القهوة اليمنية تنتشر بسرعة في الولايات المتحدة

سانيفيل – أسوشيتد پرس

قبل مئات السنين، ساهم اليمن في تعريف العالم بالقهوة. وفي السنوات الأخيرة، أصبح موضوع انتشار القهوة اليمنية في أمريكا يلفت انتباه الكثيرين. في الحقيقة، انتشار القهوة اليمنية في أمريكا أصبح ظاهرة تستحق الدراسة ضمن قطاع الأغذية والمشروبات العالمي. واليوم، تصدّر هذه الدولة الجبلية، التي أنهكتها الحرب، شيئًا جديدًا: ثقافة المقاهي اليمنية.

تشهد المقاهي اليمنية انتشارًا سريعًا في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. ووفقًا لشركة “تكنوميك” المتخصصة في أبحاث قطاع المطاعم، ارتفع عدد المقاهي التابعة لست سلاسل رئيسية تقدّم المشروبات اليمنية بنسبة 50% خلال العام الماضي ليصل إلى 136 مقهى، دون احتساب المقاهي المستقلة أو السلاسل الصغيرة. علاوة على ذلك، فإن ظاهرة انتشار القهوة اليمنية في أمريكا من الظواهر التي شكلت موجة جديدة في سوق القهوة.

ويرى مراقبون أن هذا النمو يعود إلى عدة عوامل، من بينها أن هذه المقاهي تبقى مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل — أحيانًا حتى ما بعد الثالثة فجرًا، خاصة خلال شهر رمضان — ما يوفر مساحة اجتماعية بديلة للأشخاص الذين لا يستهلكون الكحول. وأظهر استطلاع حديث لمؤسسة “غالوب” أن 54% فقط من البالغين في الولايات المتحدة أفادوا بأنهم يشربون الكحول، وهي أدنى نسبة منذ 90 عامًا.

وقال أحمد بدر، مالك أحد فروع “أروى للقهوة اليمنية” في سانيفيل: “في الشرق الأوسط، حياتنا الليلية تدور حول القهوة. الناس يجتمعون في المقاهي، يتحدثون ويلعبون. أردنا نقل هذه التجربة إلى هنا.”

كما ساهمت التغيرات الديموغرافية في هذا الانتشار، إذ ارتفع عدد الأمريكيين من أصول عربية بنسبة 43% بين عامي 2010 و2024، مقارنة بنحو 10% فقط لنمو السكان بشكل عام، بحسب المعهد العربي الأمريكي.

ورغم أن معظم المقاهي اليمنية تنتشر في ولايات ذات كثافة عربية عالية مثل ميشيغان وكاليفورنيا وتكساس، فإنها بدأت تظهر أيضًا في مناطق متنوعة مثل جورجيا وكانساس وماين.

نكهة من الوطن

بالنسبة للعديد من اليمنيين الأمريكيين، تمثل هذه المقاهي أكثر من مجرد أماكن لتقديم القهوة؛ فهي وسيلة للحفاظ على الارتباط بالوطن.

وقال فارس المضرحي، الشريك المؤسس لسلسلة “أروى للقهوة اليمنية” في تكساس، إن الحرب المستمرة في اليمن منذ عام 2014 حالت دون زيارة الكثيرين لبلدهم، ما دفعهم لمحاولة إعادة خلق أجواء اليمن داخل الولايات المتحدة.

وتتميز المقاهي بتصاميم مستوحاة من البيئة اليمنية، مثل الألوان الصحراوية والأقواس المعمارية والمصابيح التقليدية.

وأضاف المضرحي: “إحدى طرق زيارة اليمن دون السفر هي نقل التجربة إلى هنا. الأمر مؤثر للغاية، وكأنه يعيدنا إلى الوطن.”

وأشار إلى أن غالبية الزبائن ليسوا من أصول عربية، حيث يزداد اهتمام الأمريكيين بتجربة نكهات عالمية وثقافات جديدة، وهو اتجاه تعززه وسائل التواصل الاجتماعي. من جهة أخرى، انتشار القهوة اليمنية في أمريكا مثّل مصدر فخر واهتمام للجالية اليمنية.

وتشمل قوائم المشروبات الشاي العدني، وهو شاي متبل شبيه بالشاي الهندي، و”القشر”، وهو مشروب يُحضّر من قشور حبوب القهوة المجففة. كما تُقدَّم مشروبات مألوفة مثل اللاتيه لكن بنكهات مميزة كالتوابل أو العسل.

أما المخبوزات فتتضمن “خلايا النحل” اليمنية المحشوة بالجبن والمغطاة بالعسل، و”البسبوسة” المنقوعة بالقطر والمنكهة بالليمون أو ماء الورد، إلى جانب مشروبات عصرية مثل الماتشا والمشروبات المنعشة بالفواكه.

تنوع في خيارات القهوة

يرى خبراء أن المقاهي ذات الطابع الثقافي أصبحت محركًا مهمًا لنمو سوق القهوة في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

وقال بيتر جوليانو من جمعية القهوة المختصة إن هناك توسعًا مشابهًا لعلامات تجارية تقدم القهوة اللاتينية أو الفيتنامية.

وتعكس آراء الزبائن هذا التوجه. فقد قالت سيندي دونوفان، التي زارت أحد المقاهي اليمنية لأول مرة: “النكهات أكثر توازنًا ونعومة، لكنها غنية في الوقت نفسه. الهيل يضيف طابعًا مميزًا للغاية.”

وتُجفف القهوة اليمنية غالبًا تحت أشعة الشمس، ما يعزز نكهاتها ويُظهر ملاحظات الشوكولاتة والفواكه. كما تُستخدم خلطات “الحَوَايِج” التي قد تشمل الهيل والزنجبيل والقرفة والقرنفل والكزبرة وجوزة الطيب.

وأوضح محمد ناصر من “حرّاز كوفي هاوس” أن تحضير القهوة يتم يدويًا بعناية: “نقوم بخلط وغلي القهوة والشاي يدويًا للوصول إلى الطعم واللون المثاليين.”

تاريخ غني

تعود جذور القهوة في اليمن إلى قرون طويلة. ورغم أن أصل النبتة يُنسب إلى إثيوبيا، فإن زراعتها ازدهرت في اليمن منذ القرن الخامس عشر، حيث استخدمها المتصوفة للبقاء يقظين أثناء العبادة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن انتشار القهوة اليمنية في أمريكا اليوم يُعد استمرارًا لهذه الرحلة التاريخية الأصيلة.

القهوة اليمنية تكتسح فيزاليا بنكهاتها الأصيلة وتحضيرها البطيء

القهوة اليمنية تكتسح فيزاليا بنكهاتها الأصيلة وتحضيرها البطيء

واحتكر اليمن تجارة القهوة عالميًا لنحو 200 عام قبل أن تنتقل زراعتها إلى مناطق أخرى.

