القهوة كوجهة: وضع أصول إثيوبيا في سياق السياحة التجريبية

حوار مع موسى كدير، الرئيس التنفيذي لتطوير الجذب والمنتجات السياحية، وزارة السياحة – إثيوبيا  

أديس أبابا – قهوة وورلد و بونا كورس

لطالما كانت القهوة المنتج الإثيوبي الأكثر وضوحاً في التصدير العالمي، إلا أن إمكاناتها كتجربة سياحية ما تزال غير مستغلة إلى حد كبير. ففي حين نجحت العديد من الدول المنتجة للقهوة في تحويل المزارع ومواقع المعالجة وطقوس التذوق وثقافة المقاهي إلى رحلات غامرة للزوار، غالباً ما قلَّلت دول المنشأ نفسها من استخدام هذا البُعد التجريبي.

تمتلك إثيوبيا، موطن قهوة الأرابيكا، ميزة نادرة. فالقهوة هنا ليست مجرد منتج زراعي، بل هي ثقافة حية منسوجة في الحياة اليومية والطقوس الاجتماعية والمناظر الطبيعية والهوية. يمثل تحويل هذا العمق إلى تجارب سياحية منظمة ومستدامة إحدى أكثر الجبهات الواعدة لتطوير الوجهات.

خلال رحلة أصول القهوة الثانية (COT 2) التي نظمتها شركة كيرشانشي، التقت مجموعة متنوعة من المشترين الدوليين، ومحمّصي القهوة، ورواة القصص عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمسؤولين التنفيذيين في مجال السياحة، وقادة القطاع، ليختبروا مشهد القهوة الإثيوبي بشكل مباشر. وكجزء من هذه الرحلة، جلست “قهوة وورلد” و”بونا كورس” مع الرئيس التنفيذي لتطوير الجذب والمنتجات السياحية بوزارة السياحة في إثيوبيا لمناقشة كيفية توافق سياحة القهوة مع الأجندة السياحية الوطنية وما يلزم للارتقاء بالقهوة إلى منتج سياحي قادر على المنافسة عالمياً.

قهوة × بونا: كيف تضع الوزارة القهوة حالياً ضمن أجندة التنمية السياحية الوطنية الأوسع، وما هي الفرص التي ترونها لإضفاء الطابع الرسمي على القهوة كمنتج سياحي منظم؟

موسى كدير: لقد اعترفت الوزارة بالفعل بالقهوة كعنصر أساسي ضمن العلامة التجارية السياحية الوطنية لإثيوبيا، وهي “أرض الأصول”، والتي تضع البلاد كمهد قهوة الأرابيكا. وينعكس هذا الاعتراف أيضاً في السياسة الوطنية المنقحة لتنمية السياحة، والتي تؤكد صراحة على تطوير منتجات سياحية متخصصة.

ضمن هذا الإطار، يُنظر إلى القهوة على أنها منتج سياحي أساسي ذو اهتمام خاص، وتجربة تكميلية يمكنها تعزيز مسارات السفر الأوسع. يوفر هذا الأساس السياساتي فرصاً قوية لإضفاء الطابع الرسمي على سياحة القهوة من خلال منتجات وباقات وتخطيط وجهات منظمة.

قهوة × بونا: من منظور تطوير الوجهات، ما الذي يمنح إثيوبيا ميزة تنافسية فريدة في سياحة القهوة مقارنة بالبلدان المنتجة الأخرى؟

موسى كدير: لا تكمن ميزة إثيوبيا في أنها منحت العالم قهوة الأرابيكا فحسب، بل في الارتباط الثقافي العميق بالقهوة نفسها. القهوة في إثيوبيا جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية.

إن طريقة الإثيوبيين في تحضير القهوة وتقديمها ومشاركتها تعكس ثقافة حية وليست تجربة مُعدّة. هذا التقارب الثقافي هو شيء لا يمكن لأي بلد آخر منتج للقهوة أن يكرره، ويوفر لإثيوبيا أساساً فريداً وأصيلاً لسياحة القهوة.

قهوة × بونا: ما هي أجزاء سلسلة قيمة القهوة التي تعتقدون أنها تحمل أقوى الإمكانات لتصميم التجربة – مستوى المزرعة، المعالجة، الثقافة، التراث، فنون الطهي، التجارة، أم مزيج منها؟

موسى كدير: يوفر مزيج من تجارب مستوى المزرعة، والمعالجة، والثقافة، والتراث، وفنون الطهي أقوى الإمكانات بشكل عام. تسمح هذه العناصر مجتمعة للزوار بفهم القهوة كرحلة كاملة بدلاً من لحظة واحدة.

ومن بين هذه العناصر، فإن مزيجاً منظماً ومخصصاً من تجارب مستوى المزرعة والمعالجة يحمل جاذبية قوية بشكل خاص بسبب تفرده وجاذبيته. تتيح هذه المراحل للزوار مشاهدة تحول القهوة بشكل مباشر، وهو أمر محوري لتجارب سياحية ذات مغزى.

قهوة × بونا: هل تعمل الوزارة على مبادئ توجيهية أو معايير أو أطر سياسات وطنية لدعم نمو تجارب سياحة القهوة مثل جولات المزارع، وجلسات التذوق، وزيارات المعالجة، أو مسارات التراث؟

موسى كدير: بناءً على الاعتراف بالقهوة كمنتج سياحي متخصص محتمل، نظمت الوزارة في السابق رحلات تعريفية تركز على القهوة لوسائل الإعلام والمجتمعات الدبلوماسية.

في الآونة الأخيرة، وإدراكاً للحاجة إلى استراتيجيات أعمق، بدأت الوزارة العمل مع شركاء مثل وكالة التعاون الدولي اليابانية (JICA) لتحديد الممرات الرئيسية لإنتاج القهوة في إثيوبيا. سيدعم هذا العمل تطوير باقات جولات قهوة منظمة بشكل جيد على المستوى الوطني.

تخطط الوزارة أيضاً لتنظيم ندوة توعية وطنية حول سياحة القهوة ستجمع أصحاب المصلحة الرئيسيين عبر سلسلة القيمة، وتعمل على إعداد مبادئ توجيهية شاملة لتطوير الوجهات والمنتجات السياحية تتماشى مع سياسة السياحة المنقحة.

قهوة × بونا: كيف تنظر الوزارة إلى دور الجهات الفاعلة الرئيسية في القطاع الخاص مثل شركة كيرشانشي في تشكيل المشهد المستقبلي لسياحة القهوة؟

موسى كدير: لدى الوزارة اعتقاد راسخ بالدور الحيوي الذي تلعبه الجهات الفاعلة في القطاع الخاص المرتبطة بصناعة القهوة.

ولهذا السبب تعاونت الوزارة في جولة القهوة الأخيرة التي نظمتها لجنة السياحة في أوروميا وشركة كيرشانشي بالاشتراك. وبالنظر إلى المستقبل، فقد حددت الوزارة أيضاً اجتماعات متتالية مع الجهات الفاعلة الرئيسية في قطاع القهوة لتسهيل العصف الذهني والمناقشات التي تركز تحديداً على تطوير القهوة لأغراض السياحة.

قهوة × بونا: ما هي أنواع التعاون المشترك بين القطاعات المطلوبة بين السياحة، والزراعة، والثقافة، والتجارة، والحكومات الإقليمية لبناء منصة موحدة لسياحة القهوة؟

موسى كدير: نظراً لأن سلسلة قيمة القهوة مشتركة بين القطاعات بطبيعتها، فمن الأهمية بمكان أن يتوصل جميع أصحاب المصلحة إلى مستوى مماثل من الفهم من أجل النجاح في وضع القهوة في سياق السياحة.

تتولى الوزارة دوراً تحفيزياً من خلال إنشاء منصات تجمع أصحاب المصلحة معاً وإرساء الأساس لتعاون قوي يمكن أن يستمر في المستقبل.

قهوة × بونا: بناءً على ما لاحظتموه في هذه الزيارة الميدانية حتى الآن، ما هي نقاط القوة أو الابتكارات أو قصص المجتمع التي تبرز كقابلة للتحويل مباشرة إلى عروض سياحية؟

موسى كدير: كشفت الزيارة أن هناك شركات نموذجية، مثل كيرشانشي، تتماشى مع الأولويات الوطنية لجعل القهوة إحدى المزايا السياحية التنافسية لإثيوبيا.

تتولى هذه الجهات الفاعلة زمام المبادرة في عرض تجارب ذات مغزى ضمن قدرتها. ومع ذلك، سلطت الزيارة الضوء أيضاً على الحاجة إلى زيادة تعزيز مشاركة المجتمع المحلي، وتحسين الجاهزية بين السلطات المحلية، وتنظيم الموارد بشكل أفضل على المستوى المحلي.

إن الفهم المشترك والتعاون بين أصحاب المصلحة ضروريان للإيجاد المستدام لثقافة وطنية قوية لسياحة القهوة.

قهوة × بونا: كيف يمكن لسياحة القهوة أن تدعم التنمية المجتمعية المحلية، والاقتصادات الإقليمية، وخلق فرص العمل عبر مقاطعات القهوة الرئيسية مثل غوجي، وسيداما، وييرغاتشيفي، وجيما، وكافا؟

موسى كدير: في الوقت الحاضر، تخدم القهوة دورها التجاري التقليدي بشكل أساسي. ومع ذلك، أظهرت الرحلات التعريفية الأخيرة – وخاصة تلك التي قادتها “قم بزيارة أوروميا” – كيف يمكن تطوير السياحة جنباً إلى جنب مع أنظمة القهوة القائمة.

يمكن لهذه المبادرات أن تساعد في خلق مزايا اقتصادية دائمة من خلال السياحة، بما في ذلك خلق فرص العمل وتنويع الدخل في مناطق إنتاج القهوة الرئيسية.

قهوة × بونا: ما هي الروايات أو الخطوط القصصية التي يجب على إثيوبيا إعطاؤها الأولوية عند وضع نفسها دولياً كمهد للقهوة ووجهة سياحية فريدة؟

موسى كدير: من الأهمية بمكان الانخراط بحزم في الاستفادة من هوية إثيوبيا كمهد للقهوة. علاوة على ذلك، يتطلب الأمر إبداعاً لتحويل ثقافة القهوة اليومية إلى تجارب سياحية جذابة.

ثقافة القهوة في إثيوبيا متجذرة بعمق ومتنوعة في جميع أنحاء البلاد. إن تفسير هذا التراث بطريقة تلقى صدى لدى المسافرين الدوليين – سواء كتجربة ذات اهتمام خاص أو كعرض تكميلي – أمر ضروري.

يجب أن تركز الروايات على ثقافات القهوة المحلية في إثيوبيا وعلى تنظيم تفسيرها في منتجات سياحية مصممة بشكل جيد.

قهوة × بونا: كيف تخطط الوزارة لضمان نمو سياحة القهوة بطريقة مستدامة بيئياً وثقافياً؟

موسى كدير: بدأت الوزارة مؤخراً فقط في هيكلة البرامج التي تضع القهوة في سياق السياحة بشكل منهجي. ولضمان الاستدامة، تعمل على إعداد خطة وطنية شاملة لتطوير وإدارة الوجهات السياحية.

ستوجه هذه الخطة التنمية السياحية عبر سلسلة القيمة بأكملها، بما في ذلك التجارب المتعلقة بالقهوة، وستضمن الاستدامة البيئية والثقافية.

قهوة × بونا: ما هو مستوى الاستثمار أو تطوير البنية التحتية المطلوب للارتقاء بمناطق مختارة لإنتاج القهوة إلى مواقع سياحية ذات معايير دولية؟

موسى كدير: يمكن الوصول إلى معظم ممرات القهوة بالفعل، ولكن مع تزايد قدرة سياحة القهوة على المنافسة، سيتطلب الأمر بنية تحتية أساسية مثل تحسين الوصول داخل المزارع، ومرافق الإقامة، والتعاون المجتمعي المنظم.

في حين أن مزارع القهوة منظمة بشكل جيد للإنتاج، هناك حاجة إلى جهد إضافي لتحويلها إلى تجارب سياحية. يمكن تحقيق ذلك على أفضل وجه من خلال التعاون بين أصحاب المزارع والمؤسسات الحكومية ومنظمات السياحة.

قهوة × بونا: ما هي الخطوات التالية الفورية التي تتصورها الوزارة بعد هذه الرحلة، وكيف يمكن لهذه الرؤى أن تشكل برامج وزارة السياحة القادمة أو الحملات الوطنية المتعلقة بالقهوة؟

موسى كدير: بدأت الوزارة بالفعل التخطيط حول سياحة القهوة والإمكانات المتخصصة المماثلة. ولضمان الاستخدام المستدام والطويل الأمد، ستركز على إعادة تصميم نماذج الباقات السياحية التي تدمج القهوة كتجربة ذات اهتمام خاص وكعرض سياحي تكميلي.

ستغذي هذه الرؤى بشكل مباشر برامج الوزارة القادمة والحملات السياحية الوطنية.

محمصة ساوث.. حيث تُحمَص الأحلام على نار الشغف

الشارقة – علي الزكري

على طريق مليحة في الشارقة، حيث تلتقي روح الأصالة بطموح المستقبل، وحيث تتراقص حبات الرمل الذهبية مع أحلام العصر الجديد، تقف “محمصة ساوث” كأيقونة حقيقية في سماء القهوة المختصة. لم تكن وجهتي إليها مجرد زيارة صحفية روتينية، بل كانت رحلة استكشاف، محطة للقاء عميق مع رائد المشهد، السيد أحمد الزعابي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي، الذي استقبلنا بابتسامته الهادئة وفنجان قهوته الساخن، ليفتح لنا نافذة واسعة على عالم من الشغف والحرفية، عالم ولد من تمازج فريد بين الإدارة الإماراتية والسعودية في عام 2022.

  • مجلس القهوة.. حيث يذوب الزمن في الفنجان

في صالة استقبال صُممت بعناية المهندس المعماري وذائقة الفنان، لا لتكون مقهى صاخباً يعج بالزوار، بل مساحة حميمية للعمل والتبادل الفكري، حيث يتلاشى “عجل” الحياة اليومية خلف دفء الفنجان ورائحة القهوة المحمّصة الطازجة، عقدنا جلسة قهوة مطولة.

كانت الجلسة أشبه بـ”مجلس قهوة” خاص، من تلك المجالس التي تُعقد في الصحراء تحت سماء مرصّعة بالنجوم، اتسمت بالود والشفافية والضحكات العفوية. ناقشنا خلالها نبض قطاع تتجاوز قيمته السوقية العالمية الـ 130 مليار دولار سنوياً، من أزقة المحاصيل النائية في مرتفعات اليمن وإثيوبيا وكولومبيا، إلى صخب الأسواق العالمية وبورصات نيويورك ولندن، حيث كان الأخ أحمد يقدم رؤيته وتحليلاته العميقة بمنتهى التواضع، مُصرًا على أنها “مجرد وجهة نظره”، بينما هي في الواقع شهادة دقيقة وموثّقة من أبرز الفاعلين في صناعة تُنتج أكثر من 10 ملايين طن من القهوة سنوياً.

  • النضج الثقافي.. من الهوس العابر إلى الوعي المستدام

يرى الزعابي، وهو يحرّك فنجانه بحركة دائرية خفيفة كما يفعل خبراء التذوق، أن المشهد الإماراتي لثقافة القهوة قد عبر مرحلة البدايات الساذجة والتجريب الأعمى، ليبلغ مستويات متقدمة جداً من التطور والنضج. هذا التطور، الذي شهدته الدولة خلال العقد الأخير، ولّد سوقاً شديد التنافسية بأكثر من 4800 مقهى في دبي وحدها، ولكنه في جوهره يختزن “فرصاً هائلة للنمو والازدهار وتحقيق الدخل”.

المفتاح، كما يؤكد بنبرة الواثق من تجربته، ليس في تقليد الآخرين أو استنساخ النماذج الناجحة بشكل أعمى، بل في “الإدراك الحقيقي والدقيق لطبيعة السوق ومتطلباته والعوامل المؤثرة فيه، من التركيبة الديموغرافية إلى السلوك الاستهلاكي المتغير”.

ويؤمن الزعابي، بأن المكسب الحقيقي يُقاس بعيار آخر تماماً: “ليس المهم مقدار الكسب المادي المباشر في نهاية الربع المالي، بل مدى ثقة الناس بالمنتج الذي تقدمه. هذه الثقة هي رأس المال الحقيقي، هي الكنز المدفون الذي يصنع الولاء المتين والنجاح الحقيقي على المدى الطويل في سوق لا يرحم الضعفاء.”

وبالحديث عن موجة القهوة المختصة التي اجتاحت المنطقة كإعصار منعش منذ منتصف العقد الماضي، يؤكد الزعابي بثقة المحلل المخضرم أن هذه الموجة “نضجت تماماً ووصلت إلى مرحلة الاستقرار”. لم يعد الأمر مجرد “هوس” عابر يتبع الصيحات والترندات على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى ثقافة متينة ومتجذرة، غربلت رواد الموضة الذين جاؤوا من باب الفضول، وأبقت على “أصحاب الأذواق الحقيقية والمتعطشين للجودة”.

هذا النضوج الملموس انعكس بوضوح على جودة المقاهي نفسها وارتفاع معاييرها، حيث أصبح المستهلك الإماراتي اليوم، وبخاصة الجيل الجديد المثقف والمسافر، “قادراً بشكل دقيق على اكتشاف جودة القهوة وقيمتها الحقيقية”، متحولاً من متلقٍ سلبي يشرب ما يُقدم له، إلى شريك واعٍ ومتفاعل في تقييم المنتج ومحاسبة مقدم الخدمة.

