الهند… قوة قهوة صاعدة بصمت

بقلم د. شتيفن شفارز

كيف تعود دولة ظلّت لسنوات خلف الستار—بين سيطرة تنظيمية وصادرات ذائبة في القهوة سريعة التحضير—إلى الواجهة تحت ضغط المناخ، وتطوّر قدرات التحميص، ونضج ثقافة المقاهي.

لطالما كانت الهند من كبار منتجي القهوة عالميًا، لكنها بقيت خارج دائرة الضوء في مشهد القهوة المتخصصة. فبينما تُزرع القهوة على نطاق واسع في بيئات تُعد من الأكثر ثراءً بالتنوع الحيوي في العالم، انتهى جزء كبير من المحصول تاريخيًا في خلطات تجارية مجهولة الهوية أو في سلاسل تصنيع القهوة الفورية، ما أضعف حضورها كمنشأ ذي ملامح حسّية واضحة.

  • من نظام التجميع إلى حوافز الجودة

خلال معظم القرن العشرين، خضع تسويق القهوة في الهند لنظام تجميع مركزي تشرف عليه هيئة القهوة. كان الهدف تحقيق الاستقرار التجاري وإدارة العائدات، غير أن هذا النموذج حدّ من التمايز. فالقهوة الممتازة كانت تُسعّر ضمن متوسطات عامة، ما قلّص الحافز للاستثمار في فصل المحاصيل عالية الجودة أو تسويقها بهوية مستقلة.

مع تحرير السوق في تسعينيات القرن الماضي، تغيّرت المعادلة. أُتيح للمنتجين بيع محاصيلهم بمرونة أكبر، وأصبح الاستثمار في الانتقاء الدقيق، وضبط التخمير، وتحسين التجفيف، وفصل الميكرولوت قرارًا اقتصاديًا مجديًا. عندها فقط بدأت البيئة الزراعية المعقّدة في الهند تجد طريقها إلى الاعتراف التجاري.

قد يعجبك أيضا: عصر جديد للقهوة.. اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند

  • منتِج كبير… بصورة “بوتيكية”

تُصنَّف الهند ضمن أكبر سبع دول منتجة للقهوة في العالم، بإنتاج سنوي يتجاوز 360 ألف طن متري وفق الأرقام الرسمية الأخيرة. يتركز الإنتاج في الولايات الجنوبية، لا سيما كارناتاكا وكيرالا وتاميل نادو، مع وجود جيوب إنتاجية في سلسلة الجبال الشرقية.

السمة الأبرز للقهوة الهندية هي زراعتها تحت الظل. تُزرع الأشجار تحت غطاء كثيف من الأشجار المحلية، ما يخفف من الإجهاد الحراري، ويُبطئ نضج الثمار، ويدعم التنوع الحيوي. وفي ظل تقلبات المناخ، لم يعد الظل تفصيلًا بيئيًا فحسب، بل استراتيجية زراعية تعزز استقرار المحصول.

الهند تنتج الأرابيكا والكانيفورا (الروبستا)، وتميل الكفة نسبيًا لصالح الروبستا، وهو ما يتماشى مع أنماط الاستهلاك المحلي المعتمدة على المشروبات بالحليب، حيث يلقى القوام الثقيل والمرارة المتوازنة قبولًا أوسع.

  • ضغط المناخ ودقة المعالجة

الموسم المطري (المونسون) بات عنصرًا حاسمًا في معادلة المخاطر. فالتقلبات المناخية، والأمطار الغزيرة غير المنتظمة، تؤثر في حجم المحصول وجودته. ومع ذلك، تحوّلت البنية التحتية للتجفيف وضبط الرطوبة وإدارة التخمير إلى استثمارات استراتيجية لا ترف تقني.

اقرأ أيضا: صادرات القهوة الهندية تقترب من ملياري دولار بنهاية 2025

وتبقى القهوة “المونسونة” مثالًا على خصوصية المعالجة الهندية. فعند إدارتها بدقة، تمنح حبوبًا منخفضة الحموضة وعالية القوام تناسب بعض خلطات الإسبريسو. أما سوء الإدارة فيقود إلى نتائج أقل جودة. الفارق هنا تصنعه السيطرة التقنية.

  • استهلاك داخلي ينمو بهدوء

ارتفع استهلاك القهوة في الهند تدريجيًا خلال العقد الماضي، ليقترب من 96 ألف طن سنويًا وفق تقديرات حديثة. ورغم هذا النمو، يظل الاستهلاك الفردي منخفضًا مقارنة بالمتوسط العالمي.