وفي العقود الأخيرة، ساهمت استثمارات من رواد أعمال ومؤسسات مختلفة في إحياء قطاع القهوة اليمنية، الذي يُعد اليوم من أهم القطاعات الواعدة اقتصاديًا رغم التحديات الكبيرة.

واختتم المضرحي قائلًا: “نحن سفراء لثقافتنا وشعبنا. من خلال هذه المقاهي، نُظهر كرم الضيافة اليمني ونعرّف العالم بما يمكن أن نقدمه.”

اقرأ المواد ذات الصلة:

“بيت القهوة” في كاهابا هايتس.. عندما تصبح القهوة جسراً بين الشعوب

انتشار مقاهي القهوة اليمنية في آن آربر

القهوة اليمنية تكتسح فيزاليا بنكهاتها الأصيلة وتحضيرها البطيء

انتشار مقاهي القهوة اليمنية في آن آربر

آن آربر – قهوة ورلد

شهدت مدينة آن آربر في السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في عدد المقاهي المتخصصة في القهوة اليمنية، مع اتساع الاهتمام بهذا النمط من القهوة وثقافته. افتتحت عدة مقاهٍ في المدينة مثل بن تشاي للقهوة والشاي اليمني، بيت الموكا، قهوة هاوس، مقهى سقطرى، ومقهى الجبل. كما يُتوقع افتتاح مشروع جديد في موقع سابق لمحل مشروبات شاي في شارع إيست ليبرتي، رغم عدم تحديد موعد الافتتاح حتى الآن.

ترتبط القهوة تاريخيًا بـ اليمن، حيث لعبت دورًا مهمًا في انتشارها عالميًا عبر ميناء المخا الذي ارتبط باسم القهوة عالميًا. وتتميز القهوة اليمنية باستخدام التوابل مثل الهيل والقرفة والزنجبيل، ما يمنحها طابعًا مختلفًا عن القهوة التقليدية في الغرب.

بدأ توسع علامة الجبل بعد افتتاح أول فرع لها في مدينة ديربورن أواخر عام 2023، قبل أن تنتقل إلى آن آربر. ويؤكد القائمون عليها أن النجاح الأول شجعهم على التوسع في مدن أخرى، مع التركيز على تقديم تجربة تتجاوز مجرد المشروبات لتشمل الضيافة والأجواء الاجتماعية.

كما افتتح مقهى بيت الموكا فرعًا في منطقة كيريتاون عام 2025، ضمن خطة توسع أوسع على مستوى البلاد، بهدف تقديم القهوة والمأكولات اليمنية مع الحفاظ على الطابع الثقافي الأصيل.

تتميز العديد من المقاهي اليمنية في آن آربر بساعات عمل ممتدة حتى الليل، مما يجعلها أماكن مناسبة للقاءات الاجتماعية والدراسة وقضاء الوقت في أجواء هادئة. وقد أصبحت وجهة مفضلة لطلاب جامعة ميشيغان الذين يبحثون عن أماكن مفتوحة في أوقات متأخرة.

يرى الزوار أن هذه المقاهي تختلف عن السلاسل التقليدية، إذ توفر بيئة أكثر دفئًا وتشجع على الجلوس والتواصل بدلاً من الخدمة السريعة فقط.

ومع استمرار هذا الانتشار، أصبحت آن آربر جزءًا من موجة أوسع تعيد تقديم ثقافة القهوة اليمنية في الولايات المتحدة بأسلوب حديث يجمع بين التراث والضيافة المعاصرة.

القهوة اليمنية تكتسح فيزاليا بنكهاتها الأصيلة وتحضيرها البطيء

فيزاليا – قهوة ورلد

تشهد مدينة فيزاليا وصول موجة جديدة من ثقافة القهوة اليمنية، في امتداد لانتشارها المتزايد في مدن قريبة مثل فريسنو.

تنحدر هذه القهوة من اليمن، الذي لعب دورًا مهمًا في تجارة البن عالميًا، خاصة عبر ميناء المخا، الذي ارتبط اسمه بمصطلح “موكا” المعروف.

يستعد مقهى سراج كوفي هاوس لافتتاح أبوابه في فيزاليا، مقدمًا تجربة مميزة لعشاق القهوة، حيث تتميز القهوة اليمنية بأسلوب تحضير بطيء ونكهات غنية تعتمد على التوابل مثل الهيل والقرنفل والزعفران وجوزة الطيب.

إلى جانب القهوة اليمنية، سيقدم المقهى مجموعة من المشروبات الإيطالية، إضافة إلى خيارات منخفضة أو خالية من الكافيين مثل الشاي والعصائر الطازجة ومشروب الليمون البرازيلي. كما ستتضمن القائمة حلويات تقليدية تُحضّر داخل المقهى، مثل “السبايا” (كيك العسل متعدد الطبقات) وخبز خلية النحل المحشو بالجبن الكريمي.

المشروع يأتي بشراكة بين رواد أعمال محليين، من بينهم شريك في مطعم سماش تاون برجرز. ورغم وجود خطط للتوسع مستقبلًا، ينصب التركيز حاليًا على إطلاق الفرع الأول.

يقع المقهى في شارع ويتنديل الغربي، في موقع كان يضم سابقًا مخبزًا، ليبدأ مرحلة جديدة بهذا الطابع المختلف.

ويعكس هذا الافتتاح انتشارًا أوسع للقهوة اليمنية في الولايات المتحدة، حيث كانت باب اليمن كافيه من أوائل المقاهي التي قدمت هذا النوع في المنطقة، بينما توسعت علامات مثل القمرية للقهوة اليمنية في عدة ولايات.

ومع استمرار هذا التوجه، تنضم فيزاليا إلى قائمة متنامية من المدن التي تحتفي بالقهوة اليمنية وتراثها العريق بروح عصرية.

محمد الهمداني: نحن لا نبيع قهوة.. نحن نحرس إرثاً يمنياً يمتد لأكثر من قرن!

منذ عام 1918.. رحلة سلالة “الهمداني” العريقة من جبال اليمن إلى الأسواق العالمية

دبي – علي الزكري

في عالم السلع، هناك أسماء تبيع “منتجات”، وهناك كيانات نادرة تبيع “تاريخاً” مقطراً في فنجان. حين تعبر عتبة شركة “الهمداني موكا”، فأنت لا تدخل مجرد مؤسسة تجارية، بل تفتح سجلات ذاكرة بدأت تدوين أولى صفحاتها في عام 1918، حين كانت قوافل القهوة ترسم ملامح التجارة العالمية من جبال اليمن الشاهقة.

