هذا التقمص للأدوار يمنعني من التهاون في أي تفصيلة، ويجعلني أحرص على تقديم أعلى مستوى من الجودة والنظافة، لأنني أريد للمتذوق أن يشعر بنفس الشغف والجهد الذي وُضع في كل حبة. فكل حبة تحمل في طياتها عراقة حراز ودقة إدارة صنعاء.

خسارات الطريق: الخطأ الذي تتمنى لو لم ترتكبه

الخطأ الذي تمنيت تجنبه هو منح الثقة لتاجر مبتدئ دون خبرة. في بداياتي، وبدافع عاطفي، قررت مساعدة شخص كان مرفوضاً من جميع التجار، وللأسف بسببه لم أخسر مالاً فقط، بل خسرت اسماً وسمعة كنت في طور بنائها. لكنني تداركت الأمر سريعاً وغيرت عقليتي ونظامي التجاري تماماً. فلا مكان للعاطفة في العمل. ومنذ ذلك الموقف، أصبحت العقود الرسمية المعتمدة، والتحقق الصارم من الشركاء، والحوكمة القانونية هي الأساس في كل شحنة لحماية اسم “مياسة للقهوة”، وخصوصاً أنه اسمي الشخصي ولا يوجد مجال للأخطاء.

هل انتصرت مياسة على الصورة النمطية للمرأة اليمنية؟

الوزن الذي اكتسبه اسمي اليوم يعود للخبرة العالية التي بنيتها وحرصي المستمر على تطويرها. أما عن فكرة الانتصار، فأنا لم أنتصر على أحد، لأنه لا يوجد أمامي شخص أريد منافسته. طموحي هو منافسة نفسي وتطوير عملي فقط. وفيما يخص الصورة النمطية، فالمرأة المسلمة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت تبيع، تشتري، تُحاور في مجالس العلم، تشارك في الغزوات، وفي كل مجالات الحياة. ما أفعله اليوم ليس معركة ضد المجتمع، بل هو ببساطة ممارسة لدوري الطبيعي والفعال كامرأة طموحة في عالم الأعمال.

الموازنة بين المعايير العالمية وأصالة القهوة اليمنية

النكهة والأصالة لم تختلفا. فالأشجار والتربة والمناخ في حراز هي عوامل ثابتة تمنح القهوة هويتها التاريخية. المعايير العالمية لم تغير جوهر القهوة، بل طورت طريقة التعامل معها. الاختلاف اليوم يكمن في تحسين أساليب القطف، والتجفيف، والتحميص، والتخزين لمواكبة العصر، وابتكار آلات جديدة وعمل عميق. الالتزام بهذه المعايير لا يلغي الأصالة بل يحميها، ويضمن تقديم هذا الإرث التاريخي للزبون الدولي بأعلى جودة وأنظف صورة ممكنة.

ماذا يعني وصول “مياسة كوفي” إلى الأسواق العالمية؟

الشعور الذي يغمرني هو الفخر الحقيقي والعميق بنفسي، بنجاح عشته خطوة بخطوة بفضل الله ثم بفضل جهدي الذي لم يتوقف أو يتراجع يوماً رغم كل الضغوط والمشاكل. شعوري لا يمكن وصفه. اليوم أبدأ صباحي بكوب قهوة من إنتاج شركتي، وأنا أعلم أنني أقدم للعالم منتجاً مثالياً بأعلى المعايير، واستطعت تحقيق نجاحات وإنجازات شهد لي بها الكثير من الرجال في هذا السوق بأنفسهم بأنها كانت فوق المستطاع. وصول “مياسة للقهوة” إلى هذه الأسواق العالمية هو تأكيد على أن الإصرار قادر على صنع الفارق دائماً.

رسالة مياسة لكل شابة يمنية تطمح لتحقيق حلمها

الرسالة التي أود قولها لكل شابة يمنية هي: ركزي على حلمكِ وهدفكِ، طالما أنكِ ترين بوضوح النتيجة والمكانة التي تريدين الوصول إليها. وتذكري دائماً أن لا أحد يرى هذه الرؤية غيركِ. الناس لن يكونوا داعمين لكِ في الغالب، والكلام السيئ والحسد والأعداء لن يتوقفوا عن الظهور في طريقكِ. لذلك لا تلتفتي لهم أبداً، واحرصي تماماً على اختيار المحيطين بكِ بعناية ليكونوا سنداً حقيقياً لكِ. الاستمرارية والتمسك بالحلم هما القوة الحقيقية القادرة على كسر أي عقبة أو نظرة مجتمعية. وضعي في قلبكِ دائماً يقيناً واحداً: من كان الله معه، فليس له أي ضد.