المفارقة أن أي زيادة طفيفة في الاستهلاك اليومي داخل سوق يتجاوز عدد سكانه مليار نسمة قادرة على إحداث تحول كبير في الطلب. ومع أن المقاهي المتخصصة تحظى بالاهتمام الإعلامي، فإن القهوة سريعة التحضير لا تزال تمثل نحو 70% من الاستهلاك المحلي، مدفوعة بعوامل السرعة والسعر وسهولة التحضير.

  • مشهد المقاهي… طبقات متعددة

تطور سوق المقاهي في الهند على مراحل. لعبت سلاسل محلية دورًا في تعميم مفهوم المقهى كمساحة اجتماعية يومية، قبل أن تدخل العلامات العالمية عبر شراكات استراتيجية وتوسع شبكاتها في المدن الكبرى.

من الجيد أن تقرأ أيضا:الحياة الثانية لأوراق القهوة

في الوقت ذاته، نشأ تيار متخصص يقوده محمّصون مستقلون يركزون على الشفافية، وتتبع المنشأ، والتحميص الأخف، وبناء علاقة مباشرة مع المزارع. هذا التحول يعكس محاولة للاحتفاظ بقيمة أكبر داخل السوق المحلية بدل تصديرها كاملة إلى الخارج.

  • بين الصادرات والطلب المحلي

لا تزال الصادرات ركيزة أساسية للاقتصاد القهوي الهندي، مع عائدات قاربت 1.8 مليار دولار في عام مالي حديث، وأوروبا ضمن أبرز الوجهات. ومع نمو الطلب المحلي، قد تظهر منافسة على المحاصيل عالية الجودة بين السوقين الداخلي والخارجي، خاصة في سنوات الضغط المناخي.

  • هوية مزدوجة

تقف الهند اليوم عند تقاطع فريد: منتج ضخم للقهوة المزروعة تحت الظل، وفي الوقت نفسه سوق استهلاكي صاعد يعيد تشكيل ثقافته القهوية. هي دولة منشأ كبيرة، وسوق نمو واعد في آنٍ واحد.

المستقبل لن يُبنى على تقليد نماذج جاهزة، بل على ترجمة الخصوصية البيئية والثقافية إلى جودة قابلة للقياس والتسويق، مع تعزيز القدرة على التكيّف مع المناخ وتوسيع قاعدة الاستهلاك المحلي.

الهند لم تعد موردًا صامتًا في سلاسل الإمداد العالمية. إنها نظام قهوي متكامل يعيد تعريف موقعه—بهدوء، ولكن بثبات.

الكابتشينو يتصدر مشروبات القهوة المفضلة لدى سكان موسكو

موسكو – قهوة ورلد

يُفضل سكان موسكو شرب الكابتشينو أكثر من أي مشروب قهوة آخر، وفقًا لما أكده الاقتصادي وخبير الاقتصاد العالمي حاجيموراد بيلخاروييف.

وأشار بيلخاروييف إلى أن الكابتشينو يتصدر قائمة المشروبات، يليه أمريكانو وأنواع اللاتيه المختلفة. ويستهلك سكان العاصمة القهوة بنسبة أعلى بكثير مقارنة بسكان المدن الكبرى الأخرى، مثل سانت بطرسبرغ، حيث يُقدر استهلاك موسكو بنسبة تزيد عن نصف الاستهلاك في هذه المدينة. كما يؤثر التغير الموسمي على اختيار المشروبات؛ ففي فصل الشتاء يرتفع استهلاك القهوة والشاي، بينما يميل الناس في الصيف إلى المياه المعدنية والمشروبات الباردة.

وأضاف الخبير أن سوق القهوة لا يزال يشهد نموًا مستمرًا، مدفوعًا بتغير عادات المستهلكين وتوصيات الأطباء بشأن استهلاك القهوة باعتدال لدعم صحة الأوعية الدموية.

وعند الحديث عن التاريخ، أشار بيلخاروييف إلى أن الشاي كان المشروب الأكثر شيوعًا في الاتحاد السوفيتي، نظرًا للعلاقات التجارية مع الهند، بينما كان الحصول على القهوة عالية الجودة أمرًا صعبًا، وكانت تُعد سلعة نادرة.