من أزقة “سوق بوعان” في بني مطر، حيث وضع الأجداد حجر الأساس، وصولاً إلى ناطحات سحاب نيويورك وأسواق الخليج العربي، استطاعت هذه العائلة أن تحول “حبة القهوة” من مجرد محصول زراعي إلى رسالة حضارية عابرة للحدود. بين المخطوطات التي تجاوز عمرها مائة عام، وبين خطوط الإنتاج الأوروبية الحديثة، نلتقي بـ الأستاذ محمد الهمداني، المدير التنفيذي لشركة الهمداني موكا، ليحكي لنا كيف تدار “أمانة” بهذا الثقل، وكيف استطاعت الشركة أن تحافظ على نبض الأرض اليمنية في قلوب عشاق القهوة حول العالم.

ندعوكم في هذا الحوار الحصري والعميق، للإبحار في تفاصيل رحلة بدأت قبل قرن ولم تتوقف، والتعرف على كواليس صناعة الموكا الأصيلة التي تربط جبال حراز والحيمة بالعالم أجمع.

Mohammed Al-Hamdani: A Century of Yemeni Mocha Coffee Heritage | Interview

  • أستاذ محمد، حين نتحدث عن تاريخ يمتد إلى عام 1918، فنحن أمام إرث يسبق تشكّل الكثير من الأسواق العالمية المعاصرة. كمدير تنفيذي للعائلة التجارية العريقة، كيف تصف لنا شعور المسؤولية تجاه إدارة مؤسسة تحفظ مخطوطات ووثائق عمرها أكثر من قرن؟

إدارة شركة بهذا التاريخ ليست مجرد إدارة تجارية، بل هي أمانة تاريخية وثقافية كبرى. نحن لا ندير كياناً ربحياً فحسب، بل نحرس إرثاً عائلياً ارتبط باسم القهوة اليمنية منذ فجر القرن الماضي. فلسفة “الهمداني” ترتكز على مثلث ذهبي: الأصالة، الجودة، والاستمرارية. لقد حرصنا كأجيال متعاقبة على صون المعايير التي وضعها الأجداد، بدءاً من اختيار الثمار في المزارع وصولاً إلى تقديم منتج يليق بهوية القهوة اليمنية، ولهذا ظل اسمنا مرادفاً للجودة والموكا الأصيلة عبر العقود.

  • انطلقت الرحلة من سوق بوعان في بني مطر، المكان الذي شهد الخطوات الأولى للأجداد. كيف حافظ محمد الهمداني وفريقه على تلك العلاقة الوجدانية والمباشرة مع مزارعي الحيمة وحراز وبني مطر؟

محمد الهمداني: المزارع هو شريكنا الأول والأساسي. علاقتنا بمزارعي بني مطر وحراز والحيمة ليست علاقة توريد جافة، بل هي شراكة عمر. نحن ندعمهم بالتدريب الزراعي والتوعية بأساليب الحصاد والتجفيف العلمية، ونوفر لهم قنوات تسويق مستقرة تضمن استمراريتهم. هذه الثقة المتبادلة هي التي ضمنت لنا الحصول على أفخر أنواع القهوة، وهي التي حمت جودة القهوة اليمنية من الاندثار رغم كل الظروف.

Mohammed Al-Hamdani: A Century of Yemeni Mocha Coffee Heritage | Interview

  • في عام 2003، أحدثتم نقلة نوعية بإدخال خطوط الإنتاج الأوروبية الحديثة. كيف توازن بين “روح” الزراعة التقليدية و”دقة” المعايير الدولية؟

القهوة اليمنية تستمد فرادتها من طابعها التقليدي الذي توارثه المزارعون، وهذا خط أحمر لا يمكن المساس به. لكن لمواكبة السوق العالمي، كان لزاماً علينا تطوير عمليات الفرز والتعبئة. أدخلنا التقنيات الأوروبية لتنظيف وحماية الحبوب وضمان خلوها من العيوب وفق المعايير العالمية، دون التدخل في جوهر زراعتها وتجفيفها الطبيعي تحت الشمس. هذه المعادلة بين الأصالة والتكنولوجيا هي التي جعلت منتجنا ينافس بقوة في أرقى المحافل الدولية.

  • مع وجود أكثر من عشرة فروع في السعودية والخليج، إضافة إلى فرع الولايات المتحدة؛ كيف يقرأ محمد الهمداني تباين ذائقة عشاق القهوة عالمياً؟

الذائقة تتنوع بتنوع الثقافات؛ ففي الخليج يظل الارتباط وثيقاً بالقهوة العربية التقليدية، بينما في أمريكا وأوروبا نجد شغفاً متزايداً بالقهوة المختصة (Specialty Coffee) وطرق التحضير الحديثة. الجميل أن القهوة اليمنية تفرض حضورها في كل هذه الأنماط؛ فنكهتها المعقدة وتاريخها يمنحانها “كاريزما” خاصة تجذب المحترفين والهواة على حد سواء، مهما اختلفت طريقة التقديم.

Mohammed Al-Hamdani: A Century of Yemeni Mocha Coffee Heritage | Interview

  •  مشروع “المزرعة النموذجية” في حراز والحيمة.. ما الذي يمثله هذا المشروع لرؤيتكم الاستثمارية لمستقبل القهوة اليمنية؟

هذا المشروع هو قلب رؤيتنا المستقبلية. نحن نسعى لتكريس أفضل الممارسات الزراعية الحديثة التي ترفع من كفاءة الإنتاج وتحسن الجودة، مع الحفاظ الكامل على الطابع اليمني الأصيل. الهدف ليس مجرد زيادة المحصول، بل تحويل المزرعة إلى مركز تدريبي يدعم المزارع اليمني ويعزز استدامة هذا القطاع، لنثبت للعالم أن اليمن قادر على تقديم نماذج استثمارية عالمية في أرضه التاريخية.

  • رغم التحديات اللوجستية والاقتصادية الراهنة، تواصل “الهمداني” توسعها. ما هو المحرك السري خلف هذا الصمود؟

السر يكمن في “الإيمان بالهوية”. نحن نؤمن أن القهوة اليمنية هي الأفضل في العالم، وهذا الإيمان يدفعنا للعمل المستمر رغم الصعاب. نعتمد على شبكة علاقات قوية، وخبرة تجارية متراكمة، والتزام صارم لا يقبل المساومة بالمعايير العالمية في التعبئة والتصدير. نحن نعمل لنضمن أن تصل القهوة من الجبل اليمني إلى يد المستهلك في أي مكان في العالم بنفس الحالة المثالية التي كانت عليها لحظة حصادها.

Mohammed Al-Hamdani: A Century of Yemeni Mocha Coffee Heritage | Interview

  • ختاماً أستاذ محمد.. كيف تلخص قرناً من الزمان في رسالة واحدة لكل من يرتشف فنجان قهوة من “الهمداني”؟

رسالتنا هي: خلف كل رشفة قصة أرض. كل فنجان من قهوة الهمداني يختزل تعب مزارع يمني صبور، وإرثاً عائلياً صامداً منذ 100 عام. نحن لا نبيع مجرد مشروب، نحن نصدر تاريخاً وثقافة وهوية يمنية تصل من صنعاء إلى دبي ونيويورك، لتقول للعالم: “هنا أصل الموكا”.