  • دبي ومزايدة الأرقام.. ثقل استراتيجي لا تسويقي فقط

انزلق الحوار برشاقة نحو الضجيج الإعلامي الذي أحدثته دبي مؤخراً في سوق القهوة العالمي، ذلك الضجيج الذي أشعل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. بدءاً من دفع أغلى قيمة مسجلة للكيلوغرام من محصول “غيشا” النادر من بنما حيث دفع مقهى من دبي 604,080 دولاراً لقاء 20 كيلوغراماً من قهوة الجيشا المغسولة من مزرعة هاسيندا لا إسميرالدا في بوكويت – بنما، وصولاً إلى التنافس المحموم على تقديم أغلى كوب قهوة في العالم حيث قفز السعر من 680 دولاراً إلى ألف دولار في خلال شهرين.

يرى الزعابي، وهو يبتسم ابتسامة العارف بطبيعة المدينة، أن دبي، كوجهة عالمية للتميز والسبق في مختلف المجالات من العقارات إلى الضيافة، لم تكن القهوة لتكون بعيدة عن هذا السعي الحثيث للأرقام القياسية ودخول موسوعة غينيس. لا يرى في هذا التنافس، رغم غرابته أحياناً، ضرراً جوهرياً على روح الصناعة أو قيمها، بل يراه نوعاً ذكياً من الزخم التسويقي والترويجي الذي يضيف شهرة واسعة للمنطقة ككل، ويضع الإمارات على خريطة عشاق القهوة العالمية، ويمنح فئة معينة، تلك الفئة العاشقة للتميز والتجارب الاستثنائية والقادرة مادياً على خوض هذه المغامرات، مساحتها الخاصة للاستمتاع والتباهي.

  • صمود الإرادة.. تحديات الميزان العالمي وتأهب 2026

لم يغفل النقاش عن التحديات الجسام التي ألقت بظلالها الكثيفة على المشهد العالمي خلال العامين الماضيين. تحديداً، تحدثنا عن ارتباك التعريفات الجمركية وحروبها التجارية بين القوى الكبرى، وقسوة التغيرات المناخية التي باتت تشكل تهديداً وجودياً لمناطق المحاصيل الرئيسية في البرازيل وفيتنام وكولومبيا (انخفض إنتاج البرازيل بنسبة 25% في موسم 2024 بسبب الجفاف)، والاضطرابات المتلاحقة في سلاسل الإمداد والشحن البحري التي رفعت التكاليف بنسبة تتراوح بين 30-50% في بعض الخطوط.

حيث يرى الزعابي أن الدولة، بفضل موقعها الجغرافي الفريد كبوابة بين الشرق والغرب، وريادتها اللوجستية المعترف بها عالمياً، وحكمة قيادتها الرشيدة، تمكنت من بناء جدار صلب وحصين حول القطاع المحلي: “بفضل سياستها الحكيمة والاستباقية، وتوافر مخزون استراتيجي واسع ومتنوع من مختلف الأصناف والمحاصيل، وشبكة علاقات تجارية ممتدة، تمكنت الإمارات من تجاوز عواصف السوق العالمية بمهارة فائقة ومرونة استثنائية.”

ومع إقراره الواضح بأن الأثر الإجمالي المباشر للتحديات كان محدوداً نسبياً على السوق المحلي، ولم يترك ندوباً عميقة على أسعار المستهلك النهائي أو توافر المنتجات، إلا أنه، وبصفته متابعاً خبيراً لا تفوته تفاصيل السوق الدقيقة، أشار بحذر المحلل الاقتصادي إلى أن الضغوط المتراكمة المرتبطة بالتغيرات المناخية وزيادة تكاليف الشحن والنقل قد “تُفصح عن نفسها بوضوح أكبر في العام القادم 2026”.

هذه إشارة ضمنية صريحة إلى ضرورة التأهب والاستعداد لتقلبات ملموسة في أسعار وجودة بعض المحاصيل الرئيسية، وهو ما يعكس نظرة استشرافية عميقة ومدروسة لتقلبات السوق العالمية وتأثيراتها المتأخرة.

أما عن موجة “الماتشا” الخضراء التي اجتاحت المقاهي مؤخراً وأثارت جدلاً واسعاً حول مستقبل القهوة، فأكد الزعابي، وبنبرة الواثق من جذور القهوة العميقة، حقيقة ثابتة لا تتزعزع: “القهوة ستظل هي القهوة،”، مشيراً إلى أن موجة الماتشا، رغم جاذبيتها اللحظية، بدأت بالفعل في التراجع والخفوت، لتبقى القهوة، وللأبد، سيدة المشروبات الساخنة بلا منازع.

  • ساوث.. من محمصة إلى مصنع متكامل بآفاق آسيوية واعدة

“ساوث” ليست مجرد محمصة عادية تبيع أكياس القهوة، بل هي كما يصفها الزعابي بفخر واضح “مصنع متكامل” يركز على الجودة العالية والتميز في كل مراحل الإنتاج، من انتقاء الحبوب الخضراء إلى التحميص والتعبئة والتوزيع.

بعد تحقيق نجاح لافت ومدهش في السوق المحلي خلال عامين ونصف فقط، تدرس الشركة حالياً وبجدية كبيرة إمكانيات التوسع الجغرافي خارج الحدود الإماراتية. الغريب والمثير للدهشة أن الزعابي أشار بوضوح إلى أن التوسع لا يستهدف أسواق الخليج المجاورة بالدرجة الأولى كما قد يتوقع البعض، بل يتجه بطموح كبير نحو الأسواق الآسيوية الصاعدة والواعدة وبعض أسواق شرق أفريقيا الناشئة، حيث يرى الزعابي إمكانات نمو ضخمة وشريحة مستهلكين متعطشة للجودة.

وبتفاؤل حذر ومدروس، توقع وجوداً ملموساً لـ”ساوث” في هذه الأسواق الجديدة ربما مع نهاية 2026 أو بداية 2027 على أبعد تقدير، مع خطة واضحة للافتتاح التدريجي وبناء الشراكات المحلية الموثوقة.

  • أكاديمية ساوث.. الاستثمار في العقول قبل الآلات

واستثماراً حقيقياً في المستقبل البعيد، شدد الزعابي بحماس واضح على أهمية التدريب والتطوير المستمر، معتبراً إياه “حاجة مُلحة لا ترفاً أو كمالية يمكن تأجيلها”، خصوصاً في عالم متسارع يشهد تطوراً مستمراً في التقنيات الحديثة ومهارات الباريستا وفنون التحضير والإضافة (انتشرت خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من 20 طريقة جديدة لتحضير القهوة المختصة).

ولهذا السبب تحديداً، ومن هذا الإيمان العميق بالمعرفة، جاءت “أكاديمية ساوث للتدريب”، تلك المبادرة الطموحة التي لا يكمن هدفها الأساسي في تحقيق الأرباح المباشرة، بل في هدف أسمى وأشمل وهو “تعزيز المهارة الحرفية الحقيقية، ونشر ثقافة المهنة واحترامها، وتعزيز التواصل المعرفي والخبراتي بين العاملين في القطاع”.

الأكاديمية، التي افتتحت مطلع 2025، استقبلت حتى الآن أكثر من 300 متدرب من مختلف الجنسيات والخلفيات، وتقدم برامج متخصصة معتمدة دولياً تتراوح من الدورات التأسيسية للمبتدئين إلى ورش العمل المتقدمة لمحترفي التحميص والتذوق.

  • الفعاليات الكبرى.. تلاقٍ حضاري وارتقاء بالذائقة الجماعية

في ختام هذا الحوار الثري والممتع، الذي امتد لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة، أكد الزعابي وبصوت مفعم بالشغف على الدور المحوري والحاسم لفعاليات القهوة الضخمة التي تحتضنها الإمارات بسخاء سنوياً، وعلى رأسها معرض “عالم القهوة دبي”، وبطولات القهوة الوطنية والإقليمية التي تشهد منافسات محتدمة بين ألمع الأسماء.

هو يراهن، وبكل ثقة المخطط الاستراتيجي، على هذه الملتقيات الدورية كـ”أحد أهم عوامل ازدهار السوق المحلي وتطور الصناعة بشكل عام على المستويين الإقليمي والعالمي”.

هذه المنصات الحيوية تتجاوز بكثير كونها مجرد أسواقاً تجارية أو معارض للبيع والشراء، لتصبح بؤراً مشعة للمعرفة والثقافة والإبداع. هي ساحات حقيقية لتلاقي الحضارات المختلفة وتبادل الخبرات الغنية بين نخبة صناع القهوة العالمية، ومحفل يُثرى فيه الذوق العام ويُرتقى به، وتُصقل فيه مهارات الباريستا الشباب ليواكبوا بثقة أحدث الاتجاهات وأرقى فنون التحضير والإبداع في عالم القهوة المتجدد.

هذه الفعاليات، بحضورها الدولي المهيب وتنظيمها الاحترافي الرفيع، تؤكد للعالم أجمع أن الإمارات ليست مجرد ممر تجاري أو سوق استهلاكي، بل هي مختبر فكري حي ومركز إشعاع حضاري يرفع باستمرار من مكانة القهوة، محوّلاً إياها من مجرد سلعة تجارية عادية إلى قيمة ثقافية راسخة وموروث إنساني يستحق الاحتفاء والتقدير.

“ابتسم، حُمصت في الشارقة” – هذا الشعار البسيط والعميق في آن واحد يلخص بدقة روح المحمصة التي تبتكر يومياً وتعيد بشجاعة تعريف تجربة القهوة عبر مزيج ساحر من الحرفية العالية والشغف المتقد والإصرار على التميز، مؤكدة للجميع أن القهوة في الإمارات ليست مجرد مشروب صباحي عابر، بل هي ثقافة ناضجة متجذرة ومستقبل واعد يُكتب فصوله اليوم على أرض الشارقة، حبة حبة، وفنجان فنجان.

لزيارة موقع محمصة ساوث إضعط هنا

 

من باريستا مُلهمة إلى رائدة تحميص.. شيريل نابيت تكشف سر الشغف الذي صنع “ذا أور كوفي”

دبي – علي الزكري

في عالم القهوة، حيث يلتقي العلم بالشغف، وحيث تُصنع الجودة في كل مرحلة من مراحل التحضير، تبرز قصصٌ تستحق أن تُروى. قصصٌ لشخصيات آمنت بقدرتها على تحويل الحب العميق لِـ “حبة القهوة” إلى مسيرة مهنية رائدة، لتُسهم في صياغة هوية جديدة لثقافة القهوة المتخصصة.

شيريل نابيت” ليست مجرد سيدة أعمال، بل هي قامة في فن التذوق والتحميص، ومُحكمة حسية (Sensory Judge)، وحاصلة على لقب بطولة الإمارات الوطنية للتذوق . رحلتها هي دليلٌ على أن الإصرار المُقترن بالمعرفة يمكن أن يُضيء الطريق من خلف آلة الإسبريسو وصولاً إلى تأسيس مؤسسة رائدة في التحميص والتدريب. إنها حكاية تبدأ بنصيحة صديق وتنتهي بتأسيس محمصة القهوة “ذا أور كوفي” (The Ore Coffee Roastery) كمنصة للجودة والتعليم في المنطقة.

هذه الدعوة ليست مجرد قراءة، بل هي غوص عميق في عقلية رائدة، توازن بين إدارة الأعمال الصعبة، وبين صقل المهارات الحسية الدقيقة. ندعوكم للغوص معنا في رحلة “شيريل نابيت” الملهمة، واكتشاف الأسرار التي تقف خلف تفوقها المتواصل في صناعة القهوة.

  • 1. هل يمكنك أن تأخذينا في رحلة مسيرتك المهنية من بداية عملك كباريستا إلى تأسيس محمصة القهوة “ذا أور كوفي”؟ وما الذي ألهمك لاتخاذ هذه القفزة النوعية؟

بدأت رحلتي في عالم القهوة بشكل غير متوقع عن طريق صديقي “كارثيك”، الذي ألهمتني إنجازاته وشغفه في مسابقات القهوة. كانت تلك الشرارة هي ما قادني إلى عالم القهوة المختصة، حيث فتح لي صاحب عملي الأول، الأستاذ “عبده”، الباب. انغمست حينها كلياً في هذا المجالكنت أدرس بعد العمل، أحصل على الشهادات المتخصصة، وأمارس باستمرار. في غضون ثلاثة أشهر، أصبحت رئيسة الباريستا وبدأت في التحميص على آلة “جين كافيه” (Gene Café) صغيرة فقط لتعلم المزيد.

بعد حوالي عامين، اكتسب عملي معنى أعمق عندما التقيت بمزارعي القهوة من مدينتي، وهذا ما دفعني نحو التحميص الاحترافي،وهو طريق لم يكن سهلاً أبداً. كانت هناك لحظات أردت فيها الاستسلام، لكن دعم زوجي وشريكي في العمل، “سيتارام”، أبقاني مستمرة. بتشجيعه، أكملت تدريبات جمعية القهوة المختصة (SCA)، وتحضيرات اختبار مُقيِّم الجودة (Q Grader)، وساعات لا تُحصى من التدريب.

وفي النهاية، أثمر كل هذا الجهد بفوزي ببطولة الإمارات الوطنية للتذوق. منحني هذا الفوز الثقة اللازمة لبدء محمصة القهوة “ذا أور كوفي”ليس فقط كعمل تجاري، بل كاستمرار لهدفي. أنا ممتنة لكل من دعمني، زوجي، عائلتي، أصدقائي، ومجتمع القهوة. رحلتي تنتمي إليهم بقدر ما تنتمي إلي.

  • 2. لقد حققتِ أداءً ثابتاً ومتميزاً في بطولة الإمارات الوطنية لكأس التذوق على مدى عامين . ما الذي يُغذي شغفك بالتفوق الحسي؟

لقد كنت محظوظة بتقديم أداء جيد في البطولة الوطنية لكأس التذوق، وأعتقد أن الدافع يأتي ببساطة من حبي لِما أفعله. أحاول بذل قصارى جهدي في كل شيء، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقييم وتذوق القهوة. أنا أتعلم دائماً، وفضولية باستمرار، وأستمتع حقاً بعملية تقييم جودة القهوة.

ما يحفزني أكثر هو فرصة دعم المزارعين في تحسين محصول القهوة. إذا كانت مهاراتي يمكن أن تساعد ولو قليلاً، فإن هذا وحده يمنحني هدفاً ويجعلني ملتزمة بالنمو والتطور.

  • 3. بالنظر إلى الوراء، ما هي أكبر التحديات التي واجهتك في بداية مسيرتك المهنية، وكيف تغلبت عليها؟

في بداية مسيرتي، كان التحدي الأكبر هو وضع أهداف وتوقعات واقعية. أنا بطبعي متفائلة وحاسمة ومستعدة للمخاطرة، وهذا كان يعني أحياناً أنني أتحرك بسرعة كبيرة أو أحمّل نفسي فوق طاقتها. مع مرور الوقت، طورت وعياً ذاتياً وانضباطاً أقوى، واستثمرت في التعلم المستمر لتحسين أسلوبي. الآن، ما زلت أحمل هذا الطموح والرغبة في الفعل، لكنني أوازنهما بالتخطيط الاستراتيجي والتفكير العميق، وهذا ما جعلني أكثر فعالية.

  • 4. كيف أثّر حصولك على شهادتي “مُقيِّم الجودة (Q-Grader)” و “حكم حسي” على طريقة تعاملك مع القهوة وتوجيه الآخرين؟

لقد عززت هاتان الشهادتان بشكل كبير ثقتي ونهجي في التعامل مع القهوة. لقد وفرتا لي هيكلاً أوضح لتقييم القهوة، لذا أصبحت أتخذ القرارات بناءً على معايير معايرة بدلاً من مجرد التفضيل الشخصي.

كما غيرت الشهادات طريقة توجيهي للآخرين، أصبح تركيزي أكبر على مساعدة الناس في تطوير مهاراتهم الحسية وفهم سبب ظهور خصائص معينة في القهوة. بشكل عام، دفعني هذا إلى مواصلة التعلم، والبقاء فضولية، ومشاركة ما أعرفه بهدف أكبر.

Sherryl Napit

  • 5. كيف تصفين سوق القهوة الحالي في دبي ودول مجلس التعاون الخليجي؟ وهل هناك أي اتجاهات أو تحولات ملحوظة تلاحظينها؟

سوق القهوة في دبي ودول مجلس التعاون الخليجي يتسم بالمنافسة الشديدة والنمو السريع، مدفوعاً بقطاعات استهلاكية متنوعة وتأثير ثقافي قوي. نحن نرى تحولاً من القهوة التقليدية البحتة نحو عروض أكثر ابتكاراً وتجريبية. المشروبات المنكّهة، القهوة المُنقوعة، القهوة المُبرّدة (كولد برو)، والخلطات المختصة تكتسب زخماً مع سعي المستهلكين نحو التمايز والتخصيص. بشكل عام، يتطور السوق بسرعة، وهو حساس للاتجاهات الجديدة ومليء بالفرص للعلامات التجارية التي تبتكر وتتكيف مع التفضيلات المتغيرة.

  • 6. القهوة المختصة تنمو عالمياً. كيف ترين تطور سوق دبي مقارنة بالمدن العالمية الكبرى الأخرى؟

يتطور سوق القهوة المختصة في دبي بشكل مختلف بسبب تنوعه وانفتاحه. نمونا لا يحده ثقافة أو تقليد واحد، بل يعكس التأثير العالمي للمدينة وتطورها السريع. مع نمو دبي، ينمو مشهد القهوة معها، ويتكيف بسرعة مع الابتكار، وتغيرات نمط الحياة، وتوقعات المستهلكين الجديدة.