اليوم، تغيرت الصورة تمامًا؛ فالإنتاج العالمي من القهوة يصل إلى عشرات الملايين من الأطنان سنويًا، وجزء كبير منها يُصدر إلى الأسواق الدولية. ويُقدّر حجم السوق العالمية بمئات المليارات من الدولارات، فيما يتم استهلاك مئات المليارات من أكواب القهوة سنويًا خارج المنزل. منذ بداية العقد الحالي، ارتفعت أسعار القهوة عالميًا بشكل مستمر، وهو ما انعكس على السوق الروسية التي تشهد تحولًا تدريجيًا من التركيز على الشاي إلى زيادة استهلاك القهوة.

ويربط بيلخاروييف هذا التغير بعوامل جيلية وتجارية، حيث يميل الشباب إلى اختيار القهوة عند زيارة المقاهي والمطاعم، كما يظل قطاع القهوة من أكثر القطاعات ربحية. كما ساهم انتشار آلات القهوة المنزلية في زيادة استهلاك القهوة في المنازل.

وفيما يخص الأسعار، ارتفعت أسعار مختلف أنواع القهوة في الأسواق المحلية خلال العام الماضي، كما شهدت المقاهي زيادة في الأسعار، بينما يُتوقع أن يؤدي ارتفاع إنتاج روبوستا عالميًا إلى توازن الأسعار نسبيًا. ومع ذلك، يرى الخبير أن فترة القهوة الرخيصة قد انتهت بالفعل.

أسعار القهوة في روسيا تواصل الارتفاع.. كم أصبح ثمن الفنجان الآن؟

الأسعار تواصل الصعود في المتاجر والمقاهي وسط توقعات باستمرار الضغوط خلال 2026

موسكو – قهوة ورلد

شهد سوق القهوة في روسيا خلال عام 2025 ارتفاعًا حادًا في الأسعار أصبح ملموسًا بوضوح لدى المستهلكين، سواء في المتاجر أو المقاهي. ومع دخول عام 2026، تواصل أسعار القهوة سريعة التحضير وقهوة الحبوب تسجيل مستويات مرتفعة، ما يعزز المخاوف من تحول القهوة إلى سلعة ذات عبء متزايد على ميزانيات الأسر.

  • زيادات متواصلة خلال ثلاث سنوات

خلال السنوات الثلاث الماضية، اتجهت أسعار القهوة في روسيا نحو الصعود المستمر. ووفقًا لبيانات هيئة الإحصاء الروسية (روستات)، بلغ متوسط سعر الكيلوغرام من القهوة سريعة التحضير في يناير 2022 نحو 2638 روبل. وبنهاية العام نفسه ارتفع السعر بنسبة تقارب 25%. ورغم تسجيل تراجع محدود في عام 2023، إلا أن هذا الانخفاض لم يستمر طويلًا.

اعتبارًا من يناير 2024، عادت الأسعار إلى الارتفاع، لتصل في ديسمبر إلى 3500 روبل للكيلوغرام، قبل أن تسجل مستوى قياسيًا جديدًا في نوفمبر 2025 بلغ 4152 روبل. وبذلك تكون القهوة سريعة التحضير قد ارتفعت بنحو 60% خلال ثلاث سنوات.

أما قهوة الحبوب، فقد شهدت وتيرة ارتفاع أكثر هدوءًا، لكنها كانت شبه مستمرة. ففي يناير 2022 بلغ سعر الكيلوغرام 1136 روبل، وارتفع إلى 1490 روبل بنهاية العام نفسه. وخلال عام 2023 ظلت الأسعار مستقرة نسبيًا، قبل أن تبدأ موجة صعود جديدة في 2024، وصولًا إلى 2061 روبل للكيلوغرام في نوفمبر 2025، أي بزيادة تقارب 80% خلال ثلاث سنوات.

ويشير خبراء إلى أن البيانات الرسمية تعكس متوسطات عامة قد لا تعبر بالكامل عن التجربة الفعلية للمستهلك، الذي يشعر بحدة الارتفاع بشكل أكبر عند الشراء اليومي.

  • عوامل وراء ارتفاع الأسعار

في مطلع عام 2025، توقعت التقديرات أن ترتفع أسعار القهوة بنسبة تتراوح بين 30 و40%، إلا أن التطورات الفعلية جاءت أكثر حدة في بعض الفئات.

وبحسب مختصين في القطاع، فإن أسعار العديد من العلامات التجارية من القهوة المطحونة وقهوة الحبوب في متاجر التجزئة ارتفعت خلال العامين إلى الثلاثة أعوام الماضية بنسبة تراوحت بين 50 و100%، مقارنة بمستويات عام 2021.