أمل العكادي… صوت نسائي يعرّف العالم بقيمة القوة اليمنية

دبي – علي الزكري

في قلب الحكاية الطويلة للقهوة، يظل البن اليمني واحدًا من أكثر الفصول أصالة وثراءً. فمن جبال اليمن التي شهدت البدايات الأولى لانتشار القهوة في العالم، ما زالت الحبوب تحمل عبق التاريخ ونكهات الأرض التي زرعها المزارعون جيلاً بعد جيل. غير أن هذا الإرث العريق يحتاج دائمًا إلى من يرويه للعالم ويعيد تسليط الضوء عليه.

من بين الأصوات التي كرّست جهودها للتعريف بالبُن اليمني وتسويقه، تبرز أمل العكادي، الناشطة والمسوقة المتخصصة في قطاع القهوة، التي عملت لسنوات في التعريف بهذا المنتج الفريد والدفاع عن مكانته في الأسواق العالمية. في هذا الحوار مع “عالم القهوة”، تفتح العكادي نافذة على تجربتها الشخصية في هذا المجال، وعلى التحديات والطموحات المرتبطة بمستقبل البن اليمني. ندعوكم للتعرّف إلى قصتها ورؤيتها من خلال السطور التالية.

بداية المسار في عالم القهوة

تعرّف أمل العكادي نفسها بأنها مهتمة وعاملة في مجال القهوة اليمنية منذ سنوات، مع تركيز خاص على التعريف بالبُن اليمني وتسويقه. بدأت مسيرتها المهنية داخل شركة أجنبية، حيث عملت في قسم الإنتاج قبل أن تتدرج في العمل الوظيفي وصولاً إلى مجالات الشحن والتصدير. وخلال تلك السنوات ظل هدفها واضحًا: أن يعرف العالم القيمة الحقيقية للبن اليمني وتاريخه العريق. واليوم تقيم في الرياض، لكنها ما زالت تعتبر نفسها جزءًا من الجهود الرامية إلى إيصال صوت البن اليمني إلى العالم.

شغف يقود الفكرة

وتقول إن فكرة العمل في الترويج للبن اليمني جاءت أساسًا من حبها العميق لهذا المنتج وإيمانها بأنه كنز حقيقي. فاليمن، كما تؤكد، هو أصل القهوة في العالم، لكن التسويق لم يكن دائمًا بمستوى هذه المكانة التاريخية. ومن هنا نشأت رغبتها في أن تكون جزءًا من الجهود التي تعرّف الناس بهذا المنتج الفريد وتعيده إلى موقعه الذي يستحقه.

نكهة تحمل قصة

أكثر ما يجذبها في البن اليمني هو نكهته الفريدة وتنوعه الكبير من منطقة إلى أخرى. فالقهوة اليمنية، في نظرها، ليست مجرد مشروب، بل حكاية وثقافة تمتد عبر قرون، ونتاج عمل شاق يبذله المزارعون الذين يعتنون بهذه الشجرة سنوات طويلة حتى تصل حبوبها إلى فنجان القهوة.

خطوات البداية

تتذكر العكادي أن بداياتها في هذا المجال كانت بسيطة؛ إذ بدأت بالتواصل المباشر مع المزارعين والتعرّف إلى أنواع البن المختلفة. وتشير إلى الدور الذي لعبه مديرها السابق شبير عزي في دعمها خلال تلك المرحلة، حيث اكتسبت خبرة عملية في مجالات الشحن والتصدير، إلى جانب العمل على التعريف بالبُن اليمني عبر وسائل التواصل والعلاقات مع المهتمين بالقهوة داخل اليمن وخارجه.

أمل العكادي… صوت نسائي يعرّف العالم بقيمة القوة اليمنية

تحديات الطريق

لكن الطريق لم يكن خاليًا من الصعوبات. فقد واجهت، كما تقول، تحديات كبيرة بسبب الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد، مثل الحرب وصعوبة التنقل والتصدير. ومع ذلك، ظل البن اليمني يجد طريقه إلى الأسواق العالمية بفضل إيمان كثيرين بقيمته وتمسكهم بإيصال هذا المنتج إلى العالم.

تزايد الاهتمام العالمي

وترى العكادي أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في نظرة الناس إلى البن اليمني. فمع انتشار ثقافة القهوة المختصة في مختلف أنحاء العالم، بدأ الاهتمام يزداد بجودة البن اليمني وخصوصيته، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على هذا المنتج العريق.

جبال اليمن ونكهاتها المميزة

وعلى الرغم من أنها تؤكد أن جميع أنواع البن اليمني مميزة، فإنها تميل بشكل خاص إلى البن القادم من المناطق الجبلية مثل حراز ويافع، حيث تتميز هذه المناطق بنكهات غنية ومعقدة تلقى إقبالًا كبيرًا لدى عشاق القهوة المختصة.

حضور متزايد للمرأة اليمنية

كما تشدد العكادي على أن المرأة اليمنية تلعب دورًا مهمًا في قطاع القهوة، سواء في الزراعة أو المعالجة أو حتى في التسويق والترويج. وتعتقد أن حضور المرأة في هذا المجال أصبح اليوم أكثر وضوحًا وتأثيرًا، وهو تطور إيجابي يعكس حيوية هذا القطاع.

حلم لمستقبل البن اليمني

أما حلمها الأكبر، فهو أن يستعيد البن اليمني مكانته العالمية التي يستحقها، وأن يحصل المزارع اليمني على التقدير والسعر العادل مقابل الجهد الكبير الذي يبذله في زراعة هذا المحصول.

رسالة إلى المزارعين والشباب

وفي ختام حديثها، توجه رسالة إلى المزارعين والشباب على حد سواء. فالمزارعون، كما تقول، هم أساس هذا الكنز الحقيقي، بينما يمثل الشباب قوة المستقبل القادرة على تطوير هذا القطاع. وتؤكد أن البن اليمني يمكن أن يكون مصدر فخر ورافعة اقتصادية مهمة لليمن إذا تم العمل عليه بوعي وتسويق احترافي.

كما أعربت أمل العكادي عن شكرها لمنصة عالم القهوة وللأستاذ علي على إتاحة الفرصة للحديث عن تجربتها مع البن اليمني، معربة عن أملها في أن تستمر الجهود المشتركة للتعريف بقيمة هذا المنتج العريق وإبراز مكانته في عالم القهوة.

هند شايع تعيد رسم خارطة القهوة اليمنية من قلب صنعاء

دبي – علي الزكري

بين جبال اليمن الشاهقة وتاريخ يمتد لقرون، تولد حكاية عشق لا تنتهي، بطلتها رائدة أعمال وصانعة محتوى آمنت بأن في كل حبة قهوة يمنية قصة بلد وهوية.