  • 7. ما هي النصيحة التي تقدمينها لشخص يتطلع إلى بدء عمل تجاري في مجال القهوة في الإمارات؟

ركز على تقديم شيء فريد وهادف، وادعمه بهدف واضح وخطة متينة. سوق القهوة في الإمارات تنافسي، لذا فإن معرفة ما يميزك ووجود استراتيجية مدروسة جيداً هو مفتاح النجاح.

  • 8. يضم “ذا أور كوفي” مركزاً تدريبياً يقدم دورات جمعية القهوة المتخصصة (SCA). ما الذي دفعك لبدء هذا الجانب من العمل؟

بدأنا المركز التدريبي لأننا أردنا المساهمة في نمو صناعة القهوة. من خلال توفير التعليم المناسب ودورات جمعية القهوة المختصة (SCA) المعترف بها دولياً، فإننا نساعد الناس على تعميق معرفتهم، وتحسين مهاراتهم، واكتساب الثقة في حرفتهم.

عندما تمتلئ الصناعة بأفراد مدربين جيداً ومطلعين، يصبح كل شيء يعمل بكفاءة أكبر، من التواصل والعمل الجماعي إلى معايير الجودة والابتكار. هذا لا يفيد الأعمال التجارية فحسب، بل يعزز المجتمع ويدعم سوق قهوة أكثر صحة ونمواً أسرع بشكل عام.

  • 9. كيف توازنين بين إدارة محمصة وإدارة مركز تدريب؟

نوازن بين إدارة المحمصة وإدارة المركز التدريبي من خلال التخطيط الهيكلي والتفويض الواضح. أنا وشريكي “سيتا”، بالإضافة إلى فريقنا، نتبع سير عمل محدداً حيث يكون لكل شخص مسؤوليات معينة. هذا يضمن الكفاءة والمساءلة والعمليات اليومية السلسة عبر كلتا منطقتي العمل.

10. ما هي المهارات الأساسية التي يحتاجها الباريستا ومحترفو القهوة اليوم للنجاح؟

يحتاج الباريستا ومحترفو القهوة اليوم إلى أكثر من مجرد المهارات التقنية. يتطلب النجاح الآن قدرات إدارية قوية، والتزاماً بالنمو الشخصي، وفهماً راسخاً لأساسيات الأعمال، بما في ذلك الجوانب المالية، والتسويق، وتجربة العملاء. تساعدهم هذه المهارات على التطور من مجرد مشغلين ماهرين إلى محترفي قهوة متكاملين.

Sherryl Napit

  • 11. قدمت جمعية القهوة المختصة (SCA) مؤخراً تقييم قيمة القهوة (CVA). كيف تعتقدين أن هذا سيؤثر على منتجي القهوة والمحمّصين وسوق الإمارات على وجه التحديد؟

من المرجح أن يؤدي إدخال تقييم قيمة القهوة (CVA) إلى زيادة الوضوح والشفافية عبر سلسلة قيمة القهوة. بدلاً من الاعتماد فقط على نظام تسجيل عالمي واحد، يسمح تقييم CVA للمنتجين والمشترين والمحمّصين بتقييم القهوة عبر أبعاد متعددة، بما في ذلك السمات الحسية، والجودة المادية، والقيم المستندة إلى السوق.

بالنسبة للعديد من الأسواق، بما في ذلك الإمارات، هذا يعني أن يمكن لأصحاب المصلحة تكييف تقييم القهوة بناءً على تفضيلات المستهلكين المحددة لديهم، وملامح الذوق الثقافية، والأهداف التجارية، بدلاً من التقيد بالمعايير العالمية. نتيجة لذلك، يفتح تقييم CVA الباب لمزيد من التنوع والابتكار والمرونة في كيفية تقييم القهوة وبيعها وتحديد موقعها.

في نهاية المطاف، يخلق هذا التحول مزيداً من الفرص للمنتجين للتعبير عن تفردهم، وللمحمّصين لتقديم عروض تعكس الطلب المحلي، وللأسواق الناشئة مثل الإمارات لتحديد اتجاهها وهويتها الخاصة ضمن قطاع القهوة المختصة.

  • 12. من وجهة نظرك، ما هي أهم الاتجاهات العالمية التي تشكل القهوة المختصة اليوم، بما في ذلك الاستدامة والابتكار؟

في الوقت الحالي، يتم تشكيل القهوة المختصة من خلال بضعة اتجاهات كبيرة. يلعب المجتمع الرقمي دوراً هائلاً، وسائل التواصل الاجتماعي، والبودكاست، والتعليم عبر الإنترنت جعلت من السهل على الناس التعلم، ومشاركة الأفكار، والتواصل أكثر من أي وقت مضى. كما أن الاستدامة تحتل موقع الصدارة، مع زيادة التركيز على المصادر الأخلاقية، والأجور العادلة للمزارعين، والتغليف الصديق للبيئة. وأخيراً، يغير الابتكار طعم القهوة وكيفية تحضيرها، بدءاً من أساليب التخمير الجديدة ووصولاً إلى تكنولوجيا التحضير الأكثر ذكاءً. معاً، تجعل هذه الاتجاهات القهوة المختصة أكثر ترابطاً، وأكثر مسؤولية، وأكثر إثارة من أي وقت مضى.

  • 13. ما هي الخطوات القادمة لـ “ذا أور كوفي” وبرامجكم التدريبية؟

نحن نعمل على توسيع عروض منتجاتنا، وتعزيز برامجنا التدريبية، وزيادة تفاعلنا مع مجتمعنا، كل ذلك بهدف منحكم أفضل تجربة ودعم ممكنين في مجال القهوة.

  • 14. إذا كان بإمكانك إعطاء نصيحة واحدة لنسختك الأصغر سناً أو للمحترفين الطموحين في مجال القهوة، فماذا ستكون؟

كونوا أقوياء. ثقوا بأنفسكم وحافظوا على تواضعكم.

ثقوا بالعملية، حتى عندما تكون بطيئة أو غير واضحة، وآمنوا بأن ما هو مقدّر لكم سيأتي في وقته.

احموا نزاهتكم قبل كل شيء، لأن المهارة يمكن تعليمها، لكن الشخصية والانضباط يتم اختيارهما.

استمروا في المثابرة، وابقوا متواضعين، ودعوا الشغف يقودكم أكثر من السعي للكمال.

Continue reading “من باريستا مُلهمة إلى رائدة تحميص.. شيريل نابيت تكشف سر الشغف الذي صنع “ذا أور كوفي””

نيل غوليز.. من العين إلى القمة: رحلة بطل الإمارات للإيروبرس 2025

دبي – علي الزكري

من بين 250 باريستا من مختلف إمارات الدولة، تنافسوا بشغف وإبداع على مدى ثلاثة أيام، برز اسم نيل غوليز من فورم روستري في مدينة العين، ليحصد لقب بطل الإمارات للإيروبرس لعام 2025، ويكتب فصلًا جديدًا في مسيرته المهنية التي تُجسّد الإصرار والدقة والشغف بالقهوة.

فبعد ثلاث سنوات من المنافسة المتواصلة، حصل نيل على الذهب، ثم الفضة، ثم الذهب مجددًا — ليؤكد أن طريق النجاح يُبنى بالخبرة والتعلّم والتواضع أمام كل فنجان جديد.

وفي أول حوار له بعد التتويج، يتحدث نيل إلى قهوة ورلد عن بداياته، وفلسفته في التحضير، وسر وصفته الفائزة، واستعداده لتمثيل الإمارات في بطولة العالم المقبلة في سيول.

نيل، نبارك لك هذا الفوز الكبير! كيف بدأت رحلتك مع القهوة؟ وما الذي ألهمك لتصبح باريستا؟

شكرًا جزيلًا! بدأت القصة أيام دراستي الجامعية عندما تذوقت قهوة إثيوبية مغسولة لأول مرة. كانت النكهات مذهلة وغيرت نظرتي تمامًا للقهوة. في تلك اللحظة، وُلد شغفي، وبدأت رحلتي في التعلم والنمو حتى أصبحت باريستا.

شاركت في البطولة ثلاث مرات، وحصدت الذهب والفضة ثم الذهب من جديد. كيف ساهمت هذه التجارب في تطورك؟

كل مشاركة كانت درسًا جديدًا. سواء فزت أم لا، كنت دائمًا ممتنًا للتجربة. أتعلم من أخطائي وأتطور عامًا بعد عام، وبالنسبة لي، التعلم بحد ذاته هو فوز حقيقي.

ماذا يعني لك هذا اللقب على المستوى الشخصي والمهني، خاصة وأنت تمثل مدينة العين ودولة الإمارات؟

يعني لي الكثير، خصوصًا بفضل الدعم الرائع من مجتمع القهوة في العين. هذا اللقب ليس إنجازًا فرديًا فحسب، بل هو ثمرة الجهد الجماعي والشغف المشترك. إنه فوز لكل من يؤمن بما نفعله ويشاركنا حب القهوة.

صف لنا لحظة إعلان اسمك بطلًا لهذه الدورة. كيف كان شعورك؟

بصراحة، ما زلت أشعر وكأنها لحظة غير واقعية. عندما سمعت اسمي، لم أصدق الأمر فورًا. كانت المنافسة ممتعة للغاية، وأنا ممتن لكل من ساهم في جعلها تجربة مميزة لن تُنسى.

ذكرت أن الحبوب المستخدمة في النهائيات كانت صعبة التعامل. ما الذي جعلها كذلك وكيف تعاملت معها؟

القهوة كانت مميزة جدًا لكنها تحتاج إلى دقة في التعامل. قررت استخدام مياه منخفضة الـPPM لتحقيق توازن في النكهات وإبراز حيويتها وقوتها. كانت تجربة تعليمية رائعة دفعتني إلى تحسين أدائي أكثر.

كيف طوّرت وصفتك لإبراز أفضل ما في هذه الحبوب؟

قللت من الحموضة باستخدام معادن البوتاسيوم، وخفّضت جرعة القهوة قليلًا، واستخدمت مياهًا منخفضة الـPPM. بهذه الطريقة حصلت على كوب متوازن ونظيف يعبّر عن نكهة القهوة بصدق.

في رأيك، ما الذي يجعل الإيروبرس مميزًا عن غيره من طرق التحضير؟

الإيروبرس يتميّز بمرونته الفريدة. يمكنك التجربة بلا حدود وتغيير كل عنصر في عملية التحضير لتكتشف نكهات جديدة في كل مرة. إنها أداة تمنحك حرية الإبداع وتدفعك لتوسيع آفاقك كمحضر قهوة.

في وصفتك الفائزة، اعتمدت البساطة. هل ترى أن البساطة هي سر القهوة المثالية؟

نعم، أؤمن أن البساطة تساعد في تحقيق الثبات والنقاء في الطعم. ومع ذلك، أعتقد أن التعقيد أحيانًا قد يكون مجزيًا إذا كان مقصودًا ومدروسًا. في النهاية، الأهم أن تكون هناك نية واضحة وراء كل كوب تُحضّره.

أشرت إلى دور زملائك في تطوير وصفتك. ما مدى أهمية روح الفريق في تحقيق هذا النجاح؟

كانت أساسية جدًا. أعاني من ارتجاع معدي، لذا من الصعب عليّ تذوق كميات كبيرة من القهوة. زملائي ساعدوني في التذوق وإبداء الملاحظات والتفكير الجماعي، وهذا الدعم كان له أثر كبير في نجاحي.

حدثنا عن عملك في فورم روستري. كيف ساعدك هذا المكان في تطورك المهني؟

العمل في فورم روستري ممتع ومثمر للغاية. رغم أن دوري الأساسي هو التحميص، إلا أن تذوق القهوة يوميًا أثناء مراقبة الجودة منحني فهمًا عميقًا للنكهات وساعدني على التطور كمحترف قهوة.

قريبًا ستمثل الإمارات في بطولة العالم للإيروبرس في سيول. كيف تستعد لهذه المرحلة العالمية؟

أعمل حاليًا على إنهاء الإجراءات الرسمية، وبعدها سنبدأ مرحلة التحضير الكاملة لضبط الوصفة وتطويرها. تمثيل الإمارات شرف كبير، وسأبذل كل ما بوسعي لأرفع اسمها عاليًا.

برأيك، ما الذي يميز مجتمع القهوة في الإمارات على المستوى العالمي؟

مجتمع القهوة في الإمارات فريد بتنوّعه وشغفه. يجمع أشخاصًا من ثقافات متعددة، كلٌّ منهم يأتي بخبراته وأساليبه الخاصة. هذا التنوع يخلق بيئة غنية يتعلم فيها الجميع من بعضهم البعض ويبدعون معًا.

ما رسالتك للباريستا الذين يطمحون للمشاركة في البطولة القادمة؟

أنصحهم بالفضول المستمر وحب التعلم. كل منافسة، سواء فزت أم خسرت، تمنحك فرصة للنمو. تحلَّ بالصبر، واستمر في الممارسة، واستمتع بكل خطوة في الرحلة — فالشغف هو سر النجاح الحقيقي.

هذا العام احتفت البطولة بثقافة القهوة الإماراتية. كيف ترى العلاقة بين القهوة العربية وطرق التحضير الحديثة مثل الإيروبرس؟

أرى بينهما رابطًا جميلًا يقوم على الشغف والاحترام والتفاصيل. فالقهوة العربية والإيروبرس كلاهما يحتفيان بالنكهة والحكاية. في النهاية، القهوة — أيًّا كانت طريقتها — هي لغة توحّد القلوب والثقافات.

Continue reading “نيل غوليز.. من العين إلى القمة: رحلة بطل الإمارات للإيروبرس 2025”

رها شاهسوار.. من طقطقة الحبة الأولى إلى قمة التحميص في الإمارات

دبي – علي الزكري

بين ألسنة اللهب ودفء الحبوب المتوهجة، وُلدت قصة رها شاهسوار، الشابة التي أعادت تعريف التحميص كفنٍّ يوازن بين العلم والإحساس. بدأت رحلتها في إيران بشغف طفولي تجاه الروائح والحرارة والدهشة، لكنها وجدت في الإمارات أرضًا احتضنت موهبتها، فصقلت شغفها بالعلم والممارسة حتى أصبحت بطلة الإمارات الوطنية لتحميص القهوة لعام 2025.

رحلتها ليست مجرد حكاية نجاح مهني، بل ملحمة شغفٍ ومثابرة، تعكس كيف يمكن للحلم أن يتحول إلى لهبٍ من الإبداع عندما يُمسك صاحبه بالمسؤولية والشغف في آن واحد. بين رها الفنانة التي ترسم اللون والظل، ورها المُحَمِّصة التي ترسم النكهة والعطر، تتجلى امرأة جعلت من “الطقطقة الأولى” رمزًا للتحول والخلق.

في هذا الحوار الشيق، تفتح رها صفحات مسيرتها المُلهمة — من بداياتها المتواضعة في متحف القهوة إلى تأسيس محمصة “كراك كوفي”، ومن تجاربها الأولى مع النار والمذاق إلى الفوز باللقب الأرفع في مشهد التحميص الإماراتي.

تابعوا معنا لتتعرفوا على قصة رها شاهسوار، شغفها، فلسفتها، ورؤيتها لدور المرأة في صناعة القهوة المختصة. قراءة ممتعة.

ما الذي ألهمك لدخول عالم القهوة؟ وهل بدأت رحلتك في إيران أم في الإمارات؟

بدأت رحلتي مع القهوة في إيران، حيث سحرتني عوالمها الحسية — الروائح، والعلم، والمشاعر التي تثيرها. لكن هذه الرحلة نضجت فعليًا في الإمارات، حيث وجدت الفرصة والحرية لتحويل هذا الشغف إلى مهنة حقيقية.

ما أولى خطواتك في مجال التحميص؟ وهل واجهتِ تحديات تقنية أو ثقافية في البداية؟

في البداية، كانت إمكانياتي محدودة جدًا من حيث المعدات أو التوجيه المهني، فتعلمت بالملاحظة والتجربة والخطأ. بدأت باستخدام محمصة صغيرة في متحف القهوة، ومع الوقت طورت فهمي لانتقال الحرارة وسلوك الحبوب والمعايرة الحسية. كان التحدي الأكبر ثقافيًا أكثر من كونه تقنيًا، إذ كان عليّ أن أثبت نفسي كامرأة في مجال يغلب عليه الطابع الذكوري. وقد تطلّب ذلك مثابرة وتواضعًا وتعلمًا مستمرًا.

من كان الداعم الأكبر لكِ في مسيرتك المهنية؟

كنت محظوظة بوجود عائلتي وشريكي وأصدقائي من مجتمع القهوة، الذين آمنوا بقدراتي حتى قبل أن أؤمن بها أنا نفسي.

Raha Shahsavar: Redefining Coffee Roasting in the UAE

ما قصة تأسيسك لمحمصة “كراك كوفي”؟ ولماذا اخترتِ هذا الاسم؟

وُلدت محمصة “كراك كوفي” من الشغف والحاجة في آن واحد. أردت مساحة أستطيع فيها التحميص بحرية، والتعليم والتجريب والتعبير عن فن القهوة دون قيود. أما الاسم “كراك” فيرمز إلى “الطقطقة الأولى” أثناء التحميص — تلك اللحظة التي يتحول فيها العادي إلى استثنائي، رمزًا للتغيير والخلق.

كيف تنقلين شغفك بالقهوة إلى المنتج النهائي الذي يصل إلى الزبائن؟

أحرص على أن يحمل كل نوع من القهوة التي نُصدرها روحًا خاصة — تعكس جهد المزارع، وطابع المنشأ، وتفسيري الشخصي للنكهة. أقضي وقتًا طويلًا في التقييم الحسي وضمان الاتساق، وأولي اهتمامًا كبيرًا للتغليف والعرض، لأن تجربة القهوة تبدأ قبل التذوق. سواء كانت مخصصة للمقاهي أو الدورات أو للبيع بالتجزئة، أريد أن يشعر المستهلك بالعناية في كل تفصيل.