أسئلة شائعة حول مياسة علي ومشوارها في القهوة اليمنية

س: متى تأسست شركة مياسة كوفي؟

ج: تأسست في عام 2021 في صنعاء، اليمن، وسط أزمة كورونا والظروف الصعبة.

س: لماذا اختارت مياسة اسم “مياسة” لعلامتها التجارية؟

ج: إهداءً لجدتها التي حملت نفس الاسم وتخلت عن إرثها من أراضي البُن في حراز لحماية عائلتها.

س: ما هو التحدي الأكبر الذي واجهته مياسة في بداية مشوارها؟

ج: محاولات بعض التجار تضليلها بنصائح خاطئة لإحباطها لأنها امرأة وحيدة في مجال تصدير القهوة.

س: كيف تتعامل مياسة مع المزارعين اليمنيين؟

ج: تعتمد على الوفاء بالوعود والالتزام بها، وتؤكد أن المزارع اليمني يشتري الكلمة والمصداقية قبل أي شيء.

س: ما هي رسالة مياسة للشابات اليمنيات؟

ج: التركيز على الحلم، وعدم الالتفات للكلام السلبي، والتمسك بالاستمرارية لأنها القوة الحقيقية لكسر أي عقبة.

مياسة علي نموذج ملهم للمرأة اليمنية والعربية في عالم القهوة المختصة. إصرارها، حكمتها، وتمسكها بجذورها جعلوا من علامتها التجارية اسماً يُحتذى به في الأسواق العالمية. نأمل أن تكون هذه الحكاية مصدر إلهام لكل من يسعى لتحويل الشغف إلى مهنة، مهما كانت التحديات.

حوار أجرته: قهوة ورلد – مع مياسة علي، مؤسسة “مياسة للقهوة” في صنعاء، اليمن.

جميع الحقوق محفوظة. يُسمح بإعادة النشر مع ذكر المصدر.

تاريخ النشر: 8 يونيو 2026

هند شايع تعيد رسم خارطة القهوة اليمنية من قلب صنعاء

دبي – علي الزكري

بين جبال اليمن الشاهقة وتاريخ يمتد لقرون، تولد حكاية عشق لا تنتهي، بطلتها رائدة أعمال وصانعة محتوى آمنت بأن في كل حبة قهوة يمنية قصة بلد وهوية.

من قلب صنعاء، بدأت هند شايع رحلتها لتأسيس “نواة”، المشروع الذي لم يكن مجرد مقهى، بل كان جسراً يعبر بالقهوة اليمنية نحو العالمية، مستعيداً أمجاد ميناء المخا التاريخي بروح عصرية ومقاييس عالمية.

في هذا الحوار العميق الشامل، تأخذنا هند في رحلة من الشغف الشخصي إلى الريادة، كاشفة عن أسرار تميز القهوة اليمنية ودور المرأة في صياغة مستقبل هذا القطاع، لندرك معاً لماذا تظل قهوتنا هي المرجع الأول للذوق الرفيع. ندعوكم لمتابعة هذا الحوار المميز مع رائدة التغيير في عالم القهوة.

  • هند، متى بدأت قصتك مع القهوة اليمنية؟ وما الذي جذبك إليها في البداية؟

لم أكن في الأصل من محبي القهوة، لكن في عام 2015 بدأت رحلتي معها بدافع البحث عن مشروب يمنحني التركيز والطاقة ويحسن المزاج خلال العمل والدراسة.

ومع الوقت تحول هذا البحث إلى شغف حقيقي؛ فمنذ عام 2016 بدأت أتعمق أكثر وأكتشف أنواع القهوة من دول مختلفة. كنت أحرص في أسفاري على زيارة المقاهي المختصة والمزارع، لكن القهوة اليمنية كانت دائماً هي المرجع الذي أقيس عليه.

اكتشفت في كل مرة أن طابعها مختلف تماماً؛ فنكهاتها معقدة، غنية وعميقة، ومزاجها هادئ ومتزن يمنح التركيز دون قلق أو توتر مزعج. هذا الإحساس جعلني أدرك أن ما نملكه في اليمن ليس قهوة عادية، بل من أجود وأميز الأنواع التي تذوقتها في حياتي.