من قلب صنعاء، بدأت هند شايع رحلتها لتأسيس “نواة”، المشروع الذي لم يكن مجرد مقهى، بل كان جسراً يعبر بالقهوة اليمنية نحو العالمية، مستعيداً أمجاد ميناء المخا التاريخي بروح عصرية ومقاييس عالمية.

في هذا الحوار العميق الشامل، تأخذنا هند في رحلة من الشغف الشخصي إلى الريادة، كاشفة عن أسرار تميز القهوة اليمنية ودور المرأة في صياغة مستقبل هذا القطاع، لندرك معاً لماذا تظل قهوتنا هي المرجع الأول للذوق الرفيع. ندعوكم لمتابعة هذا الحوار المميز مع رائدة التغيير في عالم القهوة.

  • هند، متى بدأت قصتك مع القهوة اليمنية؟ وما الذي جذبك إليها في البداية؟

لم أكن في الأصل من محبي القهوة، لكن في عام 2015 بدأت رحلتي معها بدافع البحث عن مشروب يمنحني التركيز والطاقة ويحسن المزاج خلال العمل والدراسة.

ومع الوقت تحول هذا البحث إلى شغف حقيقي؛ فمنذ عام 2016 بدأت أتعمق أكثر وأكتشف أنواع القهوة من دول مختلفة. كنت أحرص في أسفاري على زيارة المقاهي المختصة والمزارع، لكن القهوة اليمنية كانت دائماً هي المرجع الذي أقيس عليه.

اكتشفت في كل مرة أن طابعها مختلف تماماً؛ فنكهاتها معقدة، غنية وعميقة، ومزاجها هادئ ومتزن يمنح التركيز دون قلق أو توتر مزعج. هذا الإحساس جعلني أدرك أن ما نملكه في اليمن ليس قهوة عادية، بل من أجود وأميز الأنواع التي تذوقتها في حياتي.

  • كيف جاء قرارك بتأسيس مشروع “نواة” ومشاركة القهوة اليمنية مع العالم؟

القرار نضج على مراحل وسط تحديات كبيرة؛ بدأت الفكرة كحلم في عام 2021، ورغم تمسكي بالأمان الوظيفي حينها، إلا أن ثقتي بقدرة القهوة اليمنية على استعادة أمجادها دفعتني للاستثمار في مشروعي.

في عام 2024، أطلقت مع زوجي “نواة” كمتجر إلكتروني يهدف لرفع الوعي وتعزيز ثقافة القهوة المختصة من خلال محتوى تعليمي وتوعوي.

وفي مطلع عام 2026، تحول الحلم إلى واقع بافتتاح كافيه “نواة” في صنعاء؛ ليكون مساحة تقدم تجربة مختلفة وتنقل صورة حديثة وراقية عن قهوتنا للعالم. هدفنا أن يشعر كل من يتذوق كوباً عندنا أنه يقرأ قصة بلد وهوية وتاريخ.

  • القهوة في اليمن أكثر من مجرد مشروب، كيف تصفين علاقتها بالثقافة اليومية؟

هي جزء لا يتجزأ من الهوية والتاريخ، فمن القرى الزراعية وميناء المخا تحديداً، خرج هذا المشروب الساحر للعالم. في ثقافتنا، لم تستهلك القهوة بشكل واحد؛ بل استخدم كل جزء منها، من “القشر” الخفيف والمنعش الذي يُشرب بكثرة، إلى القهوة المحمصة بوصفاتها المتعددة التي تختلف من منطقة لأخرى.

ورغم تراجع مكانتها لفترة لصالح الشاي كونه أرخص وأسهل تحضيراً، إلا أننا نشهد اليوم “عودة وعي” قوية، خصوصاً بين الشباب الذين بدأوا يهتمون بجودة القهوة وأصلها وقصتها من خلال المقاهي المختصة والمبادرات الترويجية.

  • القهوة اليمنية لها مكانة عالمية، برأيك ما الذي يميزها عن غيرها؟

التميز يأتي من مزيج نادر بين الأرض والإنسان والتاريخ. اليمن تنتج فصيلة “الأرابيكا” الأعلى جودة، وسلالاتنا عريقة جداً ونشأت منذ مئات السنين. كما أن جغرافيا اليمن تلعب دوراً حاسماً؛ فالقهوة تزرع في مرتفعات وعرة بين 1800 و2400 متر عن سطح البحر.

هذا الارتفاع يجعل الثمار تنضج ببطء أكبر، مما يبرز حلاوتها الطبيعية ويزيد من تعقيد نكهاتها. أضف إلى ذلك تنوع المناطق الذي يمنحنا محاصيل بشخصيات مختلفة؛ فبعضها بطابع فاكهي، وأخرى بنكهة الشوكولاتة أو البهارات أو الأعشاب العطرية.

  • كيف تغيرت صناعة القهوة في اليمن مؤخراً؟ وهل هناك لمسات حديثة ظهرت؟

الصناعة تمر بمرحلة تجمع بين التقليد والتحديث؛ لا يزال البعد الحرفي حاضراً، حيث يقطف المزارعون الكرز الناضج يدوياً حبة حبة. الجديد هو دخول معايير حديثة في المعالجة، مثل استخدام سراير التجفيف المرتفعة لضمان النظافة والتوازن، واستخدام مكائن حديثة لفرز الحبوب آلياً حسب اللون والحجم. ومع هذا التطور، تظل اللمسة البشرية حاسمة، حيث تستمر عملية التنقية اليدوية لإزالة أي عيوب، لضمان أعلى معايير الجودة العالمية.

هند شايع وقصة القهوة اليمنية في مشروع نواة بصنعاء

  • العلاقة بين المزارع التقليدي وصناعة القهوة الفاخرة.. كيف ترينها اليوم؟

هي علاقة تكامل وشراكة؛ فالمزارع هو “حارس الكنز” الذي يمتلك الأرض والخبرة المتوارثة. دورنا اليوم كرواد أعمال هو ردم الفجوة بين المزرعة والفنجان عبر إضافة الوعي بالمعالجة الحديثة.

عندما يدرك المزارع أن اهتمامه بالتفاصيل يضاعف سعر محصوله، يتحول إلى شريك في الجودة، مما يضمن استدامة هذه الزراعة ويعيد له العائد الاقتصادي العادل الذي يستحقه مقابل جهده الشاق في المدرجات الجبلية.

  • إذا تحدثنا عن المستقبل، كيف ترين دور القهوة اليمنية في السوقين المحلية والعالمية؟

دور القهوة اليمنية هو “التميز والندرة” وليس المنافسة بالكميات؛ فنحن لا ننافس الدول الكبرى في حجم الإنتاج، بل ملعبنا الحقيقي هو الجودة الاستثنائية. القهوة اليمنية تعيد تموضعها الآن كمنتج فاخر وحصري يستهدف الذواقة.