ما فلسفتك في التحميص؟ وهل تتبعين نهجًا معينًا في إبراز النكهات؟

فلسفتي تقوم على التوازن بين البيانات والحدس، بين السيطرة والإبداع. أعتمد على الإحساس الحسي لكني أُقدّر علم الكيمياء في التحميص. فكل منشأ وكل معالجة تحتاج إلى “حوار خاص” مع الحرارة. أحب أن أحمّص بشفافية، محافظًة على هوية القهوة بدلًا من فرض أسلوب عليها. هدفي هو إظهار إمكانات الحبة، لا إخفاؤها تحت طابع التحميص.

كيف كان شعورك بعد فوزك بلقب بطلة الإمارات لتحميص القهوة لعام 2025؟ وكيف استعددتِ للمسابقة؟

كانت لحظة مؤثرة جدًا، ليس فقط بسبب اللقب بل لأنها كانت تتويجًا لسنوات من العمل الجاد في المحمصة. استعددت بتركيز شديد خلال الأسبوعين الأخيرين، درست اللوائح بدقة، وأعدت ضبط مهاراتي، وتدربت على التحميص يوميًا تحت الضغط. الفوز لم يكن غايتي بقدر ما كان إثباتًا لنفسي أن الشغف والمثابرة قادران على تغيير المسار. كما كان لحظة فخر للنساء في عالم القهوة، رسالة بأن حضورنا وحرفيتنا تستحق أن تكون على تلك المنصّة.

Raha Shahsavar: Redefining Coffee Roasting in the UAE

كيف أثّرت شهاداتك مثل كيو أرابيكا جرايدر و كيو بروسيسنغ على مهاراتك؟

كانت تلك الشهادات نقطة تحول في مسيرتي. نظام الـQ علّمني تقييم القهوة بموضوعية والتعبير عن النكهات بدقة. أما Q Processing فقد وسّع فهمي لطرق المعالجة بعد الحصاد وتأثيرها على جودة الكوب — معرفة أطبّقها في كل قرار يتعلق بالمصدر أو التحميص. وبصفتي مدربة AST، تعلّمت أن التعليم هو أحد أعمق طرق التعلم.

بصفتكِ حكماً في بطولات القهوة العالمية، ما المعايير الأساسية التي تركزين عليها أثناء التقييم؟

الاتساق، والوضوح، والأثر العاطفي. بالطبع هناك بروتوكولات ومعايير حسية دقيقة، لكن ما يهمني أيضًا هو القصد — القصة التي يرويها المتسابق، وهل نجح في إيصال شيء ذي معنى من خلال كوبه أو أدائه. فالمسألة ليست الكمال، بل التواصل.

هل ما زلتِ تمارسين الفن التشكيلي؟ وهل ترين علاقة بين الحس الفني وعملك في القهوة؟

نعم، الفن ما زال جزءًا مني. أواصل الرسم والتصميم، وأرى في التحميص شكلاً آخر من أشكال الفن. كلاهما يحتاج إلى الملاحظة والصبر والإحساس بالتوازن. جانبي الفني يساعدني على “رؤية” النكهة والعاطفة، وهو ما يوجّهني في ابتكار الخلطات المفهومية. فالقهوة بالنسبة لي هي نقطة التقاء العلم والفن.

كيف تصفين دور المرأة في مشهد القهوة المختصة، سواء في إيران أو الإمارات؟

النساء دائمًا كنّ حاضرات، لكن غير مرئيات بما يكفي. اليوم، نرى المزيد من النساء في التحميص والتحكيم وريادة الأعمال، وهنّ يحققن ذلك بقوة. نحن نجلب التعاطف والإبداع والمرونة إلى هذه الصناعة. وكلما دعمنا بعضنا بعضًا، تطورت الثقافة أسرع وتجاوزت الصور النمطية القديمة.

ما نصيحتك للنساء الراغبات في دخول عالم القهوة، سواء في التحميص أو التحكيم أو ريادة الأعمال؟

لا تنتظري الإذن. تعلمي، افشلي، وحاولي مجددًا. لا تسمحي لأحد أن يشعرك بأنك بحاجة إلى إثبات قيمتك. طوّري معرفتك، واثقي بذائقتك، وكوني ثابتة. عالم القهوة ليس سهلًا، لكنه يكافئ الأصالة والشغف الحقيقي.

ما طريقتك المفضلة في التحضير: الترشيح أم الإسبريسو؟

قهوة الترشيح هي المفضلة لدي، لكنني أستمتع بالإسبريسو أيضًا.

محمصة تُعجبك عالميًا؟

محمصة “فينيكس” في الولايات المتحدة، أقدّر نهجهم في التجريب واحترامهم للحرفية.

مزرعة قهوة تحلمين بزيارتها يومًا ما؟

مزرعة “فينكا ديبورا” في بنما — إبداعهم في المعالجة والتطور الحسي يثير إعجابي بشدة، وأتمنى أن أعيش تلك التجربة بنفسي.

أغرب نكهة اكتشفتِها في كوب قهوة؟

قهوة “ليبيركا” من ماليزيا، معالجة بالعسل، بنكهات غريبة من الجاك فروت وشراب الورد وحلاوة متخمّرة خارجة تمامًا عن نطاق الأرابيكا المعتاد — تذكّرني بمدى اتساع عالم النكهات في القهوة.

Continue reading “رها شاهسوار.. من طقطقة الحبة الأولى إلى قمة التحميص في الإمارات”

عبدالله السقّاف.. شغف القهوة الذي انطلق من أم القيوين نحو الإمارات كلها

أم القيوين – علي الزكري

في مدينةٍ هادئة كأم القيوين، ووسط مشهدٍ متنامٍ لثقافة القهوة المختصّة في دولة الإمارات، قرّر شابٌ يمني أن يحوّل شغفه اليومي بفنجان القهوة إلى مشروعٍ نابض بالحياة. هكذا وُلدت فكرة «بروفايل»، مقهى يقدّم القهوة المختصّة بروحٍ تجمع بين البساطة والإتقان، وبين الحلم والعمل الجاد.

عبدالله السقّاف لم يكن خبيرًا حين بدأ رحلته، لكنه كان عاشقًا للقهوة، يؤمن أن الفهم الحقيقي لها لا يأتي إلا بالممارسة والتعلّم اليومي. من فكرة صغيرة إلى مشروع أصبح جزءًا من المشهد المحلي في الإمارة، يمضي السقّاف بخطواتٍ واثقة نحو التوسّع، مؤمنًا بأن النجاح يبدأ بحب ما تفعل لا بما تملك.

في هذا الحوار، نقترب أكثر من تجربة هذا الشاب الملهم، ونتعرّف على تفاصيل رحلته مع «بروفايل»، والتحديات التي واجهها، ورؤيته لمستقبل القهوة المختصّة في الإمارات. اقرأ الحوار وتعرّف على القصة الملهمة لعبدالله السقّاف، الشاب الذي صنع من القهوة حكاية نجاح.

في البداية نرحّب بك أستاذ عبدالله، حدّثنا عن نفسك ومشروعك.

وياكم أخوكم عبدالله السقّاف، صاحب مشروع بروفايل للقهوة المختصّة، والواقع في إمارة أم القيوين. بدأنا المشروع قبل سنة وعشرة أشهر تقريبًا، وتحديدًا في شهر يناير من عام 2024.

كيف جاءت فكرة المشروع؟

أنا شخص أحب القهوة كثيرًا، وأبدأ يومي عادةً بكوب من القهوة المختصّة مثل الكورتادو أو الفلات وايت. لاحظت أن أم القيوين تفتقر إلى مقاهٍ تقدّم قهوة مختصّة بأسعار مناسبة، فخطرت لي فكرة افتتاح مشروع يجمع بين الجودة والسعر المعقول، لأن القهوة أصبحت جزءًا يوميًا من حياة الناس، ويجب أن تكون في متناول الجميع.

من أين بدأت الخطوات الأولى؟

البداية لم تكن سهلة، لأن الشغف وحده لا يكفي في عالم الأعمال. استعنتُ بأصدقاء لديهم خبرة في إدارة المقاهي، وليس فقط في تذوّق القهوة. قمنا معًا بإعداد دراسة جدوى مبسّطة، وتحديد المعدات والأفكار الأساسية لتأسيس مشروع متكامل. الشباب الذين ساعدوني لم يقصّروا أبدًا، ووقفوا معي خطوة بخطوة حتى انطلق المشروع.

كيف جاءت فكرة اسم «بروفايل»؟

اخترنا الاسم لأننا أردنا أن نكون بمثابة ملف تعريفي للقهوة المختصّة — مكان يعكس جوهرها وتنوّعها. ومن هنا جاءت كلمة «بروفايل»، بمعنى الهوية أو التفرّد، أي المستوى الأعلى في الجودة والتميّز.

Abdulla Al-Sakkaf at Profile Specialty Coffee in Umm Al-Quwain, UAE

ما أبرز التحديات التي واجهتك؟

التحديات الكبرى لم تكن في تجهيز المقهى أو توفير المعدات، بل في إدارة الفريق والحفاظ على جودة القهوة بشكل يومي. فالزبائن يلاحظون أي تغيّر بسيط في المذاق، لذلك كان من المهم جدًا أن نحافظ على نفس المعايير كل يوم. التحدي الحقيقي كان في التنظيم الداخلي وليس في بيئة العمل نفسها، لأن الإمارات توفّر كل الإمكانات لمن يريد أن يبدأ مشروعًا ناجحًا.

هل ساعدتك البيئة في الإمارات على النجاح؟

بكل تأكيد. ثقافة القهوة المختصّة في الإمارات تنمو بسرعة، والناس أصبحوا أكثر وعيًا بتفاصيل المذاق والجودة. هذا الوعي ساعدنا كثيرًا، لأن الزبائن هنا يقدّرون القهوة الجيدة ويميزونها. البيئة فعلاً محفّزة ومشجّعة.

هل كنت خبيرًا بالقهوة قبل أن تبدأ مشروعك؟

لا، كنت فقط أحب القهوة وأشربها يوميًا، لكن لم أكن مختصًا أو متمرّسًا في التفاصيل الفنية. بعد افتتاح المشروع بدأت أتعلّم أكثر، فالتحقت بدورات تدريبية لتطوير مهاراتي. لذلك أنصح أي شخص أن يبدأ بخلفية بسيطة ثم يتعمّق مع الوقت. الشغف أهم من الخبرة المسبقة.

برأيك، ما العنصر الأهم في نجاح مشروع قهوة؟

النجاح لا يقوم على عنصر واحد، بل على منظومة متكاملة: نوع البن، ومهارة العاملين، والمعدات المستخدمة. لكن البن هو الأساس — مهما كانت الآلات احترافية والعاملون مهرة، إذا لم يكن البن مختصًا فلن تحصل على النتيجة المطلوبة. لذلك نهتم باختيار البن أولًا، ثم بالتدريب والاستخلاص، وأخيرًا بالمعدات التي تكمّل العملية كلها.

من خلال تجربتك، ما أنواع البن التي يفضّلها الزبائن؟

في البداية لاحظت أن أغلب الزبائن يميلون إلى البن البرازيلي أو الإثيوبي لأنهم معتادون عليه. لكننا حاولنا إدخال ثقافة التجربة لديهم، فقدمنا البن التنزاني واليمني بطريقة مميزة وبأسعار مناسبة. ومع الوقت، أحبّ الزبائن النكهات الجديدة، واليوم أصبح البن اليمني من أكثر الأنواع طلبًا لدينا.

هل ترى أن الزبون في الإمارات أصبح خبيرًا في القهوة المختصّة؟
نعم، هناك وعي متزايد. الناس باتت تفرّق بين النكهات وتفهم معنى الحموضة أو التوازن. طبعًا لا يصلون إلى مستوى خبرة أصحاب المقاهي أو المحمّصين المحترفين، لكن لديهم ذوق ناضج ورغبة في المعرفة. وهنا يأتي دور العاملين في المقهى في توعية الزبون وشرح الفروقات بين الأنواع.

كيف أثّرت التغيرات العالمية مثل ارتفاع الأسعار أو التعريفات الجمركية على عملكم؟

نحن نتعامل بشكل أساسي مع المحامص المحلية، لذلك تأثرنا جزئيًا فقط. الارتفاعات في الأسعار تطال الجميع، خصوصًا المستوردين للبن الأخضر. ومع ذلك، السوق المحلي في الإمارات متوازن، وهناك تنوّع في المحامص يتيح لنا الحصول على خيارات مختلفة وبأسعار مناسبة.

Abdulla Al-Sakkaf at Profile Specialty Coffee in Umm Al-Quwain, UAE

ما رؤيتك لمستقبل «بروفايل»؟

نطمح أولًا للتوسّع داخل الإمارات. بدأنا في أم القيوين ونخطط للوصول إلى إمارات أخرى مثل الشارقة وعجمان. كما نعمل حاليًا على إطلاق عربة قهوة متنقلة لتقديم تجربتنا لعملاء أكثر. في المستقبل القريب، نسعى لافتتاح فروع جديدة بإذن الله خلال عام ٢٠٢٦.

ما النصيحة التي تقدمها للشباب الراغبين في دخول عالم القهوة؟

أنصحهم أولًا أن يحبوا المجال. لا تبدأ مشروع قهوة لأنك تراها تجارة رائجة، بل لأنك تحب القهوة فعلًا. كل من عرفته ونجح في مجاله كان يحب ما يفعله. بعد ذلك، لا تتوقف عن التعلّم — القهوة عالم واسع ومتجدد، وكل يوم فيه جديد.

هل تقتصر تجربتكم على القهوة فقط أم تقدمون منتجات أخرى؟
نعم، نحاول دائمًا تقديم تجربة متكاملة للعميل. إلى جانب القهوة، نقدّم مشروبات مثل الماتشا والكركديه، بالإضافة إلى الحلويات والفطور. الهدف أن يجد كل زائر شيئًا يناسب ذوقه، حتى من لا يشرب القهوة يمكنه الاستمتاع بمنتجات أخرى.

وأخيرًا، أين ترى «بروفايل» بعد خمس سنوات؟

لا أستطيع أن أقول عالميًا بعد، لكن بإذن الله أطمح أن يكون «بروفايل» حاضرًا في جميع إمارات الدولة، مع جودة ثابتة وتطور مستمر في كل التفاصيل.

Continue reading “عبدالله السقّاف.. شغف القهوة الذي انطلق من أم القيوين نحو الإمارات كلها”

يانيس أباستولوپولوس يتحدث بصراحة عن ماضي وحاضر ومستقبل القهوة المختصة

دبي – قهوة ورلد

نشرت منصة ذا فيفث ويف بودكاست لقاءً مطولًا مع يانيس أباستولوپولوس، الرئيس التنفيذي لـ جمعية القهوة المختصة، بعنوان «الماضي والحاضر والمستقبل في عالم القهوة المختصة».

ونظرًا لأهمية ما جاء في هذا الحوار، تعيد قهوة ورلد نشره بتصرّف، لما يتضمّنه من رؤى عميقة حول مستقبل صناعة القهوة ودور الجمعية في تطويرها عالميًا.

في هذه الحلقة، يتحدث يانيس أباستولوپولوس عن تطور جمعية القهوة المختصة منذ تأسيسها في ثمانينيات القرن الماضي، بوصفها أكبر هيئة تجارية عالمية في مجال القهوة، تمثل آلاف المهنيين من مختلف مراحل سلسلة القيمة — من المزارعين إلى المحمصين وصناع القهوة.

يتناول الحوار جهود الجمعية المستمرة لجعل القهوة أكثر استدامة وعدلاً ومرونة من خلال البحث والمعايير والتعليم، إلى جانب رؤيته للتحديات والفرص الكبرى التي تواجه القطاع، مثل تغيّر المناخ، والاستدامة، والتطور التقني، والذكاء الاصطناعي.

بدايات يانيس وعلاقته بالقهوة

يقول يانيس: «قصتي مع القهوة بدأت من عالم النبيذ والمشروبات الروحية. في عام 2009 قررت الشركة التي أعمل بها دخول مجال القهوة، ومع الوقت اكتشفت أن هذا المجال يحمل شيئًا مختلفًا — إنه منتج يجمع الناس ويؤثر في حياتهم.»

ويضيف: «أدركت أنني للمرة الأولى أعمل في منتج مفيد للصحة، ويمكن أن يسهم في تحسين حياة الناس في مختلف أنحاء العالم. وهنا بدأ شغفي بعالم القهوة المختصة.»

بدأ يانيس عمله متطوعًا في فرع الجمعية باليونان، ثم عضوًا في مجلس الإدارة، قبل أن يقود عملية الدمج التاريخية بين فرعي الجمعية الأمريكي والأوروبي، ليصبح في نهاية عام 2018 رئيسًا للجمعية.

ويقول: «لم أكن أتخيل أن العام التالي سيشهد جائحة غيرت كل شيء، من المعارض إلى طريقة التواصل. لكننا وسعنا نطاق عملنا وأصبحنا نفعل أكثر من مجرد تنظيم الفعاليات.»

دور الجمعية وتأثيرها

«نحن في جمعية القهوة المختصة نسعى لجعل القهوة أكثر استدامة وعدلاً وازدهارًا لكل من يعمل في هذا القطاع.»

تعمل الجمعية عبر ثلاثة محاور رئيسية: البحث العلمي، تطوير المعايير، والتعليم والتدريب.

ومن أشهر معاييرها «نموذج التذوق» الذي تم تحديثه مؤخرًا استنادًا إلى نظام «تقييم قيمة القهوة» الجديد.