  • كيف جاء قرارك بتأسيس مشروع “نواة” ومشاركة القهوة اليمنية مع العالم؟

القرار نضج على مراحل وسط تحديات كبيرة؛ بدأت الفكرة كحلم في عام 2021، ورغم تمسكي بالأمان الوظيفي حينها، إلا أن ثقتي بقدرة القهوة اليمنية على استعادة أمجادها دفعتني للاستثمار في مشروعي.

في عام 2024، أطلقت مع زوجي “نواة” كمتجر إلكتروني يهدف لرفع الوعي وتعزيز ثقافة القهوة المختصة من خلال محتوى تعليمي وتوعوي.

وفي مطلع عام 2026، تحول الحلم إلى واقع بافتتاح كافيه “نواة” في صنعاء؛ ليكون مساحة تقدم تجربة مختلفة وتنقل صورة حديثة وراقية عن قهوتنا للعالم. هدفنا أن يشعر كل من يتذوق كوباً عندنا أنه يقرأ قصة بلد وهوية وتاريخ.

  • القهوة في اليمن أكثر من مجرد مشروب، كيف تصفين علاقتها بالثقافة اليومية؟

هي جزء لا يتجزأ من الهوية والتاريخ، فمن القرى الزراعية وميناء المخا تحديداً، خرج هذا المشروب الساحر للعالم. في ثقافتنا، لم تستهلك القهوة بشكل واحد؛ بل استخدم كل جزء منها، من “القشر” الخفيف والمنعش الذي يُشرب بكثرة، إلى القهوة المحمصة بوصفاتها المتعددة التي تختلف من منطقة لأخرى.

ورغم تراجع مكانتها لفترة لصالح الشاي كونه أرخص وأسهل تحضيراً، إلا أننا نشهد اليوم “عودة وعي” قوية، خصوصاً بين الشباب الذين بدأوا يهتمون بجودة القهوة وأصلها وقصتها من خلال المقاهي المختصة والمبادرات الترويجية.

  • القهوة اليمنية لها مكانة عالمية، برأيك ما الذي يميزها عن غيرها؟

التميز يأتي من مزيج نادر بين الأرض والإنسان والتاريخ. اليمن تنتج فصيلة “الأرابيكا” الأعلى جودة، وسلالاتنا عريقة جداً ونشأت منذ مئات السنين. كما أن جغرافيا اليمن تلعب دوراً حاسماً؛ فالقهوة تزرع في مرتفعات وعرة بين 1800 و2400 متر عن سطح البحر.

هذا الارتفاع يجعل الثمار تنضج ببطء أكبر، مما يبرز حلاوتها الطبيعية ويزيد من تعقيد نكهاتها. أضف إلى ذلك تنوع المناطق الذي يمنحنا محاصيل بشخصيات مختلفة؛ فبعضها بطابع فاكهي، وأخرى بنكهة الشوكولاتة أو البهارات أو الأعشاب العطرية.

  • كيف تغيرت صناعة القهوة في اليمن مؤخراً؟ وهل هناك لمسات حديثة ظهرت؟

الصناعة تمر بمرحلة تجمع بين التقليد والتحديث؛ لا يزال البعد الحرفي حاضراً، حيث يقطف المزارعون الكرز الناضج يدوياً حبة حبة. الجديد هو دخول معايير حديثة في المعالجة، مثل استخدام سراير التجفيف المرتفعة لضمان النظافة والتوازن، واستخدام مكائن حديثة لفرز الحبوب آلياً حسب اللون والحجم. ومع هذا التطور، تظل اللمسة البشرية حاسمة، حيث تستمر عملية التنقية اليدوية لإزالة أي عيوب، لضمان أعلى معايير الجودة العالمية.

هند شايع وقصة القهوة اليمنية في مشروع نواة بصنعاء

  • العلاقة بين المزارع التقليدي وصناعة القهوة الفاخرة.. كيف ترينها اليوم؟

هي علاقة تكامل وشراكة؛ فالمزارع هو “حارس الكنز” الذي يمتلك الأرض والخبرة المتوارثة. دورنا اليوم كرواد أعمال هو ردم الفجوة بين المزرعة والفنجان عبر إضافة الوعي بالمعالجة الحديثة.

عندما يدرك المزارع أن اهتمامه بالتفاصيل يضاعف سعر محصوله، يتحول إلى شريك في الجودة، مما يضمن استدامة هذه الزراعة ويعيد له العائد الاقتصادي العادل الذي يستحقه مقابل جهده الشاق في المدرجات الجبلية.