عالمياً، الإرث التاريخي المرتبط باليمن هو أداة تسويقية جبارة، والمستقبل هو للقهوة المختصة التي تجمع بين عراقة التاريخ وجودة المذاق لتكون سفيرنا الأجمل للعالم.

  • ما أبرز الفرص لتوسيع حضور القهوة اليمنية في الخارج؟

أولاً، في نقل “القصة”؛ فالعالم يشتري تجربة ومعنى، ونحن نملك أقوى قصة (الميناء القديم، المدرجات، والمزارع الشغوف). ثانياً، التجارة الإلكترونية التي سهلت الوصول المباشر للمحامص العالمية وتجاوز سلاسل الإمداد التقليدية. ثالثاً، المشاركة في المحافل الدولية المتخصصة بالقهوة الفاخرة؛ فهناك يوجد السوق الحقيقي الذي يقدر قيمة القهوة اليمنية ويدفع سعرها العادل.

  • ما دور النساء في صناعة القهوة اليوم، خصوصاً في اليمن؟

دور المرأة جوهري وتاريخي، فهي حاضرة من الغرسة الأولى حتى الفنجان. في الأرياف، تشارك في الزراعة والعناية والقطف الدقيق، وهناك مزارع مملوكة بالكامل لنساء ورثنها كإرث عائلي.

كما تلعب النساء الدور الأكبر في فرز القهوة وتنقيتها، وهي مهمة تتطلب صبراً وتركيزاً عالياً. واليوم، نرى تحولاً من “الأيدي العاملة” إلى “القيادة والخبرة”؛ حيث برزت خبيرات يمنيات يحملن شهادات عالمية (SCA) في التذوق والتحميص، ورائدات أعمال يدرن مقاهي مختصة وشركات تصدير.

  • بصفتك تديرين مقهى ومتجراً في صنعاء، ما هي أبرز التحديات التي واجهتكم؟

التحدي الأكبر هو الوضع الاقتصادي العام وتراجع القدرة الشرائية بسبب الحصار وعدم الاستقرار. واجهنا تساؤلات كثيرة حول مخاطرة الافتتاح في هذا التوقيت الصعب، لكن إيماننا بجودة ما نقدمه كان هو الدافع والشجاعة.

هناك أيضاً تحديات لوجستية وتشغيلية؛ فطبيعة اليمن الجغرافية تجعل زراعة ونقل القهوة من المرتفعات الشاهقة شاقاً ومكلفاً، إضافة إلى صعوبات استيراد المعدات المتطورة ومواد التغليف.

  • ما هي أهم الدروس التي تعلمتها في إدارة المقهى والمحافظة على الجودة؟

الدرس الأول هو أن البدء سهل ولكن الاستمرارية هي التحدي؛ فالمحافظة على نفس المعايير يومياً وفي كل كوب أصعب بكثير من مجرد الافتتاح. الدرس الثاني هو أن الناس لا يشترون منتجاً فقط بل تجربة وشعوراً؛ لذا نحرص في “نواة” على خلق مساحة للانتماء وتثقيف الزوار حول قصة القهوة التي يشربونها ومعالجتها، ليخرج العميل بمعلومة وشغف ويصبح هو نفسه سفيراً للقهوة اليمنية.

  • رغم الأوضاع الحالية، كيف ترين ملف التصدير والشحن للقهوة اليمنية؟

لا يمكن إنكار الصعوبات والقيود المفروضة على الموانئ التي جعلت العمليات أبطأ، ولكن روح التجارة تجري في دماء اليمنيين منذ آلاف السنين. نحن قادرون دائماً على خلق الحلول وتجاوز العقبات؛ ورغم كل التحديات، ما زلنا قادرين على شحن وتصدير القهوة اليمنية لجميع دول العالم. سلسلة الإمداد لم تتوقف، وهذا بحد ذاته إنجاز ودليل على صلابة هذا القطاع وإصرار العاملين فيه.

القهوة اليمنية .. حراز نموذج حيّ لزراعة دقيقة تحافظ على الأرض وتبني الجودة

حراز – قهوة ورلد. تشتهر المنطقة بـزراعة البن اليمني في المرتفعات الجبلية، حيث تعتبر زراعة البن اليمني في المرتفعات الجبلية جزءاً من تراثها الزراعي العريق.

في قلب المرتفعات الجبلية غرب اليمن، وتحديدًا في منطقة حراز، تتجسد واحدة من أكثر تجارب زراعة البن تعقيدًا ودقة على مستوى العالم.

هنا، لا تُختزل الزراعة في التربة والمناخ فحسب، بل تقوم على منظومة متكاملة من العمل اليدوي الشاق، والمعرفة الزراعية المتوارثة، والالتزام الصارم بإيقاع الطبيعة.

مزارع Jabalbon Estate تقدّم نموذجًا عمليًا لكيفية حفاظ اليمن على هويته الزراعية التاريخية، وفي الوقت نفسه إنتاج بن عالي الجودة ينافس عالميًا.

  • استصلاح الأرض… البداية من الصخر

تبدأ دورة زراعة البن في حراز بمرحلة تُعد الأصعب والأطول: استصلاح الأرض الجبلية. تشمل هذه المرحلة إزالة الأشجار الضارة مثل الطلح، وتنظيف المدرجات من الأعشاب والمخلفات النباتية، إلى جانب إعادة بناء الجدران الحجرية المنهارة بالطريقة التقليدية.

ولا تُعد هذه المدرجات مجرد بنية داعمة، بل عنصرًا حيويًا لتثبيت التربة، وحجز مياه الأمطار، والحد من الانجراف، ما يجعلها الأساس الذي تُبنى عليه أي زراعة ناجحة في هذه البيئة القاسية.

عملية استصلاح الأرض في مزارع جبل بن في حراز
عملية استصلاح الأرض في مزارع جبل بن في حراز
  • تخطيط دقيق ومسافات محسوبة

بعد الاستصلاح، تُخطط الأرض بعناية لتحديد مواقع غرس أشجار البن، مع الالتزام بمسافة تصل إلى مترين بين كل شجرة وأخرى. هذا التباعد المدروس يضمن تهوية التربة، ويحد من التنافس على العناصر الغذائية، ويسمح بنمو متوازن للجذور والمجموع الخضري.

قطعة أرض في مزارع جبل بن في حراز حيث تظهر العناية بأدق التفاصيل منذ البداية
قطعة أرض في مزارع جبل بن في حراز حيث تظهر العناية بأدق التفاصيل منذ البداية
  • “البُوَر”… تقنية محلية بجذور علمية

من أبرز ملامح الزراعة في حراز اعتمادها على حفر عميقة تُعرف محليًا باسم “البُوَر”، بعمق وعرض متر تقريبًا. تُستخدم هذه الحفر لتفكيك التربة البركانية الطينية المتصلبة، وتحسين التهوية والصرف، وتنشيط الحياة الدقيقة داخل التربة.