يُدرّب البرنامج التعليمي للجمعية أكثر من 80  ألف شخص سنويًا حول العالم، بهدف سد فجوات المهارة ودعم العاملين في مختلف مجالات القهوة.

ويعتقد يانيس أن المهن المرتبطة بالضيافة ستصبح أكثر جاذبية في المستقبل رغم صعود الذكاء الاصطناعي، لأن القهوة ستظل «منتجًا إنسانيًا بامتياز».

القيم والتحديات في سلسلة القهوة

يقول يانيس: «حين توجد التحديات، فهناك أيضًا الفرص.» تركز الجمعية اليوم على القيمة في سلسلة التوريد — كيف تُولَد، وكيف تُوزَّع بعدل بين الأطراف المختلفة.

ويشرح قائلاً: «القهوة المختصة ليست مجرد درجات تذوق أو أسعار، بل تجربة متكاملة ناتجة عن خصائص مميزة ترفع قيمتها في السوق.»

القيمة هنا تشمل الجوانب الجوهرية (مثل النكهة والبنية الفيزيائية للحبوب)، والخارجية (مثل بلد المنشأ وطريقة المعالجة والقصة وراءها)، والذوق الشخصي الذي يحدد استعداد المستهلك للدفع مقابل تجربة معينة.

بهذا المفهوم وُضع نظام تقييم قيمة القهوة الذي يربط الجودة بالتصور الإنساني للقيمة.

البحث والبيانات وربط المزارعين بالأسواق

تعاونت الجمعية مع معهد لانيا في المكسيك لإنشاء قاعدة بيانات عالمية ونظام تحليل تفضيلات المستهلكين، بحيث يمكن للمزارعين معرفة الأسواق التي تفضّل خصائص قهوتهم، وبالتالي رفع العائد من المحصول.

كما بدأت تطبيقات قائمة على الذكاء الاصطناعي بجمع بيانات من المتذوقين والمستهلكين لقياس الأذواق المختلفة ومساعدة المزارعين في اتخاذ قرارات تسويقية أفضل.

يقول يانيس: «نريد لصناعة القهوة أن تتطور كما حدث مع النبيذ، فالمستهلكون الجدد يبحثون عن الشفافية والتجربة. وعلينا أن نركب هذه الموجة ونجعلهم متحمسين لاكتشاف القهوة.»

الاستدامة والمخاطر والعدالة

يشير يانيس إلى تحديات كبيرة مثل تغير المناخ، وتقدّم أعمار المزارعين، وتقلب الأسعار العالمية، موضحًا أن الأسعار الحالية، رغم ارتفاعها، «تعكس أخيرًا المخاطر التي يتحملها المزارعون».

ويضيف: «القهوة والكاكاو نشأتا في ظل أنظمة استعمارية تاريخية، ما جعل العدالة غائبة عن كثير من سلاسل القيمة. مهمتنا اليوم أن نجعل القهوة أكثر إنصافًا واستدامة.»

كما يرى أن العدالة يجب أن تمتد إلى العاملين في المقاهي داخل المدن الكبرى، إذ يعاني كثير منهم من ضعف الدخل رغم الجهد الكبير الذي يبذلونه في هذه الصناعة.

الفرص المستقبلية

يبدي يانيس تفاؤله الكبير بمستقبل القهوة، مشيرًا إلى ثلاث فرص رئيسية:

  • التقنية والبيانات: ستجعل التجارة أكثر شفافية وعدلاً.

  • نمو الاستهلاك المحلي في الدول المنتجة: مثل البرازيل التي تقترب من أن تصبح أكبر دولة مستهلكة للقهوة في العالم.

  • العمل التعاوني: بين الشركات والمنظمات لتطوير حلول واقعية ومستدامة.

كما يؤكد أن التجريب والإبداع ضروريان حتى لو صاحبتهما أخطاء، لأنهما الطريق نحو التقدم.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

يقول يانيس إن الذكاء الاصطناعي لن يغيّر الطبيعة الزراعية للقهوة، لكنه سيحدث ثورة في طرق التجارة والتسويق والتقييم، مضيفًا: «لقد رأيت أنظمة ذكاء اصطناعي تساعد المزارعين في اكتشاف الأمراض والتنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها، بل وحتى تحليل ملاحظات المتذوقين لتوجيه المنتج نحو ما يفضله المشترون.»

لكنه يحذر من التحيز في البيانات، مشددًا على ضرورة بناء نظم عادلة تعكس تنوع أذواق العالم ومصادر القهوة المختلفة.

أمثلة على البحث والابتكار

يشيد يانيس بمراكز الأبحاث مثل مؤسسة بحوث القهوة العالمية ومركز سينيكافيه في كولومبيا، الذي طور صنف «كاستيو ٢٫٠» المقاوم للأمراض بعد ٢٥ عامًا من العمل، ويُقدَّم اليوم للمزارعين بأسعار ميسرة وجودة عالية.

ويقول: «علينا أن نتعلم من هذه النماذج ونساعد الدول الصغيرة على إنشاء مراكز بحث مشابهة، فمستقبل القهوة يعتمد على العلم والتطوير طويل الأمد.»

رؤية متفائلة للمستقبل

يختم يانيس حديثه قائلًا: «إشراك المستهلكين بطرق جديدة يمكن أن يسرّع التغيير الذي نطمح إليه. ولكن على الصناعة نفسها أن تتبنى الحلول وتواصل السعي لجعل القهوة أفضل للجميع.»

Continue reading “يانيس أباستولوپولوس يتحدث بصراحة عن ماضي وحاضر ومستقبل القهوة المختصة”

الدكتورة أماني آدام: القهوة يمكن أن تكون دواءً إذا فهمناها جيدًا

دبي – علي الزكري

في عالم تتقاطع فيه الصحة مع الشغف، والعلم مع الحواس، اختارت الدكتورة أماني آدام أن تسلك طريقًا غير مألوف.. من الصيدلة إلى القهوة. لم تكتفِ بشربها، بل درستها كما يُدرس الدواء، لتكشف أسرارها الكيميائية وتأثيرها على المزاج والجسد.

رحلتها بدأت من تساؤل بسيط: لماذا تُشعرني القهوة أحيانًا بالراحة وأحيانًا بالانزعاج؟ ومن هذا التساؤل وُلد شغفها بفهم القهوة علميًا، فحوّلتها من مشروب يومي إلى وسيلة لتعزيز الصحة النفسية والجسدية.

في هذا الحوار الخاص مع قهوة ورلد، تكشف الدكتورة أماني كيف جمعت بين العلم والفن في فنجان واحد، وكيف تسعى لتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى القهوة، من منبه صباحي إلى أسلوب حياة صحي ومتوازن.

تابعوا هذا الحوار الملهم لتكتشفوا كيف يمكن لكل رشفة أن تكون خطوة نحو العافية.

بدأتِ مسيرتكِ كصيدلانية، ثم اتجهتِ نحو القهوة كوسيلة لتعزيز الصحة. ما الذي قادكِ نحو هذا التحول الجريء، وكيف أثرت خلفيتكِ الطبية على شغفكِ بفهم تأثيرات القهوة؟

التحول بدأ عندما أدركت أن القهوة، رغم أنها مشروبي المفضل، كانت تؤثر أحيانًا على صحتي ومزاجي. بدلاً من التوقف عن شربها، قررت أبحث في السبب من منظور علمي، مستندة إلى خلفيتي في الصيدلة. هذا جعلني أنظر للقهوة بطريقة مختلفة تمامًا — كتركيبة كيميائية معقدة يمكن فهمها وتحسين الاستفادة منها. ومن هنا بدأ شغفي بالربط بين القهوة والصحة.

واجهتِ تحديًا كبيرًا عندما قيل لكِ إنكِ “كبيرة جدًا” لتبدئي من جديد في سن الثلاثين. ما الذي ساعدكِ على تحويل هذا الشك إلى دافع، وكيف شكّلت الماجستير في إدارة الأعمال رؤيتكِ للفرص الجديدة؟

بصراحة، تلك الجملة كانت نقطة تحول في حياتي. بدل أن تثنيني، جعلتني أكثر إصرارًا على التغيير. قررت أن أدرس إدارة الأعمال لأنني كنت أريد أن أدمج العلم بالقيادة والرؤية الاستراتيجية. الماجستير ساعدني أرى الفرص من منظور مختلف، وأفهم كيف يمكن تحويل الشغف إلى مشروع حقيقي وتأثير ملموس.

قصتكِ من القصص الملهمة فعلاً لمن يفكرون في تغيير مسارهم المهني. ما النصيحة التي تقدمينها لشخص يتردد في إعادة ابتكار نفسه، مستندة إلى تجربتكِ؟

أنصحه أن لا ينتظر اللحظة المثالية، لأنها لا تأتي. التغيير دائماً صعب في بدايته، لكنه ممكن بالإصرار والاستمرار. لم أجد كثيرين يشجعونني حين بدأت، لكن خبرتي في تحليل الأسواق ساعدتني أرى مستقبل القهوة في الشرق الأوسط كأحد أهم المجالات الصاعدة. كان هدفي أن أساهم في نقل المعلومة والعلم في هذا المجال. أهم شيء أن تبدأ بخطوة صغيرة، وتتعلم وتستمر، لأن كل تحدٍ هو فرصة جديدة للنمو. والأهم أن تؤمن بنفسك حتى عندما يشك الآخرون فيك.

لديكِ نهج خاص تصفينه بـ”تعزيز الصحة والمزاج في كل رشفة”… كيف تعرّفين القهوة الوظيفية، وما الذي يجعلها أكثر من مجرد مشروب منبه؟

القهوة الوظيفية بالنسبة لي هي القهوة التي لا تكتفي بإعطائنا الطاقة، بل تدعم صحتنا الجسدية والنفسية أيضًا. هي قهوة تُحضّر بعناية، من نوع الحبوب إلى طريقة التخمير، مع إضافة عناصر تعزز القيمة الغذائية. فلماذا لا نجعل مشروبًا يوميًا مصدرًا للصحة؟ إنها توازن بين النكهة والفائدة، وهي أسلوب حياة أكثر من كونها مشروبًا.

كثيرون يرون القهوة كمصدر للطاقة السريعة فقط. كيف تعملين من خلال محتواكِ على تغيير هذه النظرة لتصبح أداة للعافية اليومية؟

أحاول أقدّم القهوة من منظور علمي بسيط وممتع، أشرح كيف يمكن أن تكون وسيلة لتحسين المزاج والتركيز والرفاهية العامة إذا استُهلكت بوعي. أشارك نصائح عملية مثل اختيار الوقت المناسب لشرب القهوة أو الأنواع المناسبة لكل حالة صحية، وتلقيت الكثير من النتائج الإيجابية من الناس الذين طبقوا هذه الإرشادات.

ما أبرز المفاهيم الخاطئة عن القهوة وصحتها التي تواجهينها، وكيف تساعدين الناس على اتخاذ خيارات أكثر وعيًا؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة أن القهوة “تضر بالصحة” أو “تسبب الجفاف”. الحقيقة أن التأثير يعتمد على الكمية ونوعية البن وطريقة التحضير. أحرص دائمًا على توعية الناس أن القهوة يمكن أن تكون مفيدة جدًا إذا فُهمت وتناولت بطريقة صحيحة.

أنتِ حائزة على شهادتين في تقييم القهوة.. ما تأثيرهما عليكِ وكيف وضعتاكِ عند تقاطع العلم والفن في عالم القهوة؟

هاتان الشهادتان غيرتا نظرتي تمامًا للقهوة. تعلّمت أن التقييم لا يعتمد فقط على الذوق، بل على فهم التركيب الكيميائي والنكهة والرائحة. وجدت نفسي عند نقطة التقاء بين العلم والفن — حيث يمكن تحويل المعرفة العلمية إلى تجربة حسية ممتعة.

كيف ساعدتكِ هاتان الشهادتان في ربط النكهات بالفوائد الصحية، مثل اختيار حبوب تعزز المزاج؟

أصبحت أستطيع تحديد خصائص الحبوب التي تحتوي على مركبات تعزز الطاقة أو تحسّن المزاج، مثل أنواع الأرابيكا الغنية بمضادات الأكسدة. أتعامل مع القهوة الآن كوسيلة لتحسين الحالة النفسية وليس فقط كمنبه.

أنتِ في طريقكِ للحصول على شهادة Q Grader. ما الذي تعلمتيه عن العلاقة بين جودة القهوة (من نكهة ورائحة) وتأثيرها على الصحة النفسية؟

تعلمت أن القهوة الجيدة ليست مجرد نكهة متقنة، بل تجربة متكاملة تبدأ من الرائحة وتنتهي بتأثيرها على الشعور العام. الروائح والنكهات العالية الجودة فعلاً تؤثر على الجهاز العصبي والمزاج بطريقة إيجابية، وكثير من الناس يتجنبون القهوة بسبب المفهوم الخاطئ عن مرارتها فقط.

أطلقتِ منصة رقمية متخصصة في محتوى القهوة الصحية. ما الذي دفعكِ لهذه الخطوة، وكيف تختارين المواضيع التي تشاركينها مع جمهوركِ؟

بدأت المنصة لأشارك المعرفة التي تمنيت لو كانت متاحة لي في البداية. أختار المواضيع بناءً على ما يحتاجه الناس فعلاً — مثل توازن الكافيين، القهوة قبل التمرين، أو علاقتها بالنوم والمزاج — وأحاول تقديمها بطريقة سهلة وممتعة.

كيف توازنين بين تقديم معلومات علمية دقيقة وجعلها سهلة وممتعة للجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي؟

أعتمد على تبسيط المعلومة دون فقدان دقتها. أستخدم أسلوبًا قريبًا من الناس، مع لمسة من الدعابة أو التجربة الشخصية، لأجعل العلم جزءًا من الحياة اليومية وليس مادة جافة.

كيف ترين مستقبل القهوة الوظيفية في دول الخليج، وما الاتجاهات العالمية في هذا المجال التي تثير اهتمامكِ؟

أرى مستقبل القهوة الوظيفية في الخليج واعدًا جدًا، خصوصًا مع زيادة الوعي بأسلوب الحياة الصحي. الاتجاه العالمي الذي يثير اهتمامي هو الدمج بين القهوة والمكملات الطبيعية، مثل البروبيوتيك أو الأعشاب المحسّنة للطاقة والمزاج. أعتقد أن المستقبل سيكون للقهوة التي تخدم الجسد والعقل معًا.

Continue reading “الدكتورة أماني آدام: القهوة يمكن أن تكون دواءً إذا فهمناها جيدًا”

ماتياس كون: الماء الجيّد يصنع قهوة رائعة

أبوظبي – قهوة ورلد

ضمن سلسلة قهوة ورلد توكس التي أُقيمت على هامش أسبوع الغذاء في أبوظبي 2025، كشف الألماني ماتياس كون، خبير المياه والمتخصص في الضيافة من مدينة هامبورغ الألمانية، عن أحد العناصر الأكثر إهمالًا في عالم القهوة: الماء.

يقول كون: «عندما تنظر إلى فنجان القهوة، ستجد أن 98% منه ماء، وجودة هذا الماء هي ما تحدد جودة نكهة القهوة».

ويؤكد كون أن القهوة الجيدة تبدأ بالماء «الفارغ»، أي الماء الذي يحتوي على أقل قدر ممكن من المعادن أو المواد المذابة.

ويوضح: «إذا كان الماء ممتلئًا بالمعادن، فلن يتمكن من استخراج النكهات من القهوة المطحونة بالشكل الصحيح. تخيّله مثل قطار مترو مزدحم، لا مكان فيه لراكب جديد».

وينصح المستهلكين بمراجعة مؤشر TDS (إجمالي المواد الصلبة الذائبة) على عبوات المياه المعبأة، فكلما كانت القيمة أقل، كان الماء أنقى.

وأشار إلى أن الماء المعدني ليس مفيدًا كما يُعتقد، فالجسم لا يستطيع امتصاص المعادن الكبيرة الموجودة فيه، مضيفًا: «احصل على المعادن من الفواكه والخضروات الطازجة، وليس من الماء».

وأوضح كون أن درجة حرارة الماء تلعب دورًا أساسيًا في عملية الاستخلاص، مشيرًا إلى أنه في طرق التخمير اليدوية مثل (V60)، يجب أن تكون درجة الحرارة حوالي 96 درجة مئوية، لأن الماء الساخن جدًا قد يحرق القهوة، خصوصًا في الآلات المضغوطة.

وعن أهمية الماء في بطولات إعداد القهوة مثل بطولة الإيروبرس، أكد كون حقيقة مثيرة قائلًا: «يمكنك الفوز بالبطولة فقط باختيار الماء المناسب، فالماء ليس مجرد مكوّن، بل عنصر حاسم في الأداء».

وحذّر كون من استخدام عبوات المياه البلاستيكية، موضحًا أن الماء يمتص جزيئات دقيقة من البلاستيك بمرور الوقت، وقال: «من يشرب مياهًا معبأة بانتظام يستهلك ما يعادل بطاقة ائتمان كاملة من البلاستيك كل شهر».

ونصح كون باستخدام عبوات زجاجية وأنظمة تنقية منزلية مثل التحلية بالتناضح العكسي (Reverse Osmosis) للحصول على ماء صحي ونقي يحسّن الطعم ويحمي الجسم.

وعن نصيحته لمستهلكي القهوة العاديين، قال كون: «استثمر في جهاز تنقية مياه جيد، سيوفّر لك المال على المدى الطويل، ويحافظ على صحتك، ويُبرز أفضل نكهات قهوتك».

أما نصيحته لمحترفي القهوة فهي: «يجب تثقيف العملاء والباراتستا حول أهمية الماء، فحتى أجود أنواع البن وأفضل عمليات التحميص تفقد قيمتها إن لم يُستخدم الماء المناسب».