  • إذا تحدثنا عن المستقبل، كيف ترين دور القهوة اليمنية في السوقين المحلية والعالمية؟

دور القهوة اليمنية هو “التميز والندرة” وليس المنافسة بالكميات؛ فنحن لا ننافس الدول الكبرى في حجم الإنتاج، بل ملعبنا الحقيقي هو الجودة الاستثنائية. القهوة اليمنية تعيد تموضعها الآن كمنتج فاخر وحصري يستهدف الذواقة.

عالمياً، الإرث التاريخي المرتبط باليمن هو أداة تسويقية جبارة، والمستقبل هو للقهوة المختصة التي تجمع بين عراقة التاريخ وجودة المذاق لتكون سفيرنا الأجمل للعالم.

  • ما أبرز الفرص لتوسيع حضور القهوة اليمنية في الخارج؟

أولاً، في نقل “القصة”؛ فالعالم يشتري تجربة ومعنى، ونحن نملك أقوى قصة (الميناء القديم، المدرجات، والمزارع الشغوف). ثانياً، التجارة الإلكترونية التي سهلت الوصول المباشر للمحامص العالمية وتجاوز سلاسل الإمداد التقليدية. ثالثاً، المشاركة في المحافل الدولية المتخصصة بالقهوة الفاخرة؛ فهناك يوجد السوق الحقيقي الذي يقدر قيمة القهوة اليمنية ويدفع سعرها العادل.

  • ما دور النساء في صناعة القهوة اليوم، خصوصاً في اليمن؟

دور المرأة جوهري وتاريخي، فهي حاضرة من الغرسة الأولى حتى الفنجان. في الأرياف، تشارك في الزراعة والعناية والقطف الدقيق، وهناك مزارع مملوكة بالكامل لنساء ورثنها كإرث عائلي.

كما تلعب النساء الدور الأكبر في فرز القهوة وتنقيتها، وهي مهمة تتطلب صبراً وتركيزاً عالياً. واليوم، نرى تحولاً من “الأيدي العاملة” إلى “القيادة والخبرة”؛ حيث برزت خبيرات يمنيات يحملن شهادات عالمية (SCA) في التذوق والتحميص، ورائدات أعمال يدرن مقاهي مختصة وشركات تصدير.

  • بصفتك تديرين مقهى ومتجراً في صنعاء، ما هي أبرز التحديات التي واجهتكم؟

التحدي الأكبر هو الوضع الاقتصادي العام وتراجع القدرة الشرائية بسبب الحصار وعدم الاستقرار. واجهنا تساؤلات كثيرة حول مخاطرة الافتتاح في هذا التوقيت الصعب، لكن إيماننا بجودة ما نقدمه كان هو الدافع والشجاعة.

هناك أيضاً تحديات لوجستية وتشغيلية؛ فطبيعة اليمن الجغرافية تجعل زراعة ونقل القهوة من المرتفعات الشاهقة شاقاً ومكلفاً، إضافة إلى صعوبات استيراد المعدات المتطورة ومواد التغليف.

  • ما هي أهم الدروس التي تعلمتها في إدارة المقهى والمحافظة على الجودة؟

الدرس الأول هو أن البدء سهل ولكن الاستمرارية هي التحدي؛ فالمحافظة على نفس المعايير يومياً وفي كل كوب أصعب بكثير من مجرد الافتتاح. الدرس الثاني هو أن الناس لا يشترون منتجاً فقط بل تجربة وشعوراً؛ لذا نحرص في “نواة” على خلق مساحة للانتماء وتثقيف الزوار حول قصة القهوة التي يشربونها ومعالجتها، ليخرج العميل بمعلومة وشغف ويصبح هو نفسه سفيراً للقهوة اليمنية.

  • رغم الأوضاع الحالية، كيف ترين ملف التصدير والشحن للقهوة اليمنية؟

لا يمكن إنكار الصعوبات والقيود المفروضة على الموانئ التي جعلت العمليات أبطأ، ولكن روح التجارة تجري في دماء اليمنيين منذ آلاف السنين. نحن قادرون دائماً على خلق الحلول وتجاوز العقبات؛ ورغم كل التحديات، ما زلنا قادرين على شحن وتصدير القهوة اليمنية لجميع دول العالم. سلسلة الإمداد لم تتوقف، وهذا بحد ذاته إنجاز ودليل على صلابة هذا القطاع وإصرار العاملين فيه.