وتُترك هذه الحفر مكشوفة لأشهر كي تتعرض لأشعة الشمس، في ممارسة تقليدية أثبتت فعاليتها علميًا، قبل إعادة ردمها وتحويلها إلى وسط زراعي ملائم لغرس شتلات البن.

في مزارع جبل بن في حراز كل شجرة في بؤرتها تظهر قصة فريدة
في مزارع جبل بن في حراز كل شجرة في بؤرتها تظهر قصة فريدة
  • موسمان للغرس… ومراعاة دقيقة للمناخ

تُغرس شتلات البن في موسمين رئيسيين هما مارس ويوليو، وهما الأكثر ملاءمة من حيث درجات الحرارة وتوفر الرطوبة الناتجة عن الأمطار الموسمية، ما يرفع من فرص نجاح الشتلات واستقرارها.

في مزارع جبل بن في حراز لتوقيت غرس أشجار القهوة دور أساسي تتم مراعاته بعناية فائقة .. لا مجال للمغامرة
في مزارع جبل بن في حراز لتوقيت غرس أشجار القهوة دور أساسي تتم مراعاته بعناية فائقة .. لا مجال للمغامرة
  • عناية سنوية مستمرة

تتطلب زراعة البن في حراز متابعة دقيقة على مدار العام. تُجرى عمليات حراثة منتظمة لمواجهة تصلب التربة، ويُعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار مع ري تكميلي مدروس عند الحاجة. كما يُطبق برنامج تسميد متوازن يهدف إلى تقوية الجذور، وتحفيز النمو الصحي، وتحسين جودة الثمار على المدى الطويل.

في مزارع جبل بن في حراز العناية بأشجار القهوة عملية متواصلة طوال العام تتم بشكل يدوي وعناية احترافية دقيقة
في مزارع جبل بن في حراز العناية بأشجار القهوة عملية متواصلة طوال العام تتم بشكل يدوي وعناية احترافية دقيقة
  • الارتفاع… العامل غير المرئي للجودة

تقع مزارع جبل بن على ارتفاعات تتجاوز 2600 متر فوق سطح البحر، حيث تلعب البيئة دورًا محوريًا في تشكيل جودة البن. الفوارق الحرارية اليومية ودرجات الحرارة المعتدلة تُبطئ من نضج الثمار، ما ينعكس مباشرة على كثافة الحبة وتعقيد النكهات في الكوب النهائي.

تقع مزارع جبل في أعالي قمم جبال حراز .. الارتفاع أحد أهم أسباب الجودة والتميز
تقع مزارع جبل في أعالي قمم جبال حراز .. الارتفاع أحد أهم أسباب الجودة والتميز

صبر حتى الإنتاج

لا تصل شجرة البن إلى ذروة إنتاجها الاقتصادي إلا بعد نحو ست سنوات. في جبل بن، يُنظر إلى الشجرة باعتبارها استثمارًا طويل الأمد، لا مشروعًا سريع العائد، وهو ما يرسّخ مفهوم الزراعة المستدامة ويضمن استقرار الجودة عامًا بعد عام.

في مزارع جبل بن في حراز .. الصبر والعمل المتواصل عاملان حاسمان لا يمكن الاستغناء عنهما
في مزارع جبل بن في حراز .. الصبر والعمل المتواصل عاملان حاسمان لا يمكن الاستغناء عنهما
  • من الإزهار إلى الحصاد

يبدأ الإزهار عادة في شهر مارس، وتستغرق الثمرة ما بين ستة إلى سبعة أشهر حتى تنضج بالكامل. ويبدأ موسم الحصاد في أكتوبر، حيث يُعتمد القطف الانتقائي اليدوي، ولا تُجمع إلا الحبوب الحمراء مكتملة النضوج، لضمان تعبير صادق عن خصائص الأرض والارتفاع والمناخ.

في مزارع جبل بن في حراز .. بين موعد إزهار الشجرة ونضج الثمرة هناك رحلة شاقة وممتعة في ذات الوقت
في مزارع جبل بن في حراز .. بين موعد إزهار الشجرة ونضج الثمرة هناك رحلة شاقة وممتعة في ذات الوقت
  • أخلاقيات زراعية قبل أن تكون تقنية

تعتمد مزارع جبل بن على الزراعة اليدوية التقليدية، واحترام دورة الطبيعة، وعدم استعجال النمو أو إنهاك الأشجار.

هنا، لا تُقاس الجودة بسرعة الإنتاج، بل بالصبر، وبالقدرة على بناء علاقة طويلة الأمد مع الأرض.

في المرتفعات اليمنية، لا يُزرع البن ليُحصد سريعًا… بل ليبقى.

في مزارع جبل بن في حراز .. هناك اعتماد كامل على العمل اليدوي
في مزارع جبل بن في حراز .. هناك اعتماد كامل على العمل اليدوي

من الجذور إلى القماش: رحلة إيلاف مصطفى الفنية عبر تراث القهوة اليمنية

دبي  – علي الزكري

في عوالم صنعاء وحراز الساحرة، تتكشف حياة إيلاف مصطفى بين طبقات تربة اليمن الغنية. باعتبارها متذوقة للغة والأدب والفن والقهوة، شرعت إيلاف في السير على طريق أكاديمي في الترجمة واللسانيات، ووجدت نفسها تسترشد بالقوى المتشابكة للفن واللغة نحو عالم القهوة.

علاقتها بالقهوة ليست علاقة حديثة. إنها متجذرة بعمق في تاريخ عائلتها في زراعة وتجارة البن.

إن رحلة إيلاف، المتفرعة إلى مسارات متنوعة، هي شهادة على المرونة المتأصلة في تجارب ماضيها. سواء كانت تواجه تحديات الكتب أو الفن أو احتضان القهوة المريح، فإنها، مثل أسلافها، تضع خططًا بديلة للتنقل في موجات الحياة المتغيرة باستمرار. وهناك صنعاء، المدينة الآسرة التي، على الرغم من الشدائد، لا تفشل أبدًا في إلهام القدرة على الصمود.

في هذه المقابلة، تأخذنا إيلاف مصطفى برحلة في حياتها الرائعة، فتكشف أسرار التقاطع بين مساعيها الأكاديمية والتراث العائلي في زراعة القهوة، والأثر العميق للتاريخ على رحلتها كفنانة. من أول لقاءاتها مع الكلمة المكتوبة إلى الإلهام اللامحدود المستمد من تراث القهوة لعائلتها، ترسم إيلاف صورة حية لتطورها كفنانة، وتكشف عن العلاقة التكافلية بين الفرشاة وشجرة القهوة.