ويُعزى هذا الارتفاع إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، وارتفاع الأسعار العالمية للمواد الخام، إضافة إلى تقلبات سعر صرف الروبل. كما ساهمت زيادة تكاليف المدفوعات الدولية والخدمات اللوجستية، إلى جانب ارتفاع أسعار مواد التعبئة والتغليف، في رفع التكلفة النهائية قبل مرحلة التحميص.

  • المقاهي بين الضغط والتوازن

انعكس ارتفاع أسعار المواد الخام أيضًا على قطاع المقاهي، حيث شهدت أسعار المشروبات القائمة على القهوة زيادات ملحوظة خلال عام 2025. وتشير تقديرات السوق إلى أن متوسط الزيادة في قطاع التجزئة والمطاعم تراوح بين 15 و30% على أساس سنوي، فيما سجلت بعض الفئات، خاصة القهوة المصنوعة من أرابيكا 100% والقهوة المختصة، زيادات وصلت إلى 35–45%.

وفي كثير من الحالات، لم يتم تمرير هذه الزيادات دفعة واحدة، بل عبر مراحل متتالية بزيادات صغيرة نسبيًا على مدار العام.

وفي المقابل، يؤكد عاملون في القطاع أن هوامش الربح لا تزال محدودة، إذ تمثل تكلفة القهوة نفسها جزءًا صغيرًا من سعر الكوب، بينما تشكل بقية التكاليف عناصر التشغيل الأساسية مثل الأجور والإيجارات والضرائب.

  • آفاق الأسعار في 2026

يبقى التنبؤ باتجاه أسعار القهوة خلال عام 2026 أمرًا معقدًا، نظرًا لاعتمادها على عوامل خارجية متعددة، من الظروف المناخية في الدول المنتجة إلى تطورات أسعار الصرف وسلاسل الإمداد. كما قد يشكل أي تعديل ضريبي محتمل عامل ضغط إضافيًا على الأسعار.

وتشير التوقعات الحالية إلى أن الارتفاع قد يستمر ولكن بوتيرة أكثر حذرًا، مع زيادات محتملة تتراوح بين 8 و15% في حال استقرار الأوضاع المالية واللوجستية. أما في حال حدوث تقلبات جديدة في العملة أو الأسواق العالمية، فقد تكون الزيادات أعلى من ذلك، خاصة في فئات القهوة الأعلى جودة.

ورغم هذا المشهد، لا يزال الطلب على القهوة في روسيا مرتفعًا، إذ تُظهر سلوكيات المستهلكين تمسكًا واضحًا بالمنتج، ما يحد من فرص حدوث تراجع كبير في الأسعار على المدى القريب.

  • مرحلة جديدة لسوق القهوة

يتفق الخبراء على أن سوق القهوة في روسيا يدخل مرحلة مختلفة عما كان عليه في السابق. فمرحلة الارتفاعات الصادمة قد تكون تراجعت حدتها، إلا أن العودة إلى مستويات الأسعار المنخفضة تبدو غير مرجحة في المستقبل القريب.

وتشير التقديرات إلى أن السوق يتجه نحو حالة من الاستقرار النسبي عند مستويات سعرية أعلى، حيث ستظل الأسعار مرتبطة بتوازن دقيق بين تكاليف الاستيراد، والمنافسة داخل السوق، وقدرة المستهلك على تقبل المزيد من الزيادات.

لماذا يبرز الشرق الأوسط كقوة مؤثرة في صناعة القهوة العالمية

بقلم: شوق بن رضا

مديرة المعارض – عالم القهوة 2026

  • تحوّل لم يعد بالإمكان تجاهله

ليست صناعة القهوة العالمية غريبة عن التوقعات الواثقة. فكل بضع سنوات، تُتوَّج منطقة جديدة بوصفها «سوق النمو القادم»، ثم لا تلبث أن تبلغ مرحلة من التباطؤ حين تبدأ القيود الهيكلية بالظهور—سواء كانت حدود الدخل، أو الجمود الديموغرافي، أو فجوات البنية التحتية، أو ثقافات استهلاكية تتغير بوتيرة أبطأ من المتوقع.

غير أن التحول الذي يشهده الشرق الأوسط اليوم لا يُعد حلقة جديدة من المبالغة. بل هو تحوّل جذري في مصدر التأثير العالمي. وإذا استمرت الصناعة في النظر إلى المنطقة على أنها مجرد سوق ناشئة، فإنها ستسيء تقدير حجم وعمق ما يحدث بالفعل.

