ماتياس كون: الماء الجيّد يصنع قهوة رائعة

أبوظبي – قهوة ورلد

ضمن سلسلة قهوة ورلد توكس التي أُقيمت على هامش أسبوع الغذاء في أبوظبي 2025، كشف الألماني ماتياس كون، خبير المياه والمتخصص في الضيافة من مدينة هامبورغ الألمانية، عن أحد العناصر الأكثر إهمالًا في عالم القهوة: الماء.

يقول كون: «عندما تنظر إلى فنجان القهوة، ستجد أن 98% منه ماء، وجودة هذا الماء هي ما تحدد جودة نكهة القهوة».

ويؤكد كون أن القهوة الجيدة تبدأ بالماء «الفارغ»، أي الماء الذي يحتوي على أقل قدر ممكن من المعادن أو المواد المذابة.

ويوضح: «إذا كان الماء ممتلئًا بالمعادن، فلن يتمكن من استخراج النكهات من القهوة المطحونة بالشكل الصحيح. تخيّله مثل قطار مترو مزدحم، لا مكان فيه لراكب جديد».

وينصح المستهلكين بمراجعة مؤشر TDS (إجمالي المواد الصلبة الذائبة) على عبوات المياه المعبأة، فكلما كانت القيمة أقل، كان الماء أنقى.

وأشار إلى أن الماء المعدني ليس مفيدًا كما يُعتقد، فالجسم لا يستطيع امتصاص المعادن الكبيرة الموجودة فيه، مضيفًا: «احصل على المعادن من الفواكه والخضروات الطازجة، وليس من الماء».

وأوضح كون أن درجة حرارة الماء تلعب دورًا أساسيًا في عملية الاستخلاص، مشيرًا إلى أنه في طرق التخمير اليدوية مثل (V60)، يجب أن تكون درجة الحرارة حوالي 96 درجة مئوية، لأن الماء الساخن جدًا قد يحرق القهوة، خصوصًا في الآلات المضغوطة.

وعن أهمية الماء في بطولات إعداد القهوة مثل بطولة الإيروبرس، أكد كون حقيقة مثيرة قائلًا: «يمكنك الفوز بالبطولة فقط باختيار الماء المناسب، فالماء ليس مجرد مكوّن، بل عنصر حاسم في الأداء».

وحذّر كون من استخدام عبوات المياه البلاستيكية، موضحًا أن الماء يمتص جزيئات دقيقة من البلاستيك بمرور الوقت، وقال: «من يشرب مياهًا معبأة بانتظام يستهلك ما يعادل بطاقة ائتمان كاملة من البلاستيك كل شهر».

ونصح كون باستخدام عبوات زجاجية وأنظمة تنقية منزلية مثل التحلية بالتناضح العكسي (Reverse Osmosis) للحصول على ماء صحي ونقي يحسّن الطعم ويحمي الجسم.

وعن نصيحته لمستهلكي القهوة العاديين، قال كون: «استثمر في جهاز تنقية مياه جيد، سيوفّر لك المال على المدى الطويل، ويحافظ على صحتك، ويُبرز أفضل نكهات قهوتك».

أما نصيحته لمحترفي القهوة فهي: «يجب تثقيف العملاء والباراتستا حول أهمية الماء، فحتى أجود أنواع البن وأفضل عمليات التحميص تفقد قيمتها إن لم يُستخدم الماء المناسب».

واختتم كون حديثه قائلًا: «الماء ليس مجرد ناقل، بل هو روح القهوة. عندما تجمع بين قهوة ممتازة وماء نقي، ستحصل دائمًا على فنجان استثنائي».

Continue reading “ماتياس كون: الماء الجيّد يصنع قهوة رائعة”

أناتولي غوربونوف يكشف لـ«قهوة ورلد» حكاية أغلى كوب قهوة في العالم

دبي – علي الزكري

في سبتمبر الماضي، كانت دبي على موعد مع حدثٍ غير مسبوق أدخلها رسميًا إلى صفحات موسوعة غينيس للأرقام القياسية، بعدما سجّلت سلسلة «روسترز سبيشالتي كوفي هاوس» اسمها كصاحبة أغلى كوب قهوة في العالم بقيمة 680 دولارًا.

الحدث لم يكن مجرد إنجاز تجاري، بل قصة من الشغف، والإصرار، والبحث عن الكمال في كل تفصيل، كما يرويها لـ«قهوة ورلد» أناتولي غوربونوف، المدير العام للمشروبات في المجموعة.