واختتم كون حديثه قائلًا: «الماء ليس مجرد ناقل، بل هو روح القهوة. عندما تجمع بين قهوة ممتازة وماء نقي، ستحصل دائمًا على فنجان استثنائي».

Continue reading “ماتياس كون: الماء الجيّد يصنع قهوة رائعة”

أناتولي غوربونوف يكشف لـ«قهوة ورلد» حكاية أغلى كوب قهوة في العالم

دبي – علي الزكري

في سبتمبر الماضي، كانت دبي على موعد مع حدثٍ غير مسبوق أدخلها رسميًا إلى صفحات موسوعة غينيس للأرقام القياسية، بعدما سجّلت سلسلة «روسترز سبيشالتي كوفي هاوس» اسمها كصاحبة أغلى كوب قهوة في العالم بقيمة 680 دولارًا.

الحدث لم يكن مجرد إنجاز تجاري، بل قصة من الشغف، والإصرار، والبحث عن الكمال في كل تفصيل، كما يرويها لـ«قهوة ورلد» أناتولي غوربونوف، المدير العام للمشروبات في المجموعة.

من فكرة صغيرة إلى حلمٍ عالمي

يبدأ أناتولي حديثه قائلاً: «القصة بدأت من رغبتنا في الحصول على بن “إسميرالدا” من بنما، أحد أندر وأغلى أنواع القهوة في العالم. حاولنا لسنوات الفوز به في المزادات العالمية، لكننا كنا نخسر في كل مرة. إلى أن قال لي المؤسس والرئيس التنفيذي كونستانتين هاربوز في يناير الماضي: أريد هذا البن مهما كلف الأمر، استخدم علاقاتك واتصالاتك ودعنا نحصل عليه.»

يضيف أناتولي: «لم يستغرق الأمر أكثر من أسبوع من الاتصالات والبحث حتى وجدت من يمتلك كمية صغيرة منه. وبعد مفاوضات طويلة، اشترينا ثلاثة كيلوغرامات من هذا البن النادر رغم ارتفاع سعره، لكننا كنا نريده بشدة، فحصلنا عليه.»

تجربة لا تُشبه غيرها

لم يكن الهدف تقديم قهوة عادية، بل تجربة استثنائية متكاملة. «أدرجنا قهوة “إسميرالدا” في قائمتنا في أحد فروعنا في البوليفارد بوسط المدينة، وصممنا طريقة تقديم فريدة تمامًا: تُقدَّم في أكواب زجاجية مزدوجة الجدار مصنوعة يدويًا، مع حلوى خاصة أُعدّت خصيصًا لتكمل نكهات القهوة.»

ويتابع أناتولي: «لا يمكن للضيف طلبها مباشرة، بل يجب عليه الحجز مسبقًا قبل يوم كامل، لأننا نحضر رئيس التحميص خصيصًا ليُعدّها أمامه في تجربة فردية حصرية. خلال التحضير نروي للضيف قصة القهوة، رحلتها من المزرعة إلى المزاد، ولماذا تُعدّ من أثمن حبوب البن في العالم.»

من الفكرة إلى الرقم القياسي

في أبريل الماضي، وبعد أسابيع من إدراج “إسميرالدا” في القائمة، طُرحت فكرة جعل التجربة حدثًا عالميًا. «خلال أحد اجتماعاتنا الشهرية، قلنا لأنفسنا: لماذا لا نُسجّل رقمًا قياسيًا عالميًا؟» يقول أناتولي. بدأ التواصل مع إدارة «غينيس»، ليتبيّن بعد مراجعة السجلات أن أغلى كوب قهوة مسجّل في العالم حتى ذلك الحين كان بسعر 140 دولارًا فقط. «أدركنا أن أمامنا فرصة حقيقية لوضع دبي على الخريطة العالمية.»

لكن تحقيق الرقم القياسي لم يكن مجرد إعلان. «كان علينا تقديم كل الأدلة التي تُثبت السعر وسببه: فواتير الشراء من المزاد، نتائج المزادات البنمية، تقارير من نظام نقاط البيع (POS) تُثبت أن القهوة تُباع فعليًا في قائمتنا، وشهود مستقلين. فموسوعة غينيس لا تسجّل رقمًا من دون مبررات واقعية.»

لحظة التزامن المثالي

تم تحديد موعد المحاولة في أغسطس 2025، إلا أن أناتولي لاحظ أن المزاد البنمي السنوي يقام في الشهر نفسه. «انتظرنا النتائج، وفازت مزرعة “إسميرالدا” بثلاث فئات دفعة واحدة، وحققت سعرًا تاريخيًا بلغ نحو 30 ألف دولار للرطل الواحد — الأعلى في تاريخ المزادات العالمية. كان ذلك دليلاً حاسمًا على قيمة القهوة التي حصلنا عليها، فقررنا المضيّ قدمًا.»

وفي 13 سبتمبر، حضر مفتش رسمي من «غينيس» إلى فرع «روسترز» في دبي، حيث أُعدّت القهوة أمامه وسط حضور الشهود والمصورين.

«تم التحقق من كل شيء، من الفواتير إلى طريقة التقديم، وفي نهاية اليوم سلّمنا المفتش شهادة الرقم القياسي العالمي. كانت لحظة مؤثرة لا تُنسى لكل الفريق.»

دبي على خريطة القهوة العالمية

يبتسم أناتولي وهو يستعيد ردود الفعل: « تلقينا اتصالاً من السيد خالد الملا، رئيس جمعية القهوة المختصة في الإمارات، الذي قال إن هذا الإنجاز لا يُعدّ نجاحًا لعلامتنا فقط، بل لدبي بأكملها، التي أثبتت أنها مركز عالمي لصناعة القهوة الراقية.»

ويضيف: «سمحت لنا “غينيس” باستخدام شعارها لمدة ستة أشهر، وهو امتياز نادر للغاية لأنها علامة محمية. استخدمناه على عبوات القهوة وعلّقنا الشهادات في كل فروعنا. النتيجة؟ ارتفاع واضح في الوعي بالعلامة التجارية، وزيادة في الطلب على تجربة “إسميرالدا”، وموجة تغطية إعلامية واسعة شملت قنوات وإذاعات وصحفاً محلية وعالمية.»

ما وراء الإنجاز؟

لم يتوقف تأثير الحدث عند المبيعات أو الشهرة، بل امتد إلى الداخل. «الإنجاز رفع الروح المعنوية للفريق بأكمله. الجميع شعر بأنه جزء من قصة نجاح حقيقية. كما لاحظنا زيادة كبيرة في الطلب على فرص التدريب لدينا. نحن نمتلك برامج تأهيل قوية وأكاديمية داخلية لتدريب العاملين على فنون التحميص والتحضير.»

ويضيف: «نقيم أيضًا مسابقات داخلية لاكتشاف المواهب الجديدة، وهذا يعزز العمل الجماعي ويخلق بيئة مليئة بالحماس والطموح.»

رحلة البحث مستمرة

لا يتحدث أناتولي عن “إسميرالدا” كذروة المسار، بل كبداية لرحلة جديدة… «نواصل البحث عن الأنواع النادرة والاستثنائية. لدينا بالفعل أصناف مثل “كولومبيا ووش ووش” و“تووتي فرووتي”، كما نتفاوض مع شركة يابانية تمتلك مزارع في كوستاريكا، من بينها مزرعة حازت على لقب Cup of Excellence.

نستورد بانتظام بن اليمن، ونراقب باستمرار توافر “جامايكا بلو ماونتن”، رغم أن 95% من إنتاج جامايكا يذهب إلى اليابان. هدفنا أن نحافظ على وجود هذه القهوة الفاخرة دائمًا في قائمتنا.»

ويضيف: «نخطط أيضًا للمشاركة في المزادات القادمة في بنما واليمن، وكذلك المزادات التي ستُقام خلال معرض “عالم القهوة دبي” في يناير المقبل.»

من دبي إلى العالم

تمتلك «روسترز» اليوم تسعة فروع عاملة في دبي، والعاشر يُفتتح في دبي هيلز الأسبوع المقبل، مع خطط للوصول إلى 12 فرعًا بنهاية العام.

«نعمل كذلك على التوسع إلى أبوظبي، هونغ كونغ، ولندن، ونعتبر السوق السعودية وجهة واعدة لامتيازنا التجاري. رؤيتنا أن تكون “روسترز” رمزًا للجودة والابتكار في عالم القهوة عالميًا.»

Continue reading “أناتولي غوربونوف يكشف لـ«قهوة ورلد» حكاية أغلى كوب قهوة في العالم”

كسر فخ السلع.. حوار مع بيرك كامبل حول القهوة، السيادة، وبناء الأمة

دبي – علي الزكري

القهوة ليست مجرد طقس صباحي، بل هي صناعة عالمية غارقة في التاريخ، وديناميكيات القوة، والإمكانيات غير المستغلة. في هذا الحوار المثير، يشارك بيرك كامبل، الكندي من أصول كري-ميتيس الذي ترك رمال النفط في ألبرتا ليعمل في مزارع القهوة في هندوراس، رحلته في ربط النقاط بين استخراج الموارد، والسيادة الاقتصادية، والتنمية المستدامة. من استيقاظه الشخصي إلى التوازي بين مجتمعات السكان الأصليين في كندا ومزارعي القهوة في هندوراس، مروراً بعمله الرائد في ربط إرث القهوة اليمني القديم بالأسواق الحديثة، قصة بيرك هي قصة صمود ورؤية وسعي لا هوادة فيه لتحقيق العدالة. انضموا إلينا في هذا الحوار المثير حول إعادة تعريف مستقبل القهوة من خلال استعادة ماضيها.

نشأتك كري مع والد يعمل في رمال النفط يجب أن تكون قد منحتك منظوراً فريداً حول استخراج الموارد. ما هي تلك اللحظة التي أدركت فيها أنك بحاجة إلى ترك كل ذلك خلفك والتوجه إلى هندوراس للعمل في التنمية المستدامة؟

لم تكن لحظة واحدة، بل كانت استيقاظاً بطيئاً استغرق سنوات لفهمه.

إليك ما لا يعرفه الناس عن عمل والدي في رمال النفط: تلك الرمال هي خط الفخاخ التقليدي لعائلتنا. هناك تربى والدي طفلاً، حيث عاشت عائلتنا لأجيال. تلك الأرض ملكنا، لكنها لم تعد كذلك بعد الآن. انتهى الأمر بعائلتي هناك بعد سلسلة من الهجرات القسرية، ثم انتهى الأمر بوالدي يعمل في الصناعة على أرض أجداده.

لكن الجرح الأعمق هو: شعبي لم يُدعَ حتى للمشاركة. أصبح والدي أول مشرف عام من السكان الأصليين في أي من الحرف هناك، وكان ذلك ممكناً فقط من خلال قضايا الهوية العميقة التي حملها. كان ثمن الدخول هو فقدان أجزاء من ذاته.

زرعت والدتي بذوراً مختلفة. لم تكن من السكان الأصليين، لكنها كانت أخصائية اجتماعية في ألبرتا كرست نفسها للعمل مباشرة مع القبائل الهندية في المجتمعات الشمالية. قبل أن أبلغ الثانية عشرة، انتقلنا عبر العديد من هذه المجتمعات لدرجة أنني شاهدت بنفسي ما يبدو عليه عندما تُطوَّر أرضك بدونك، عندما تُستبعد من الأنظمة المبنية فوق ما كان ملكك، عندما يدفع القليلون الذين ينجحون في المشاركة ثمناً لا يظهر في راتب.

لذلك نشأت وأنا أفهم الجانبين. أظهر لي والدي ما يكلفه المشاركة في أنظمة لم تُبنَ لك. أظهرت لي والدتي ما يحدث للمجتمعات التي تراقب الثروة تُستخرج من أراضيها بينما هم مستبعدون.

عندما وصلت إلى هندوراس لأول مرة، كنت لا أزال ساذجاً للغاية. لم أرَ الصلة بين تلك المجتمعات في شمال ألبرتا ومزارعي القهوة الذين كنت ألتقي بهم. لكن مع قضائي المزيد من الوقت في المزارع، بدأت أتعرف على أنماط موازية: المنتجون مستبعدون من القيمة التي تخلقها أراضيهم، المشترون الخارجيون يتحكمون في الشروط، المزارعون القليلون الذين ينجحون في اختراق أسواق التخصص يضطرون للتكيف مع أنظمة لم تُصمم معهم في الاعتبار، الثروة تتدفق إلى الخارج بينما تظل المجتمعات مهمشة.

هناك تبلورت الفكرة بالنسبة لي. أدركت أن لدي مسؤولية اجتماعية عميقة ككندي لاستخدام كل ما أُعطيته – صوتي، وصولي، جواز سفري، فهمي لهذه الأنظمة – ليس لتكريس سلسلة سلع أخرى يُستبعد فيها المنتجون من القيمة، بل للنضال من أجل مجتمعي الجديد في هندوراس. للتأكد من أن القهوة لن تفعل بعائلات المزارعين ما فعله النفط بالمجتمعات التي خدمتها والدتي.

أنا كري-ميتيس. أفهم ماذا يعني وصول الغرباء وهم يعدون بالازدهار. نشأت وأنا أراقب ما يحدث عندما تولد أرضك الثروة التي لا تُدعى أبداً لمشاركتها.

البدء من جديد في هندوراس

البدء من جديد في بلد جديد في سن 34 لم يكن سهلاً بالتأكيد. ما كان أصعب جزء في تلك الأيام الأولى في هندوراس، وما الذي أبقاك مستمراً عندما أصبحت الأمور صعبة؟

وصلت لأول مرة عندما كنت في الثامنة والعشرين. بحلول سن الحادية والثلاثين، كنت متزوجاً ولدي طفل واحد، وأباً لاثنين آخرين، وعماً لخمسة آخرين كانوا يعيشون معي كأبنائي. لذا لم يكن الأمر مجرد بدء من جديد في بلد جديد، بل كان مسؤولية مفاجئة عن ثمانية أطفال في مكان بالكاد فهمته.

الحقيقة هي أن السنوات السبع عشرة الماضية كانت تتمحور حول تقسيم وقتي بين العمل في كندا والعيش في هندوراس. لم تكن القهوة أبداً مصدر رزقي الكامل، بل ساعدت، لكن كان عليّ أن أفعل كل ما يلزم لجعل الأمور تعمل.

أطفالي هم من أبقوني مستمراً. فعلت كل ما بوسعي لحمايتهم من كل المشاكل التي تأتي من العيش في مكان مثل هذا، عادةً على حساب استقراري الشخصي. لم يكن حاجز اللغة أو التكيف الثقافي أو حتى عدم الاستقرار الاقتصادي هو الجزء الأصعب، بل كان العلم بأن كل قرار اتخذته، كل شهر قضيته في العمل في كندا، كل مخاطرة اتخذتها مع القهوة، كانت تؤثر مباشرة على ما إذا كان هؤلاء الأطفال سيحصلون على ما يحتاجونه.

ثم جاءت جائحة كوفيد، واضطررت للبقاء في كندا لمدة عامين. لم أتمكن من العودة إلى هندوراس، ولم أتمكن من أن أكون مع عائلتي. كان بإمكان ذلك الانفصال أن يكسر كل شيء، لكنه أصبح الوقت الذي اكتشفت فيه اليمن.

أصبحت مهووساً. بدأت بالبحث في أرشيفات العثمانيين، والدراسات الجينية، والنصوص التاريخية، أي شيء يمكنني العثور عليه عن قهوة اليمن. وحدث شيء ما. فجأة، استطعت أن أرى الخيط المشترك الذي يربط كندا، وهندوراس، واليمن. ثلاثة أماكن بدت غير مرتبطة تماماً، لكنها تشترك في نفس القصة: مجتمعات مستبعدة من الثروة التي تولدها أراضيها، أنظمة معرفية رفضها خبراء خارجيون، أشخاص أُجبروا على المشاركة في اقتصادات صُممت بدونهم.

أعطاني اليمن الإطار لفهم ما كنت أفعله في هندوراس طوال الوقت. لم يكن الأمر يتعلق فقط بأسعار أفضل للقهوة، بل كان يتعلق باستعادة السرد، واستعادة الوكالة، وإثبات أن الطرق القديمة ليست متخلفة، بل إنها المستقبل، خاصة وأن تغير المناخ يجبر الصناعة أخيراً على الانتباه إلى ما عرفه المزارعون منذ زمن طويل.

لكنني لن أغير شيئاً. أعطاني هؤلاء الأطفال سبباً أكبر من نفسي. إنهم السبب في بقائي عندما كان من الأسهل المغادرة. إنهم السبب في استمراري في دفع القهوة حتى عندما لم تكن منطقية من الناحية المالية. إنهم السبب في أهمية اليمن كثيراً، لأنني كنت بحاجة إلى بناء شيء يمكن أن يعمل لهم، لمجتمعهم، لمستقبلهم. أظهر لي اليمن الطريق.

بناء الثقة مع المزارعين

بناء الثقة مع المزارعين هو كل شيء في هذا العمل. كيف اكتسبت تلك الثقة مع مزارعي القهوة في هندوراس، وما هي اللحظة التي جعلت كل شيء يبدو يستحق العناء؟

بناء الثقة هو الجزء الأصعب. ما زلت أعمل عليه. وبصراحة، بدأت أتساءل عما إذا كانت كلمة “الثقة” هي الكلمة الصحيحة حتى.

رأيت بنفسي كيف أن التجارة المباشرة مع المزارعين كانت غير كافية. بالتأكيد، يمكننا تحقيق فرق في السعر لموسم واحد، لكن بعد ذلك كانت شركتي تريد أن تكون هناك في الموسم التالي والتالي والتالي. شاهدت كيف خلق ذلك تبعياته الخاصة، وديناميكيات قوته الخاصة. يتطلب الأمر أكثر بكثير من مجرد أسعار أفضل.