تابعوا معنا في هذا الحوار رحلة إيلاف مصطفى وتعرفوا إلى رواية إيلاف الفنية، حيث تعكس كل ضربة على القماش حكايات أسلافها وروح القهوة اليمنية الدائمة.

من هي إيلاف مصطفى؟

عشت حياتي ما بين أرضيّ صنعاء وحراز، ولهما في روحي حيزٌ شاسع، احببت كل ما يتعلق باللغة والأدب، والفن والقهوة، ورغمًا عن الرسم الذي رافقني على مدى سنوات حياتي حتى اللحظة، الا أني وبعيدًا عنه تخصصت أكاديميًا بالترجمة وعلم اللُغات، واليوم أرى أن كلًا من الفن واللغة قاداني لطريق القهوة.

في الواقع لا يُعد انتمائي للقهوة بشيء حديث، فلدى عائلتي تاريخ وثيق بزراعة وتجارة البُن، حيث نمتلك العديد من المزارع في مسقط رأسنا حراز، ومنها مزارع حوت ومازالت إلى يومنا هذا أشجار بُن عاشت عقدًا من الزمن، وتناقلت عبرها قصص الأجداد ومعرفة وهوية عريقة.

بالنسبة لي وما بين اليوم والماضي أرى اني قد أصبحت مُتفرعة جدًا، ولكن الجدير بالذكر ان ما عشته انا وكل جيلي في الفترات السابقة، قد صقلنا بمدى لم يكن ليكفيه عمرً واحد، فتعلمنا فعلًا كيف نقدر الحياة، وبشكل او بأخر في كل مرة يسود المحيط لابد من وضع خطة بديله للتجاوز، فمرة بفعل كتاب ومرة بفعل الفن ومرات بفعل القهوة، ولكن بالطبع لا ننسى صنعاء، المدينة الساحرة الذي لم تجعلنا نقع مرة الا وننهض مهما حُفر لنا.

كيف بدأت رحلتك مع القهوة وكيف تأثرت بتاريخ وتراث عائلتك في زراعة البُن؟

كان لدى والدي مكتبة احتوت الكثير من كتب التاريخ ومنها الذي تتحدث عن الحضارات القديمة والمعاصرة. بفضل حثه المستمر لي على المطالعة قرأت العديد منها بدايةً من عمر العاشرة، ووجدتُ أن اليمن حوت تاريخ عريق لا تكفيه المجلدات ولا آلاف الكتب، لكني ومن خلال قراءاتي وجدتُ أن القهوة خَلقتْ بُقعة ضوءٍ في هذه المسيرة وعبر محطاتٍ عديدة، ف رابطت بجانب اليمنيين عبر العصور كنافذة ونور، والجدير بالذكر أنها كانت ولا زالت تَخلُق القصص وترويها، وبدوري أنا أحبُّ القصص وجدًا.

كيف يؤثر تاريخ عائلتك وارتباطها بزراعة البُن على إلهامك كفنانة تشكيلية؟

لطالما تأثرت وجدًا بالرابط العجيب الذي خُلق بفعل اشجار البُن، وقد روت لي جدتي، حفظها الله العديد من القصص عن أهميتها لدى المجتمع، وكيفية زراعتها وطقوس قطفها آنذاك، وكيف كان يُعامل البُن كسعلة ثمينة بين الناس. فأشارت في إحدى القصص أنها عند بدء الحصاد، تذهب ووالدتها للمزارع، فتقطف بضع حبات بُن ملئ كفها، وتبادلها بأي من السلع الأخرى كامتياز وحيد يحظى به البُن فقط.

العديد من الحكايات بالطبع، كلها رسخت بداخلي حُبًا وافتخارًا بهذهِ الشجرة، ما يدفعني دومًا لعكس أثرها في اللوحات حتى يتضح ولو القليل عنها.

كيف يمكن للقهوة أن تتحول من مشروب إلى هوية وتاريخ، وكيف تسعين لنقل هذه الفكرة من خلال أعمالك الفنية؟

في الواقع لا يمكن أبدًا أن تُحصر حبات البُن في كلمة “مشروب”، فهي تفيض عن كوبها ولها ابعاد كثيره.

من ميناء المخا شهدت هذهِ الثمرة حضارات وعصور وممالك، خلقت العديد من التناقضات فشككوا وتعلقوا بها، خبأوها في جرة لعقود كأحدى أثمن الكنوز، ونرى عبر التاريخ كم قامت لأجلها حروب واُخمدت بفعلها حروبًا أخرى.

عندما نشهد اليوم كيف أن أجدادنا أفنوا أعمارهم لأحيائها رغم الصعاب التي تلوي معظمها الظهر، تتضح الصورة، ولهذا بالتحديد قمت برسم لوحتي الأخيرة بعنوان أحفاد الشمس “للحجة فاطمة” إحدى مُزارعات البُن في المحويت كإشارة صارخة لثورة البُن اليمني في كُلِّ زمان، فقد بلغت من عمرها الثمانين ولازالت مُتمسكة بحباتها، لذا أصبح لزامًا عليّ أن اُخلد حكايتها في ثنايا لوحة.

كيف يمكن للفن أن يسهم في تعزيز الوعي بأهمية البُن اليمني وتاريخه في المجتمعات المحلية والعالمية؟

مُنذ القدم وإلى اليوم يُعد الفن هو العامل الرئيسي لنقل الحضارات وحفظها.

بالنسبة لي أرى الفن بجانب تاريخ القهوة كنافذة عتيقة مُزينة بألوان القمريات اليمنية، كُلِّ مرة تنقل لي مشهدًا يجب أن يُخلد، فأراه يروي عن نفسه من خلال نافذتي لا العكس، ونرى فعلًا كيف أن أهمية هذا الشيء أصبح يفرض واقعه على المجتمعات كانت محلية أو دولية.

كيف ترين مستقبل صناعة القهوة في اليمن ودور الفن في دعمها وتسليط الضوء على إرثها؟

كانت الفترات السابقة سحيقة بالنسبة للبُن اليمني، فتراجع انتاجه بشكل كبير لشدة صعوبة الأوضاع الاقتصادية وتردي العوامل البيئية، لكننا اليوم نعيش عصرًا من النهضة وبشكل لم نشهده من قبل، كُلّ القطاعات تعمل بكامل طاقاتها للارتقاء به لمراحل تتفوق على سابقتها، بداية من الأرض ودعم المُزارعين بكل الوسائل، وحتى حمصها وتقديمها، لذا ومن محطنا اليوم، أرى مستقبلًا واعدًا ينتظر.

اما الفن فهو الرفيق المُلازم لهذه الحبات وأرضها، يُعانق جذورها بشدة ليحفظها من النسيان، ودائمًا سيرويان الحكايا سويًا.

Continue reading “من الجذور إلى القماش: رحلة إيلاف مصطفى الفنية عبر تراث القهوة اليمنية”