فالشرق الأوسط لا يستهلك القهوة بوتيرة أعلى فحسب، بل يعيد تشكيل الشروط التي تُنتَج وتُتداوَل وتُقيَّم القهوة من خلالها. وما لم تُعد الصناعة ضبط افتراضاتها، فإنها ستُقلّل من شأن منطقة تبدو، في نواحٍ عدة، أكثر استعدادًا لتوجيه مسار القهوة العالمية خلال العقد المقبل مقارنة بأسواق طالما تصدرت المشهد.

  • جيل جديد ومنطق سوق مختلف

الجانب الأكثر سوء فهمًا في هذا التحول هو البعد الديموغرافي. فكثيرًا ما يُستشهد بفتوّة سكان المنطقة كرقم لافت، دون التعمق في دلالاته. فوجود شريحة شبابية واسعة لا يخلق تلقائيًا سوق قهوة عالية القيمة؛ ما يخلق ذلك هو جيل شاب يمتلك القدرة، والطموح، والانفتاح على العالم.

في دول الخليج—حيث تقل أعمار أكثر من 60% من السكان عن 35 عامًا—وكذلك في أجزاء متزايدة من شمال إفريقيا، يتجلى هذا الواقع بوضوح. فقد نشأ جيل يتمتع بثقافة عالمية، ويتعامل مع القهوة باعتبارها امتدادًا للذوق والهوية والتعبير الذاتي، أقرب إلى عالم الأزياء أو الموسيقى أو التصميم منها إلى مجرد مشروب صباحي. إنهم لا يرثون ثقافة قهوة قائمة؛ بل يصنعون ثقافتهم الخاصة، وبقيود أقل بكثير مما واجهته الأسواق السابقة.

استغرقت معظم أسواق القهوة الغربية عقودًا لتنتقل من مفهوم السلعة إلى القهوة المختصة. أما الشرق الأوسط، فقد قفز هذه المراحل. انتقل من القهوة الفورية إلى القهوة أحادية المصدر وطرق التحضير المتخصصة في ما يبدو وكأنه جيل واحد فقط. هذا الضغط الزمني مهم؛ إذ إن سلوكيات استغرق تطورها عشرين عامًا في مناطق أخرى، تجسدت هنا في فترة قصيرة للغاية.

في المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، يُستهلك أكثر من 36 مليون كوب قهوة يوميًا، ويوجد أكثر من 61 ألف مقهى مرخّص—أرقام استثنائية في أي سياق. وفي دولة الإمارات، يُنفق أكثر من 90% من إجمالي استهلاك القهوة خارج المنازل، وهي من أعلى النسب عالميًا. أما مصر، فقد ضاعفت تقريبًا استهلاكها السنوي من القهوة خلال خمس سنوات، من نحو 36 ألف طن إلى أكثر من 70 ألف طن، بينما سجل المغرب زيادة بنسبة 23% في واردات القهوة خلال عام 2024 وحده.

هذا المستوى الجديد من التوقعات—في الجودة، والمصدر، وأساليب المعالجة، وسلاسل القيمة الأخلاقية—يعيد تشكيل اقتصاديات الصناعة. وغالبًا ما يتحدث العاملون في قطاع القهوة عن «الترقية النوعية» بوصفها مسارًا تدريجيًا ينتقل من المقاهي المتخصصة إلى السوق الأوسع. في الشرق الأوسط، لم تكن الترقية تدريجية؛ بل حضرت مكتملة.

  • حين يتصاعد الطلب والقدرة معًا

الاستعداد لدفع قيمة أعلى مقابل الجودة ليس سلوكًا هامشيًا في المنطقة، بل هو جزء أساسي من طريقة تفكير المستهلك الحضري الشاب تجاه ثقافة الطعام والشراب عمومًا. وتبرز القهوة بوضوح لأنها الفئة الأسرع تطورًا.

ومن هنا يبدأ التأثير. فعندما تصبح التوقعات العالية معيارًا واسع النطاق، يلتفت الموردون العالميون. ويصف منتجون من شرق إفريقيا وأمريكا الوسطى وجنوب شرق آسيا المنطقة اليوم كسوق استراتيجية، لا كسوق ثانوية. بل إن كثيرين باتوا يطوّرون أنماط تخمير ومعالجات وخصائص نكهة مخصصة تحديدًا لمشترين في الرياض ودبي والكويت.

من غير المعتاد أن تُولِّد منطقة ناشئة هذا القدر من الجذب في مرحلة مبكرة من تطورها، لكن هذا ما يحدث الآن—وبوتيرة متسارعة.