من الجذور إلى القماش: رحلة إيلاف مصطفى الفنية عبر تراث القهوة اليمنية

دبي  – علي الزكري

في عوالم صنعاء وحراز الساحرة، تتكشف حياة إيلاف مصطفى بين طبقات تربة اليمن الغنية. باعتبارها متذوقة للغة والأدب والفن والقهوة، شرعت إيلاف في السير على طريق أكاديمي في الترجمة واللسانيات، ووجدت نفسها تسترشد بالقوى المتشابكة للفن واللغة نحو عالم القهوة.

علاقتها بالقهوة ليست علاقة حديثة. إنها متجذرة بعمق في تاريخ عائلتها في زراعة وتجارة البن.

إن رحلة إيلاف، المتفرعة إلى مسارات متنوعة، هي شهادة على المرونة المتأصلة في تجارب ماضيها. سواء كانت تواجه تحديات الكتب أو الفن أو احتضان القهوة المريح، فإنها، مثل أسلافها، تضع خططًا بديلة للتنقل في موجات الحياة المتغيرة باستمرار. وهناك صنعاء، المدينة الآسرة التي، على الرغم من الشدائد، لا تفشل أبدًا في إلهام القدرة على الصمود.

في هذه المقابلة، تأخذنا إيلاف مصطفى برحلة في حياتها الرائعة، فتكشف أسرار التقاطع بين مساعيها الأكاديمية والتراث العائلي في زراعة القهوة، والأثر العميق للتاريخ على رحلتها كفنانة. من أول لقاءاتها مع الكلمة المكتوبة إلى الإلهام اللامحدود المستمد من تراث القهوة لعائلتها، ترسم إيلاف صورة حية لتطورها كفنانة، وتكشف عن العلاقة التكافلية بين الفرشاة وشجرة القهوة.

تابعوا معنا في هذا الحوار رحلة إيلاف مصطفى وتعرفوا إلى رواية إيلاف الفنية، حيث تعكس كل ضربة على القماش حكايات أسلافها وروح القهوة اليمنية الدائمة.

من هي إيلاف مصطفى؟

عشت حياتي ما بين أرضيّ صنعاء وحراز، ولهما في روحي حيزٌ شاسع، احببت كل ما يتعلق باللغة والأدب، والفن والقهوة، ورغمًا عن الرسم الذي رافقني على مدى سنوات حياتي حتى اللحظة، الا أني وبعيدًا عنه تخصصت أكاديميًا بالترجمة وعلم اللُغات، واليوم أرى أن كلًا من الفن واللغة قاداني لطريق القهوة.

في الواقع لا يُعد انتمائي للقهوة بشيء حديث، فلدى عائلتي تاريخ وثيق بزراعة وتجارة البُن، حيث نمتلك العديد من المزارع في مسقط رأسنا حراز، ومنها مزارع حوت ومازالت إلى يومنا هذا أشجار بُن عاشت عقدًا من الزمن، وتناقلت عبرها قصص الأجداد ومعرفة وهوية عريقة.

بالنسبة لي وما بين اليوم والماضي أرى اني قد أصبحت مُتفرعة جدًا، ولكن الجدير بالذكر ان ما عشته انا وكل جيلي في الفترات السابقة، قد صقلنا بمدى لم يكن ليكفيه عمرً واحد، فتعلمنا فعلًا كيف نقدر الحياة، وبشكل او بأخر في كل مرة يسود المحيط لابد من وضع خطة بديله للتجاوز، فمرة بفعل كتاب ومرة بفعل الفن ومرات بفعل القهوة، ولكن بالطبع لا ننسى صنعاء، المدينة الساحرة الذي لم تجعلنا نقع مرة الا وننهض مهما حُفر لنا.

كيف بدأت رحلتك مع القهوة وكيف تأثرت بتاريخ وتراث عائلتك في زراعة البُن؟

كان لدى والدي مكتبة احتوت الكثير من كتب التاريخ ومنها الذي تتحدث عن الحضارات القديمة والمعاصرة. بفضل حثه المستمر لي على المطالعة قرأت العديد منها بدايةً من عمر العاشرة، ووجدتُ أن اليمن حوت تاريخ عريق لا تكفيه المجلدات ولا آلاف الكتب، لكني ومن خلال قراءاتي وجدتُ أن القهوة خَلقتْ بُقعة ضوءٍ في هذه المسيرة وعبر محطاتٍ عديدة، ف رابطت بجانب اليمنيين عبر العصور كنافذة ونور، والجدير بالذكر أنها كانت ولا زالت تَخلُق القصص وترويها، وبدوري أنا أحبُّ القصص وجدًا.