أظهر لي اليمن أنك بحاجة إلى بناء علاقات أبدية. الزراعة هي ممارسة تأتي من تاريخ إنساني عميق. كل شيء نستهلكه اليوم تقريباً كان نتيجة مئات أو حتى آلاف السنين من أشخاص أخذوا الحبوب والبقوليات البرية وحولوها تماماً إلى شيء يمكن أن يدعمنا. تلك المعرفة، تلك الممارسة، تلك العلاقة مع الأرض والنبات – إنها جيلية. إنها أبدية.

لذلك عندما نتحدث عن “بناء الثقة”، ما زلنا نعمل ضمن إطار حيث أنا الغريب الذي يحتاج إلى كسب شيء منهم. هذا الإطار نفسه يكشف عن اختلال توازن القوة. مجرد قولي إنني بحاجة إلى بناء الثقة مع المزارعين يعني أن هناك دائماً نوعاً من عدم المساواة الاقتصادية حيث أملك قوة لا يملكونها.

لا أعتقد أنني بدأت حتى في تحقيق هدفي. لأن الهدف ليس الثقة. الهدف هو السيادة الاقتصادية الحقيقية لمجتمعات الزراعة. الثقة هي مجرد كلمة بديلة لشيء أكبر بكثير – القدرة على التحكم في رواياتهم الخاصة، سلاسل القيمة الخاصة بهم، مستقبلهم الخاص. حتى يحدث ذلك، ما زلت جزءاً من المشكلة، حتى لو كنت أحاول أن أكون جزءاً أفضل منها.

لذا لا، لم تكن هناك لحظة شعرت فيها أن كل شيء كان يستحق العناء. لأن “يستحق العناء” يعني أنني وصلت إلى مكان ما، ولم أصل بعد. العمل مستمر.

نسج اليمن وهندوراس معاً

العمل مع قصة المخا كمستشار تقني لدار مزادات اليمن يبدو رائعاً. كيف تنسج قصة القهوة اليمنية المذهلة مع ما يحدث في هندوراس؟

أنا أتبع قيادة لطيف وحلمه. كل شيء يبدأ من هناك.

اليمن هي في الأساس القالب لنظام السلع العالمي بأكمله. كان لدى اليمن هذه القدرة المذهلة على زراعة القهوة وخلقت احتكاراً عليها جعل القهوة واحدة من أكثر السلع الفاخرة المرغوبة في العالم. لكن بعد ذلك شاهدت كيف يُستخدم نظام السلع نفسه كنوع من السلاح ضد جميع الدول المنتجة. إخراج القهوة الخام – والآن العديد من المنتجات الأخرى – من الدول إلى دول أخرى حتى تستفيد تلك الدول الأخرى من المعالجة الثانوية.

هناك فهمت ما يجب على جميع الدول المنتجة فعله لتحقيق اقتصادات مستدامة حقاً. ما يجب عليهم فعله للتطوير.

تكنولوجيا معالجة القهوة الخام لم تتغير منذ أن طورت اليمن تحميص القهوة. إنها بسيطة بشكل لا يصدق، ومع ذلك يصعب تحقيقها بشكل غامض. لماذا؟ لأن النظام مصمم للحفاظ على تصدير الدول المنتجة للحبوب الخضراء.

أرى مشاكل اليمن العميقة ومشاكل هندوراس العميقة كنكهة مختلفة من السيطرة الاقتصادية من الخارج. والطريقة الوحيدة لتغيير ذلك هي أن نرى أن مشاكل كل دولة لها خيط مشترك. قد تكون نهج الحلول مختلفاً، لكن التشخيص هو نفسه تقريباً.

جميع الدول التي تجد منتجاتها الخام تُستخرج بالكامل لاقتصادات أخرى تفقد التطوير الحقيقي على نطاق هائل، يكاد يكون غير قابل للحساب.

ما أفعله مع دار المزادات في اليمن، وما أحاول بناءه في هندوراس، يأتي من نفس الفهم: نحن لا نحرك القهوة فقط. نحن نحاول إعادة فتح أقدم سوق قهوة في العالم، بمساعدة بروتوكولات التجارة التي طُورت على مدى مئات السنين. هذا ليس جديداً. هذا هو أقدم سوق قهوة في العالم، ونحن نعيد فتحه.

العالم يحتاج إلى توازن. وهذه الدول تحتاج إلى أصوات تتفق جميعها على فهم هذا الظلم المشترك. هكذا ترتبط اليمن وهندوراس – ليس من خلال شراكة مدن شقيقة رومانسية، بل من خلال الاعتراف المشترك بأننا جميعاً نحارب النظام نفسه، فقط بلكنات مختلفة.

فتح قنوات السوق السعودية

فتح قنوات سوق سعودية بقيمة 80 مليون دولار – هذا مذهل! هل كانت هناك محادثة معينة أو لحظة اختراق علمت فيها أن هذا سيحدث فعلاً؟

كان لطيف يظهر لي أن سوق القهوة السعودية مغلق إلى حد كبير أمام هندوراس، وهندوراس لديها قدرة عميقة لتكون لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط.

تستورد المملكة العربية السعودية من 70,000 إلى 90,000 طن من القهوة سنوياً، وتنفق أكثر من مليار دولار. السوق تنمو بنسبة 6.5% سنوياً ومن المتوقع أن تصل إلى ما يقرب من 2.3 مليار دولار بحلول عام 2028. لكن ما يهم هو: إثيوبيا تهيمن على الواردات السعودية بنسبة 77%. هندوراس، على الرغم من كونها سابع أكبر مصدر للقهوة في العالم، بالكاد تُسجل في تلك السوق.

وكل ذلك يعود إلى الوعي، والثقة، والتعليم.

أعتقد أن قهوة هندوراس لها مكان كركيزة للتوريد في المملكة العربية السعودية. تنتج هندوراس من 5.5 إلى 5.8 مليون كيس سنوياً – كلها أرابيكا، تُزرع بين 1,000 و1,600 متر. لقد بنينا أنظمة جودة قوية، لدينا أكثر من 120,000 مزرعة قهوة، وأثبتنا أنفسنا في الأسواق المتطلبة مثل ألمانيا، بلجيكا، إيطاليا، وكوريا الجنوبية بشكل متزايد منذ اتفاقية التجارة الحرة لعام 2020.

لكن الأهم من ذلك، أعتقد أن هذه العلاقة توفر سوقاً بديلاً لكل من المملكة العربية السعودية وهندوراس. خاصة في هذه الأوقات المضطربة من التقلبات الكبيرة في سوق القهوة.

وصلت أسعار القهوة إلى مستويات قياسية في عام 2025 – وصلت الأرابيكا إلى 4.41 دولار للرطل، وهو أعلى مستوى تم تسجيله على الإطلاق. تغير المناخ يدمر المحاصيل في البرازيل وفيتنام، اللتان توفران معاً أكثر من 50% من القهوة العالمية. الجفاف، الصقيع، الأمطار غير المنتظمة – هذه لم تعد اضطرابات مؤقتة. تتوقع منظمة الأغذية والزراعة أن 50% من الأراضي المزروعة بالقهوة حالياً قد تصبح غير قابلة للزراعة بحلول عام 2050.

في هذا السياق، اعتماد المملكة العربية السعودية بشكل كبير على التوريد الإثيوبي يمثل نقطة ضعف. تمثل هندوراس تنوعاً جغرافياً، إنتاجاً مستقراً، وبنية تحتية للجودة. بالنسبة لهندوراس، تمثل السوق السعودية تنوعاً بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة وأوروبا، اللتان تأخذان معاً أكثر من 60% من صادراتنا.

عندما تصل مخزونات القهوة العالمية إلى أدنى مستوياتها في 20 عاماً وتتأرجح الأسعار بنسبة 70-90% في عام واحد، تحتاج كل من الدول المنتجة والمستهلكة إلى المزيد من الخيارات، المزيد من الشراكات، المزيد من المرونة المدمجة في النظام. هذا هو ما يدور حوله الأمر – ليس فقط فتح سوق، بل بناء نوع من العلاقات التي يمكن أن تقاوم ما هو قادم.

الاكتشاف الأكثر إذهالاً

البحث في أرشيفات العثمانيين والدراسات الجينية لأبحاث القهوة – ما هو أكثر شيء مذهل اكتشفته عن تاريخ القهوة الحقيقي؟

ليس اكتشافاً واحداً. إنه كيف تجمعت أربعة كشوفات منفصلة لتظهر نفس الشيء: أن ما نسميه “تاريخ القهوة” هو في الواقع كارثة موثقة تماماً.

أولاً، الجينات. في عام 2021، وجد فريق كريستوف مونتانيون أن 57% من قهوة اليمن تنتمي إلى مجموعة جينية لا توجد في أي مكان آخر على الأرض. في الوقت نفسه، كل فنجان قهوة خارج إثيوبيا واليمن يعود إلى 20 إلى 50 نبتة فردية أُخذت بين عامي 1616 و1723. الاختناق الجيني شديد لدرجة أن القهوة العالمية لديها تنوع أقل من معظم الأنواع المهددة بالانقراض. فنجانك الصباحي أكثر تهجيناً من برنامج تربية الأسر.

ثانياً، الأرشيفات. سجلات الضرائب العثمانية من ثلاثينيات القرن السابع عشر وثقت أنواعاً متعددة من القهوة، درجات مختلفة، أنواع محددة حسب الارتفاع، طرق معالجة مرتبطة بنتائج محددة. وثقوا نظاماً زراعياً متطوراً لدرجة أن علماء الزراعة الحديثين ما زالوا يجدون صعوبة في فهمه. لم تكن هذه زراعة بدائية. كانت تكنولوجيا حيوية تعمل بسرعة المواسم، تم تهيئتها على مدى ثمانية قرون.

ثالثاً، السرقة القانونية. في عام 1612، وقّع الهولنديون والعثمانيون اتفاقية استسلام جعلت تجارة القهوة قانونية تماماً. وهذا هو الجزء الأكثر إدانة. لم تكن هذه قرصنة أو تهريباً أو مغامرة رومانسية. كانت استيلاءً منهجياً عبر قنوات مناسبة، مع عقود وإيصالات وطوابع رسمية. قضى الهولنديون تسعين عاماً في تعلم كل ما يحتاجون لمعرفته، ثم أخذوا شريحة ضيقة من الجينات التي يمكنهم إدارتها، تاركين وراءهم التنوع والمعرفة.

رابعاً، فجوة المعرفة. تُظهر الأبحاث الجينية الحديثة أن ما أطلق عليه مزارعو اليمن “عديني” أو “دويري” لم تكن أصنافاً جينية مستقرة بالمعنى الحديث – كانت أسماء عامية تُشفر أجيالاً من المعرفة الزراعية المرتبطة بالمكان، المناخ المحلي، طرق المعالجة. الأسماء نفسها كانت تكنولوجيا. عندما أخذ الهولنديون النباتات دون المعرفة، استولوا على البذور ولكن ليس على الفهم. حققوا الزراعة ولكن ليس التعقيد. أنتجوا الكمية ولكن ليس الجودة.

ما يذهلني هو: هذه الاكتشافات الأربعة تثبت نفس الشيء. صُنعت صناعة القهوة على اختناق جيني تم إنشاؤه بواسطة استخراج قانوني وثّق جريمته الخاصة بينما فشل في سرقة المعرفة الفعلية. لدينا الإيصالات. لدينا الأدلة الجينية. لدينا الأرشيفات التي تُظهر ما فُقد. ولدينا صناعة تواجه الآن انهياراً مناخياً لأن التنوع الذي احتجناه تُرك وراءنا، والمعرفة التي يمكن أن تنقذنا تموت في الجبال التي نقصفها.

لا تُظهر الأرشيفات العثمانية ما حدث فقط. إنها تُظهر أن الجميع كان يعرف ما يحدث، ووافق عليه من خلال القنوات القانونية المناسبة، ووثّق الدمار بدقة بيروقراطية. الكارثة التي نواجهها الآن كانت مدمجة في النظام منذ البداية، موثقة بثلاث نسخ، ومودعة بشكل صحيح.

هذا ما يُبقيني مستيقظاً في الليل. ليس أن تاريخ القهوة هو سرقة – بل أن السرقة كانت شاملة، قانونية، موثقة جيداً، لدرجة أننا أقنعنا أنفسنا بأنها تقدم. والآن الفقر الجيني الناتج عن تلك الاستيلاء “القانوني” يهدد الصناعة بأكملها، بينما الحلول موجودة في حقول مزارعي اليمن، مشفرة في أنظمة معرفية وثقتها الأرشيفات الاستعمارية بعناية قبل أن تساعد في تدميرها.

لدينا الدليل. كان لدينا الدليل دائماً. لقد فضّلنا فقط قصص القراصنة.

الطرق التقليدية كمستقبل

في كتابك عن قهوة اليمن، تقدم حجة قوية بأن الطرق الزراعية القديمة هي في الواقع المستقبل، خاصة مع تغير المناخ الذي يهددنا. ما الذي أقنعك بذلك؟

اللحظة التي أدركت فيها أن اليمن لديها إجابة لأي نوع من الإجهاد المناخي أو الإجهاد المرضي. قد يستغرق تلك الإجابة بضعة أجيال لتنمو، ولكن بحلول القرن السابع عشر، كانوا جاهزين لأي شيء يلقيه العالم عليهم. وفي كل مرة كانت فرصة لاستخدام أو تطوير قهوة أفضل. كان الأمر دائماً يتعلق بالجودة.

انظر إلى ما وثقته الأرشيفات العثمانية: أصناف للمدرجات العالية حيث يهدد الصقيع، أصناف للمنحدرات الشرقية الجافة، أصناف للوديان حيث تتجمع الحرارة. صنف خويلان الذي يعيش على 200 ملم من الأمطار سنوياً – هذا أقل مما تحصل عليه لاس فيغاس. صنف حراز الذي ينتج كرزاً حلواً في ظروف شبه صحراوية. سلالة باني مطر التي تقاوم مرض حبوب القهوة بدون أي مدخلات كيميائية.

في أي درجة حرارة، في أي ارتفاع تقريباً، عند أي تلميح للمرض – كان لديهم صنف جاهز. ليس فقط للبقاء، بل للتفوق. لم يكونوا يختارون للحصول على أقصى عائد أو سهولة الحصاد. كانوا يختارون للجودة تحت الإجهاد. مما يعني أنهم كانوا يربون عن غير قصد لما نحتاجه الآن بالضبط: المرونة مع التميز.

الدليل ليس فقط تاريخياً. إنه يحدث الآن في المسابقات. مزاد أفضل اليمن لعام 2024 سجل رقماً قياسياً عالمياً – 1,159 دولاراً للكيلوغرام لأعلى لوت. المتوسط كان 369 دولاراً للكيلو. هذا ليس علاوة عاطفية أو قصصية. تلك القهوات سجلت أكثر من 90 نقطة في التذوق الأعمى بواسطة حكام دوليين. واحدة سجلت أكثر من 90 نقطة – وهذا نادر للغاية لأي قهوة، في أي مكان.

وهنا ما هو أهم: هذه ليست لوتات استثنائية معزولة. التمثيل الكامل للقهوات من اليمن التي تشارك في المسابقات تسجل مستويات لا يمكن لأي منشأ آخر مطابقتها. لا يمكنك وصف أي قهوة أخرى بالطريقة التي تصف بها اليمن – كثيفة كالمربى، مع تعقيد يصعب على خبراء التذوق التعبير عنه. تلك الكثافة، تلك الشدة، هذا ما تنتجه ثمانية قرون من الاختيار تحت الإجهاد.

تنمو اليمن القهوة بمستويات هطول أمطار يقول الخبراء إنها تجعل الزراعة مستحيلة – بين 244 و379 ملم سنوياً مقابل 1,400 ملم التي تُعتبر الحد الأدنى. الأشجار لا تبقى فقط، بل تزدهر. وتنتج قهوة تجعل المشترين من المملكة العربية السعودية، اليابان، أوروبا، الولايات المتحدة يتنافسون في المزادات، مما يدفع الأسعار إلى مستويات تثبت أن الجودة ليست عن المدخلات – إنها عن المعرفة.

عندما دمر صدأ أوراق القهوة أمريكا الوسطى، كان لا بد من نقل الأصناف المقاومة من بنوك البذور. لكن مدرجات اليمن؟ يروي المزارعون هناك قصصاً عن الصدأ القادم “مثل النار عبر الجبال” منذ أجيال. بعض الأشجار نجت. زرعوا من تلك الناجيات. الآن قهوتهم “تضحك على الصدأ” – ما يسميه العلماء المقاومة الأفقية التي استغرقت برامج التربية الحديثة عقوداً لمحاولة تكرارها.

تغير المناخ يسرع كل شيء. ارتفاع درجات الحرارة، هطول الأمطار غير المنتظم، ضغوط الأمراض الجديدة – صناعة القهوة تنفق مليارات لمحاولة هندسة الحلول. في هذه الأثناء، كانت اليمن تجري هذه التجارب لمدة ثمانمائة عام. كل صنف حافظوا عليه كان تكيفاً مع الإجهاد. كل جيل من الاختيار كان يدرب القهوة على البقاء في ما أصبح الآن عالمياً.

الطرق التقليدية ليست متخلفة. إنها علم بيولوجي متطور يعمل بسرعة المواسم. ما استغرق الهولنديون تسعين عاماً لتقريبه، ما تكافح محطات البحث الحديثة لتكراره – لقد أتقنته اليمن من خلال الحفاظ على التنوع، الاختيار تحت ظروف الحقل الفعلية، وعدم فقدان الجودة كمقياس نهائي أبداً.