أما العامل الثاني في صعود أهمية المنطقة، فيتمثل في التماسك الاقتصادي. فالنمو الاستهلاكي يحدث بالتوازي عبر طبقات متعددة من سلسلة القيمة: المقاهي، والتحضير المنزلي، والتجزئة المتخصصة، وقدرات التحميص، وتجارة البن الأخضر، والبنية اللوجستية، إلى جانب الكوادر المهنية اللازمة لدعم هذا النظام.

نادراً ما تشهد أسواق القهوة العالمية تسارع الطلب والقدرة في آنٍ واحد. ففي كثير من الحالات، يسبق الاستهلاك نضج سلاسل الإمداد، أو العكس. أما في الشرق الأوسط، فكلاهما ينمو معًا.

ولهذا السبب، سيتجاوز تأثير المنطقة حدودها الجغرافية. فعندما يصبح السوق مستهلكًا عالي القيمة ومشاركًا فاعلًا في التوريد والتحميص والتجارة، فإنه لا يحقق العوائد فحسب، بل يحدد الاتجاهات. يصبح مكانًا تُبنى فيه السمعة، وتُعقد فيه الشراكات، وتُختبر فيه المعايير الجديدة.

وتُعزز الجغرافيا هذا الدور. فالشرق الأوسط يقع عند تقاطع متزايد الأهمية بين دول الإنتاج ودول الاستهلاك. وبالنسبة لمنتجي شرق إفريقيا، تُعد دول مجلس التعاون أقرب وأكثر سهولة، وغالبًا أكثر موثوقية تجاريًا من الأسواق الأوروبية. أما منتجو آسيا، فتتميز مسارات الإمداد إلى المنطقة بالكفاءة والاستقرار.

ويمر جزء كبير من القهوة المتجهة إلى شمال إفريقيا وجنوب آسيا عبر الخليج، مع لعب دبي دورًا محوريًا كمركز لإعادة التصدير. وخلال السنوات الأخيرة، تجاوزت قيمة إعادة تصدير القهوة في دبي 3.5 مليارات درهم تراكميًا، فيما شهد عام 2024 وحده زيادة بنسبة 20% في إعادة تصدير البن الأخضر، مع ترسيخ الإمارات لمكانتها كمركز عالمي للخدمات اللوجستية والتوزيع.

وعندما تتحول منطقة ما إلى ممر—جسر لا مجرد محطة نهائية—فإنها تكتسب بطبيعتها دورًا أكبر في تشكيل أنماط التجارة العالمية. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم. وقد لا تنعكس هذه التحولات بعد في التقارير الاقتصادية الكلية، لكنها واضحة في السلوكيات، والسلوك غالبًا ما يسبق البيانات.

  • ثقافة مهيأة لإعادة الابتكار

أما السبب الأخير الذي يجعل الشرق الأوسط مؤهلًا لقيادة عقد النمو المقبل في صناعة القهوة، فلا يرتبط بالاقتصاد بقدر ما يرتبط بالثقافة. فعلى عكس الأسواق الأقدم، حيث ترسخت تقاليد القهوة وأصبحت أقل مرونة، يتميز الشرق الأوسط بسيولة ثقافية لافتة، تتعايش فيها الأصالة والابتكار بانسجام.

يمكن لطقوس الجبنة اليمنية أن تتجاور بسهولة مع قهوة جيشا مُعالجة بالتخمير الكربوني. تتغير أنماط المقاهي بسرعة، ويجرب رواد الأعمال بلا تردد. هذه المرونة—النادرة في جغرافيات القهوة الناضجة—تخلق بيئة مثالية لإعادة الابتكار.

بحلول عام 2030، قد ينظر القطاع العالمي إلى هذه المرحلة بوصفها نقطة تحوّل: اللحظة التي بدأ فيها مركز التأثير بالانتقال فعليًا نحو منطقة طالما نُظر إليها من خلال افتراضات قديمة. لا يحتاج الشرق الأوسط إلى مصادقة من الأسواق التقليدية ليؤثر في صناعة القهوة العالمية؛ فهو يفعل ذلك بالفعل—من خلال تطلعات مستهلكيه، وثقة رواد أعماله، وتطور سلاسل إمداده، واهتمام المنتجين الذين يدركون أين يكمن المستقبل.

قصة القهوة العالمية ليست ثابتة.

إنها تتحول.

وهذا التحول يحدث هنا.