كيف يؤثر تاريخ عائلتك وارتباطها بزراعة البُن على إلهامك كفنانة تشكيلية؟

لطالما تأثرت وجدًا بالرابط العجيب الذي خُلق بفعل اشجار البُن، وقد روت لي جدتي، حفظها الله العديد من القصص عن أهميتها لدى المجتمع، وكيفية زراعتها وطقوس قطفها آنذاك، وكيف كان يُعامل البُن كسعلة ثمينة بين الناس. فأشارت في إحدى القصص أنها عند بدء الحصاد، تذهب ووالدتها للمزارع، فتقطف بضع حبات بُن ملئ كفها، وتبادلها بأي من السلع الأخرى كامتياز وحيد يحظى به البُن فقط.

العديد من الحكايات بالطبع، كلها رسخت بداخلي حُبًا وافتخارًا بهذهِ الشجرة، ما يدفعني دومًا لعكس أثرها في اللوحات حتى يتضح ولو القليل عنها.

كيف يمكن للقهوة أن تتحول من مشروب إلى هوية وتاريخ، وكيف تسعين لنقل هذه الفكرة من خلال أعمالك الفنية؟

في الواقع لا يمكن أبدًا أن تُحصر حبات البُن في كلمة “مشروب”، فهي تفيض عن كوبها ولها ابعاد كثيره.

من ميناء المخا شهدت هذهِ الثمرة حضارات وعصور وممالك، خلقت العديد من التناقضات فشككوا وتعلقوا بها، خبأوها في جرة لعقود كأحدى أثمن الكنوز، ونرى عبر التاريخ كم قامت لأجلها حروب واُخمدت بفعلها حروبًا أخرى.

عندما نشهد اليوم كيف أن أجدادنا أفنوا أعمارهم لأحيائها رغم الصعاب التي تلوي معظمها الظهر، تتضح الصورة، ولهذا بالتحديد قمت برسم لوحتي الأخيرة بعنوان أحفاد الشمس “للحجة فاطمة” إحدى مُزارعات البُن في المحويت كإشارة صارخة لثورة البُن اليمني في كُلِّ زمان، فقد بلغت من عمرها الثمانين ولازالت مُتمسكة بحباتها، لذا أصبح لزامًا عليّ أن اُخلد حكايتها في ثنايا لوحة.

كيف يمكن للفن أن يسهم في تعزيز الوعي بأهمية البُن اليمني وتاريخه في المجتمعات المحلية والعالمية؟

مُنذ القدم وإلى اليوم يُعد الفن هو العامل الرئيسي لنقل الحضارات وحفظها.

بالنسبة لي أرى الفن بجانب تاريخ القهوة كنافذة عتيقة مُزينة بألوان القمريات اليمنية، كُلِّ مرة تنقل لي مشهدًا يجب أن يُخلد، فأراه يروي عن نفسه من خلال نافذتي لا العكس، ونرى فعلًا كيف أن أهمية هذا الشيء أصبح يفرض واقعه على المجتمعات كانت محلية أو دولية.

كيف ترين مستقبل صناعة القهوة في اليمن ودور الفن في دعمها وتسليط الضوء على إرثها؟

كانت الفترات السابقة سحيقة بالنسبة للبُن اليمني، فتراجع انتاجه بشكل كبير لشدة صعوبة الأوضاع الاقتصادية وتردي العوامل البيئية، لكننا اليوم نعيش عصرًا من النهضة وبشكل لم نشهده من قبل، كُلّ القطاعات تعمل بكامل طاقاتها للارتقاء به لمراحل تتفوق على سابقتها، بداية من الأرض ودعم المُزارعين بكل الوسائل، وحتى حمصها وتقديمها، لذا ومن محطنا اليوم، أرى مستقبلًا واعدًا ينتظر.

اما الفن فهو الرفيق المُلازم لهذه الحبات وأرضها، يُعانق جذورها بشدة ليحفظها من النسيان، ودائمًا سيرويان الحكايا سويًا.

Continue reading “من الجذور إلى القماش: رحلة إيلاف مصطفى الفنية عبر تراث القهوة اليمنية”