هذا ما أقنعني. ليس الرومانسية حول التقاليد، بل البيانات. الدراسات الجينية تُظهر تكيفاً فريداً. نتائج المزادات تثبت الجودة. الأدلة المناخية تُظهر اليمن تزرع القهوة في ظروف ستكون قياسية مع ارتفاع درجات الحرارة. الطرق التقليدية تعمل بشكل أفضل من البدائل الحديثة لأنها طُورت لحل مشاكل أصعب مما واجهته القهوة الحديثة – حتى الآن.

المستقبل يشبه ماضي اليمن. نحن فقط بحاجة إلى الاعتراف بذلك قبل أن يفوت الأوان للتعلم منه.

رؤية تبادل اليمن-هندوراس

تدريس تقنيات معالجة اليمن لمزارعي هندوراس هو تبادل ثقافي رائع. كيف تسير الأمور، وما التغييرات التي تراها على الأرض؟

إنه حلم الآن. لكن الحلم هو الذي يدفع كل شيء أفعله.

لدي رؤية مثالية تماماً لجلب مزارع قهوة من هندوراس إلى اليمن في مهمة استكشافية. مهمة دبلوماسية. مهمة احتفالية. أريد تصويرها، توثيقها، وجعل تلك المعلومات تؤثر بعمق على كيفية زراعة الجميع للقهوة في العالم – لإعادة معايرة نهج الصناعة بأكملها.

فكر فيما يعنيه ذلك: مزارع من هندوراس، شخص قيل له طوال حياته إن الممارسات الزراعية الحديثة هي “أفضل الممارسات”، يقف على مدرج يمني ينتج القهوة منذ 800 عام مع 200 ملم من الأمطار السنوية. يراقب كيف يتم اختيار الأصناف. يتعلم لماذا يتم الاحتفاظ بأشجار معينة حتى لو لم تنتج كثيراً في السنوات الجيدة – لأنها تأمين للسنوات السيئة. يفهم أن ما يبدو كالفوضى هو في الواقع إدارة مخاطر متطورة.

لن يكون التبادل حول نقل التقنيات. لا يمكنك فقط أخذ الطرق اليمنية وتطبيقها في هندوراس – السياقات مختلفة، التحديات مختلفة. لكن المبادئ؟ فلسفة الزراعة؟ هذا ما يمكن أن يغير كل شيء.

طورت اليمن زراعة القهوة من خلال القيود. تُعلم هندوراس تطويرها من خلال المدخلات – المزيد من الأسمدة، المزيد من المواد الكيميائية، المزيد من الري، المزيد من التدخل. ماذا يحدث عندما يرى مزارع من هندوراس أن القهوة ذات الجودة والقيمة العالية في العالم تأتي من النهج المعاكس؟ من تدخل أقل، مراقبة أكثر، فهم أعمق لما يحتاجه كل صنف بدلاً من إجبار جميع الأصناف على التوافق مع نظام واحد؟

أريد توثيق مزارع من هندوراس يتعلم من مزارع يمني كانت عائلته تختار القهوة لمدة سبعة وثلاثين جيلاً. ليس كسياحة زراعية رومانسية، بل كنقل معرفي جاد بين أقران. النوع من التبادل الذي كان يجب أن يحدث منذ 400 عام ولكنه لم يحدث لأن القوى الاستعمارية لم تكن مهتمة بالتعلم – كانت مهتمة بالأخذ.

سيكون هذا مختلفاً. سيعترف بأن اليمن تملك معرفة يحتاجها بقية العالم. أن الطرق “البدائية” هي في الواقع تكنولوجيا حيوية متقدمة. أن تغير المناخ يعني أننا بحاجة إلى التعلم من أشخاص كانوا يزرعون في ظروف مناخية متطرفة لقرون، وليس من محطات بحث تحاول هندسة المرونة في ظروف خاضعة للرقابة.

التغييرات التي أريد رؤيتها ليست فقط في هندوراس. أريد لهذا التبادل أن يعيد معايرة كيفية تفكير صناعة القهوة بأكملها في الزراعة. للانتقال من “كيف نجعل القهوة تناسب أنظمتنا الصناعية” إلى “كيف نعمل مع ما تعلمته القهوة بالفعل من خلال قرون من التكيف.”

لذا لا، لم يحدث ذلك بعد. لكن هذه هي المهمة. هذا ما يبني نحوه كل هذا – خلق الظروف التي تجعل هذا التبادل ممكناً، حيث يتم توثيقه، حيث يغير كيف نفكر في مستقبل القهوة من خلال الانتباه أخيراً إلى ماضيها.

مهمة استكشاف الحقائق التي أحلم بها ليست فقط عن العثور على الحقائق. إنها عن العثور على المستقبل من خلال التعلم من الأشخاص الذين كان يجب أن نتعلم منهم طوال الوقت.

رؤية الخمس سنوات

تقدم سريعاً خمس سنوات – أين ترى هذه الشراكة بين هندوراس واليمن، وكيف تعتقد أنها ستغير طريقة تفكير العالم في القهوة؟

لقد تبلور هذا السؤال بالنسبة لي، خاصة في العام الماضي. لقد تجاوزت التفكير في أن الأمر يتعلق فقط بضمان تعويض عادل للمزارعين. هذه مسؤولية كل دولة، بالتأكيد، لكنني الآن أركز أكثر على بناء الأمة في مجتمعات القهوة في جميع أنحاء العالم.

في مجتمعات القهوة في كل مكان، هناك مشاكل بطالة عميقة. والإمكانات الاقتصادية الحقيقية تكمن حيث تكمن دائماً – في كيفية معالجتهم لمواردهم الأساسية. كيف يمكنهم التحكم والاستيلاء على ثروة القهوة المحمصة. كيف يمكنهم فعل الأشياء بطريقتهم.

في غضون خمس سنوات، أرى هذه العلاقة تتكشف عبر جميع المنشآت. هناك تبادل عميق للمعرفة، والممارسة، والفهم، والدعم عالي الدقة حيث نساعد بعضنا البعض في السعي لخلق سيادة وطنية حقيقية وتنمية مستدامة فعلية.

لأن الاعتماد على وكالات المساعدات التي تتوقف مساعدتها في اللحظة التي تريد فيها الدول تصنيع هذا القطاع من اقتصادها قد أثبت أنه لن يحقق أهدافه أبداً. أهداف مجمع الاستدامة الشمالي لا تتماشى مع أهداف السعي الجنوبي للاستدامة والسيادة الاقتصادية.

ما أتخيله هو أن الدول المنتجة للقهوة تتعلم من بعضها البعض، تعلم بعضها البعض تقنيات المعالجة الخاصة بهم، تشارك استراتيجيات تطوير السوق الخاصة بهم، وتدعم تصنيع بعضها البعض. اليمن تعلم هندوراس. هندوراس تعلم إثيوبيا. إثيوبيا تعلم كولومبيا. لا تنتظر الإذن من الشمال. لا تقبل نموذج تطوير يبقيها معتمدة بشكل دائم على تصدير المواد الخام.

شراكة هندوراس-اليمن هي القالب. إنها تُظهر ما هو ممكن عندما تتصل الدول المنتجة مباشرة، تشارك المعرفة أفقياً، وترفض قبول فخ السلع كأمر لا مفر منه. في غضون خمس سنوات، آمل أن أرى هذا يتكرر عبر عشرات الدول المنتجة – كلها تبني قدرتها على التحميص، علاماتها التجارية الخاصة، وصولها المباشر إلى السوق، وسيادتها الاقتصادية الخاصة.

هكذا نغير طريقة تفكير العالم في القهوة. ليس من خلال طلب من الدول المستهلكة أن تكون أكثر أخلاقية في مشترياتها، بل من خلال سيطرة الدول المنتجة على مصيرها الاقتصادي.

Continue reading “كسر فخ السلع.. حوار مع بيرك كامبل حول القهوة، السيادة، وبناء الأمة”

من القدس إلى العالم.. “قهوة إزحيمان” تحافظ على إرث القهوة الفلسطينية منذ أكثر من قرن

دبي – علي الزكري

من أزقة القدس القديمة، وتحديدًا من سوق خان الزيت العريق، بدأت عام 1921 حكاية قهوة أصبحت جزءًا من ذاكرة المدينة ورمزًا لأصالتها. هناك، أسس الجد أول محل ومحْمصة قهوة ليبدأ إرثًا عائليًا امتد عبر الأجيال، حافظ على الطابع التقليدي ونقله بروح الحداثة، حتى أصبح اسم «بن إزحيمان» مرادفًا للجودة والهوية الفلسطينية في فنجان كل بيت. اليوم، يقود محمود إزحيمان، حفيد المؤسس ومؤسس أول أكاديمية للقهوة المختصة في القدس، مسيرة عائلية تجمع بين التراث والمعرفة الحديثة، واضعًا العلم والتطوير في خدمة الإرث الفلسطيني، ومؤمنًا بأن القهوة ليست مجرد مشروب، بل هوية وثقافة تستحق أن تُروى للعالم.

في هذا الحوار الخاص مع قهوة ورلد، يتحدث محمود إزحيمان عن قصة عائلته مع القهوة التي تمتد لأكثر من قرن، وعن تحديات وتطلعات القهوة الفلسطينية، ورؤيته لمستقبل هذا القطاع في القدس والمنطقة العربية.

حدثنا عن تاريخ عائلتكم في تجارة القهوة، كيف كانت البداية، وما الذي يميز تجربتكم عن غيرها؟

بداية القصة تعود إلى جدي الذي أسس أول محل ومحْمصة قهوة في القدس القديمة، في سوق خان الزيت عام 1921. كانت القهوة في ذلك الوقت ليست مجرد مشروب، بل جزءًا من الحياة اليومية والهوية الثقافية للناس. ما ميّز تجربتنا هو أننا استطعنا الحفاظ على هذا التراث وتطويره عبر الأجيال، وبنينا علاقة ثقة قائمة على الجودة مع الزبائن. هذه الثقة تحولت إلى إرث داخل البيوت، وجعلت من «بن إزحيمان» علامة للجودة في فنجان كل بيت دون أن نفقد أصالتنا. اليوم، «بُن إزحيمان» أصبح اسمًا مرتبطًا بالقدس وتاريخها، وهذه الثقة التي بنيناها على مدار أكثر من قرن هي سر تميزنا.

كيف انتقل الشغف بالقهوة من جيل إلى آخر داخل العائلة حتى وصل إليكم؟

الشغف لم يكن تجارة أو مهنة فقط، بل كان أسلوب حياة. كنت أرى والدي وعمّي وأسمع دائمًا عن كيف كان أجدادي يتعاملون مع القهوة كشيء مقدس، بكل دقة وحب. هذا الحب انتقل إليّ بشكل طبيعي، ومع مرور الوقت طوّرت شغفي بالعلم والمعرفة من خلال الالتحاق بالبرامج والمناهج الدولية، والحصول على شهادات ودورات متخصصة. اليوم أعتبر نفسي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العائلة، لكن مع بصمة حديثة قائمة على العلم والابتكار.

A historical black-and-white photo from Jerusalem showing a vintage car bearing the “Izachman Coffee” sign surrounded by people and children — a glimpse into the early legacy of Palestinian coffee culture.

بصفتك مؤسس أول أكاديمية للقهوة المختصة في القدس، كيف تصف وضع صناعة القهوة هناك اليوم؟

الوضع الحالي هو مزيج بين التحدي والفرصة. القدس وفلسطين تملكان إرثًا طويلًا مع القهوة، فهي جزء من الهوية الثقافية والاجتماعية. صناعة القهوة اليوم ما زالت ترتكز على القهوة العربية والتركية والإسبريسو بمختلف أنواعه، سواء كمشروب يومي أو كمنتج يُحضّر في البيت. هذه الأنماط التقليدية تمثل الغالبية العظمى من الاستهلاك وتشكل أساس المشهد القهوي المحلي. لكن القهوة المختصة بدأت تشق طريقها، وهناك فضول ووعي متنامٍ عند الشباب للتعرف على الجودة والمعايير العالمية، ما يمنحنا فرصة لبناء جيل جديد من المحترفين القادرين على رفع مستوى القطاع وخلق مجتمع قهوي أكثر وعيًا.

كيف أثرت الظروف الجيوسياسية والحرب على قطاع القهوة في القدس وفلسطين؟

الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة أثرت بشكل مباشر، سواء من ناحية صعوبة الاستيراد، وارتفاع التكاليف، أو تراجع القوة الشرائية. لكن في المقابل، هذه الظروف عززت لدينا الإصرار على التمسك بثقافتنا وإثبات وجودنا من خلال القهوة. فهي لم تعد مجرد مشروب، بل رمز للصمود وكرم الضيافة. التمسك بعادات القهوة أصبح جزءًا من الحفاظ على الهوية.

ما مدى إقبال الناس في القدس على القهوة المختصة مقارنة بالتقليدية؟

القهوة التقليدية ما زالت تحتفظ بالحصة الأكبر، فهي جزء من الهوية القومية وعادات الضيافة. لكن الإقبال على القهوة المختصة يتزايد، خصوصًا بين الجيل الصاعد الباحث عن التجديد ومواكبة التطور. اليوم نرى مقاهي تحاول دخول سوق القهوة المختصة في القدس ورام الله وحتى المدن الصغيرة، وهذا الاتجاه بحد ذاته مؤشر على نمو ثقافة جديدة.

كيف ترى مستقبل القهوة المختصة في فلسطين؟

أنا متفائل جدًا. الطريق مليء بالتحديات، لكن المستقبل واعد. الفلسطيني ذواق بطبيعته ويملك حسًا مميزًا تجاه النكهات. بلادنا مليئة بالطاقات الشبابية، وإذا وفرنا لهم التدريب والدعم، سيخلقون مشهد قهوة مختصة يضاهي أي مكان في العالم. ربما النمو أبطأ من دول أخرى، لكن الاتجاه واضح وصاعد.

Mahmoud Izachman stands at the entrance of Izhiman Coffee in Jerusalem, surrounded by traditional decor and copper coffee equipment, representing a blend of heritage and modern specialty coffee culture.

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأكاديميات ومراكز التدريب في نشر ثقافة القهوة المختصة؟

الأكاديميات هي العمود الفقري لأي نهضة في هذا القطاع. من خلالها ننقل المعرفة ونبني المهارات ونخلق وعيًا حول الجودة والاستدامة. الأكاديمية ليست مجرد مكان للتدريب، بل منصة لتغيير الثقافة وبناء مجتمع قهوة محترف.

حدثنا عن زيارتك الأخيرة إلى دبي، وما الذي لفت انتباهك في مشهد القهوة هناك؟

الزيارة كانت بهدف استكمال متطلبات الترخيص من جمعية القهوة المختصة، وبناء جسور مع رواد القطاع. أكثر ما لفت انتباهي هو التنوع والانفتاح في مشهد القهوة في الإمارات، حيث تجتمع كل المدارس من المحامص الصغيرة إلى العلامات العالمية. المجتمع القهوي هناك يتميز بروح التعاون والمشاركة، ومستوى الاستثمار في الجودة والتجربة لدى المستهلك ملفت للنظر، وهذا ما نطمح لخلقه تدريجيًا لدى المستهلك الفلسطيني.

كيف تقيم سوق القهوة المختصة في الإمارات؟ وهل هناك فرص تعاون مستقبلية؟

السوق الإماراتي ناضج ومتنوع ويضم مستهلكين واعين يبحثون عن الجودة. هذا التنوع يشكل بيئة مثالية للتعاون، سواء أكاديميًا أو تجاريًا. نعمل على تسويق منتجات «بن إزحيمان» في الإمارات، والترويج لخط «Izpresso» المختص بخلطات الإسبريسو وكبسولات نسبريسو. كما نخطط لمشاريع تدريبية واستشارية في المنطقة، معتمدين على شراكات ذكية وتبادل خبرات.

ما طموحاتكم المستقبلية للأكاديمية والمشاريع القادمة؟

نطمح أن تصبح الأكاديمية مرجعًا وطنيًا ثم إقليميًا عربيًا في مجال القهوة المختصة، لتخريج خبراء قادرين على ترك بصمتهم في أي مكان. كما نسعى لتطوير مشاريع مرتبطة بالاستدامة والابتكار في القهوة ليكون لنا دور عالمي لا يقتصر على المحيط المحلي.

Mahmoud Izachman participates in a professional coffee cupping session, carefully tasting and evaluating different brews — a moment reflecting his expertise and dedication to specialty coffee education.

كيف تتخيلون صناعة القهوة في القدس خلال السنوات العشر القادمة؟

أتوقع أن تصبح أكثر نضجًا ووعيًا بالجودة والاستدامة. القهوة المختصة ستأخذ حصة أكبر، والمقاهي ستركز أكثر على التجربة الكاملة. أتمنى أن نرى مشهدًا قهويًا يعبر عن هويتنا، يجمع بين التراث والحداثة، ويصبح نموذجًا يحتذى به في المنطقة.

ما التحديات التي تواجهكم كونكم الأكاديمية الأولى في هذا المجال؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟

من أبرز التحديات نشر المعلومة الصحيحة وإقناع المجتمع بأهمية الاستثمار في التعلم. لا يزال المجال جديدًا نسبيًا، والكثير من المعلومات المنتشرة غير دقيقة. الحل هو طرح دورات مدعومة بأسعار رمزية أو مجانية في البداية لجذب المهتمين وتعريفهم بالأسس الصحيحة، مما يخلق مجتمعًا قهويًا يدرك قيمة الحداثة حتى في أكثر المجالات ارتباطًا بالأصالة.

Continue reading “من القدس إلى العالم.. “قهوة إزحيمان” تحافظ على إرث القهوة الفلسطينية منذ أكثر من قرن”