 

شينخوا: القهوة تتحول من مناسبة اجتماعية إلى عادة يومية في الأردن

عمان – قهوة ورلد

نشرت وكالة أنباء الصين الجديدة شينخوا تقريرًا سلطت فيه الضوء على التحولات المتسارعة في نمط استهلاك القهوة في الأردن، حيث لم تعد القهوة حكرًا على المناسبات الاجتماعية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، خاصة في المدن الكبرى وعلى رأسها العاصمة عمّان.

وأوضح التقرير أن وتيرة التحضر وتغير أنماط الحياة أسهما في تصاعد ثقافة المقاهي وانتشار القهوة المختصة، ما يعكس تحولًا أوسع في السلوك الاجتماعي والاقتصادي للأردنيين.

ونقل التقرير عن أمين العسوفي، رئيس دائرة الدراسات الاقتصادية والبحوث في غرفة صناعة عمّان، قوله إن القهوة في الأردن انتقلت من كونها رمزًا للضيافة في المناسبات إلى سلعة استهلاكية يومية، مشيرًا إلى أن الطلب شهد نموًا ملحوظًا، لا سيما في العاصمة، بفعل الكثافة السكانية وتغير أنماط العمل والحياة.

ووفقًا لبيانات الغرفة، استورد الأردن أكثر من 55.6 ألف طن من القهوة خلال عام 2024، بقيمة بلغت 151.2 مليون دينار أردني، فيما يصل متوسط استهلاك الفرد سنويًا إلى نحو خمسة كيلوغرامات، ما يعكس طلبًا مستقرًا ومتزايدًا.

وأشار التقرير إلى أن عدد المقاهي العاملة في المملكة تجاوز 1664 مقهى، مسجلًا زيادة بنسبة 9.6 في المئة مقارنة بعام 2023، مع تحوّل هذه المقاهي إلى مساحات متعددة الاستخدامات، تشمل اللقاءات الاجتماعية والاجتماعات غير الرسمية وأماكن للدراسة والعمل.

وفي هذا السياق، نقلت شينخوا عن محمد عودة، صاحب مقهى قهوة مختصة في غرب عمّان، قوله إن القهوة باتت مشروعًا مستقرًا نسبيًا، إذ يواصل الناس استهلاكها بغض النظر عن الأوضاع الاقتصادية، مضيفًا أن المستهلك قد يقلل نفقاته في مجالات أخرى، لكن القهوة تبقى جزءًا ثابتًا من روتينه اليومي.

من جانبها، ربطت عالمة الاجتماع فادية إبراهيم هذا التحول بتغير السلوك الاجتماعي، موضحة أن القهوة العربية التقليدية ما زالت تحتفظ بمكانتها كرمز للكرم والاحترام والتماسك الاجتماعي، خاصة في المناسبات الكبرى مثل الأعراس والعزاء وجلسات الصلح، في حين تستقطب المقاهي الحديثة الأجيال الشابة الباحثة عن مساحات مرنة وتجارب متنوعة.

وأشار التقرير إلى أن وسط عمّان لا يزال يحتضن مقاهي القهوة التركية التقليدية إلى جانب المقاهي الحديثة، في مشهد يعكس التعايش بين الموروث الثقافي وأنماط الحياة المعاصرة. ونقلت شينخوا عن سيف عبد المنعم، مالك مقهى “سنترال كافيه” الذي يعود تأسيسه إلى ثلاثينيات القرن الماضي، قوله إن المقاهي التقليدية تأثرت بانتشار المفاهيم الحديثة، لكنها لا تزال تحافظ على جمهورها الباحث عن الأصالة والأجواء الاجتماعية المألوفة.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن جوهر القهوة لدى الأردنيين يتجاوز شكلها أو مكان تقديمها، إذ تبقى رمزًا للتواصل الاجتماعي. ونقل عن المواطن أحمد خليل، البالغ من العمر 42 عامًا، قوله إن القهوة هي أول ما يُقدَّم للضيوف في جميع المناسبات، معتبرًا أنها تعبير عن الاحترام وحسن الضيافة قبل أن تكون مجرد مشروب.

توقعات وآفاق الطلب على القهوة منزوعة الكافيين في الولايات المتحدة

دبي – قهوة ورلد

قدَّر الطلب على القهوة منزوعة الكافيين في الولايات المتحدة بنحو 8.3 ملايين دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 16.0 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2035، مسجّلًا معدل نمو سنوي مركب قدره 6.8 في المئة خلال الفترة المذكورة.

يأتي هذا النمو مدفوعًا بتزايد عدد المستهلكين الذين يسعون إلى تقليل استهلاك الكافيين لأسباب تتعلق بالقلق واضطرابات النوم وتغير أنماط الحياة. وتعمل شركات تحميص القهوة على توسيع عروض القهوة منزوعة الكافيين من خلال اعتماد تقنيات معالجة متقدمة تساعد على الحفاظ على المركبات العطرية وتقليل المرارة.

وتتصدر القهوة العضوية منزوعة الكافيين فئات الطلب، مدعومة بتوجهات الاستهلاك الصحي وتوقعات المستهلكين المتعلقة بالملصقات النظيفة وشفافية المكونات. كما يركز المنتجون على طرق نزع الكافيين الخالية من المذيبات الكيميائية، بما في ذلك المعالجة بالماء وثاني أكسيد الكربون.

التوزيع الجغرافي للطلب

يتركز أعلى مستوى للطلب في الولايات الغربية والجنوبية والشمالية الشرقية. وتتميز هذه المناطق بانتشار واسع للمقاهي المتخصصة وارتفاع نسبة المستهلكين الذين يفضلون القهوة الحرفية والحبوب الكاملة وأصناف المنشأ الواحد.

وتشمل قنوات التوزيع:

  • تجارة التجزئة الغذائية،

  • الاشتراكات عبر التجارة الإلكترونية،

  • التوريد المباشر من المحامص.

كما يشهد قطاع خدمات الطعام توسعًا في تقديم مشروبات منزوعة الكافيين، بهدف تلبية احتياجات المستهلكين ذوي الحساسية تجاه الكافيين.

مؤشرات رئيسية للطلب

  • قيمة الطلب في عام 2025: 8.3 ملايين دولار أمريكي

  • القيمة المتوقعة في عام 2035: 16.0 مليون دولار أمريكي

  • معدل النمو السنوي المركب: 6.8 في المئة

  • الفئة الرائدة: القهوة العضوية منزوعة الكافيين

  • المناطق الرئيسية للنمو: الولايات الغربية والجنوبية والشمالية الشرقية

هيكل الطلب حسب الفئة

حسب طبيعة المنتج

تشكل القهوة العضوية منزوعة الكافيين نحو 65.0 في المئة من إجمالي الطلب، مدفوعة بالثقة في طرق المعالجة الخالية من المواد الكيميائية وتفضيلات الاستدامة. في المقابل، تمثل القهوة التقليدية منزوعة الكافيين 35.0 في المئة من الطلب، مدعومة بعوامل السعر والتوافر الواسع في منافذ البيع الكبرى وقطاع الضيافة.

حسب درجة التحميص

  • التحميص العادي: 35.0 في المئة

  • التحميص الداكن: 30.0 في المئة

  • أنماط تحميص أخرى: 20.0 في المئة

  • التحميص المتوسط: 15.0 في المئة

ويُعزى نمو التحميص الداكن إلى سعي المستهلكين لتعويض أي فقد محتمل في النكهة نتيجة عمليات نزع الكافيين.

عوامل النمو والتحديات

عوامل النمو تشمل:

  • تزايد الوعي الصحي،

  • توسع ثقافة المقاهي المتخصصة،

  • الطلب على مشروبات مناسبة للاستهلاك المسائي،

  • انتشار المنتجات الجاهزة للاستهلاك.

أما التحديات فتتمثل في:

  • التصورات السائدة حول ضعف النكهة مقارنة بالقهوة المحتوية على الكافيين،

  • محدودية المعرفة العامة بأساليب نزع الكافيين الحديثة،

  • المنافسة من المشروبات البديلة مثل الشاي.

الآفاق الإقليمية للنمو

تُظهر الولايات الغربية أعلى معدل نمو سنوي متوقع بنسبة 7.9 في المئة، تليها الولايات الجنوبية بنسبة 7.0 في المئة، ثم الولايات الشمالية الشرقية بنسبة 6.3 في المئة، في حين تسجل الولايات الوسطى الغربية معدل نمو يبلغ 5.5 في المئة.

المشهد التنافسي

يتسم سوق القهوة منزوعة الكافيين في الولايات المتحدة باستقرار الاستهلاك عبر قنوات التجزئة والمبيعات المباشرة للمستهلكين. ويركز المشترون على جودة النكهة، ووضوح مصدر الحبوب، وشفافية عمليات نزع الكافيين. وتعمل الشركات الرائدة على تعزيز مواقعها من خلال تقديم منتجات منخفضة الحموضة، وأساليب معالجة طبيعية، وخيارات متخصصة تلبي احتياجات المستهلكين الحساسين للكافيين.