من فكرة صغيرة إلى حلمٍ عالمي

يبدأ أناتولي حديثه قائلاً: «القصة بدأت من رغبتنا في الحصول على بن “إسميرالدا” من بنما، أحد أندر وأغلى أنواع القهوة في العالم. حاولنا لسنوات الفوز به في المزادات العالمية، لكننا كنا نخسر في كل مرة. إلى أن قال لي المؤسس والرئيس التنفيذي كونستانتين هاربوز في يناير الماضي: أريد هذا البن مهما كلف الأمر، استخدم علاقاتك واتصالاتك ودعنا نحصل عليه.»

يضيف أناتولي: «لم يستغرق الأمر أكثر من أسبوع من الاتصالات والبحث حتى وجدت من يمتلك كمية صغيرة منه. وبعد مفاوضات طويلة، اشترينا ثلاثة كيلوغرامات من هذا البن النادر رغم ارتفاع سعره، لكننا كنا نريده بشدة، فحصلنا عليه.»

تجربة لا تُشبه غيرها

لم يكن الهدف تقديم قهوة عادية، بل تجربة استثنائية متكاملة. «أدرجنا قهوة “إسميرالدا” في قائمتنا في أحد فروعنا في البوليفارد بوسط المدينة، وصممنا طريقة تقديم فريدة تمامًا: تُقدَّم في أكواب زجاجية مزدوجة الجدار مصنوعة يدويًا، مع حلوى خاصة أُعدّت خصيصًا لتكمل نكهات القهوة.»

ويتابع أناتولي: «لا يمكن للضيف طلبها مباشرة، بل يجب عليه الحجز مسبقًا قبل يوم كامل، لأننا نحضر رئيس التحميص خصيصًا ليُعدّها أمامه في تجربة فردية حصرية. خلال التحضير نروي للضيف قصة القهوة، رحلتها من المزرعة إلى المزاد، ولماذا تُعدّ من أثمن حبوب البن في العالم.»

من الفكرة إلى الرقم القياسي

في أبريل الماضي، وبعد أسابيع من إدراج “إسميرالدا” في القائمة، طُرحت فكرة جعل التجربة حدثًا عالميًا. «خلال أحد اجتماعاتنا الشهرية، قلنا لأنفسنا: لماذا لا نُسجّل رقمًا قياسيًا عالميًا؟» يقول أناتولي. بدأ التواصل مع إدارة «غينيس»، ليتبيّن بعد مراجعة السجلات أن أغلى كوب قهوة مسجّل في العالم حتى ذلك الحين كان بسعر 140 دولارًا فقط. «أدركنا أن أمامنا فرصة حقيقية لوضع دبي على الخريطة العالمية.»

لكن تحقيق الرقم القياسي لم يكن مجرد إعلان. «كان علينا تقديم كل الأدلة التي تُثبت السعر وسببه: فواتير الشراء من المزاد، نتائج المزادات البنمية، تقارير من نظام نقاط البيع (POS) تُثبت أن القهوة تُباع فعليًا في قائمتنا، وشهود مستقلين. فموسوعة غينيس لا تسجّل رقمًا من دون مبررات واقعية.»

لحظة التزامن المثالي

تم تحديد موعد المحاولة في أغسطس 2025، إلا أن أناتولي لاحظ أن المزاد البنمي السنوي يقام في الشهر نفسه. «انتظرنا النتائج، وفازت مزرعة “إسميرالدا” بثلاث فئات دفعة واحدة، وحققت سعرًا تاريخيًا بلغ نحو 30 ألف دولار للرطل الواحد — الأعلى في تاريخ المزادات العالمية. كان ذلك دليلاً حاسمًا على قيمة القهوة التي حصلنا عليها، فقررنا المضيّ قدمًا.»

وفي 13 سبتمبر، حضر مفتش رسمي من «غينيس» إلى فرع «روسترز» في دبي، حيث أُعدّت القهوة أمامه وسط حضور الشهود والمصورين.

«تم التحقق من كل شيء، من الفواتير إلى طريقة التقديم، وفي نهاية اليوم سلّمنا المفتش شهادة الرقم القياسي العالمي. كانت لحظة مؤثرة لا تُنسى لكل الفريق.»

دبي على خريطة القهوة العالمية

يبتسم أناتولي وهو يستعيد ردود الفعل: « تلقينا اتصالاً من السيد خالد الملا، رئيس جمعية القهوة المختصة في الإمارات، الذي قال إن هذا الإنجاز لا يُعدّ نجاحًا لعلامتنا فقط، بل لدبي بأكملها، التي أثبتت أنها مركز عالمي لصناعة القهوة الراقية.»

ويضيف: «سمحت لنا “غينيس” باستخدام شعارها لمدة ستة أشهر، وهو امتياز نادر للغاية لأنها علامة محمية. استخدمناه على عبوات القهوة وعلّقنا الشهادات في كل فروعنا. النتيجة؟ ارتفاع واضح في الوعي بالعلامة التجارية، وزيادة في الطلب على تجربة “إسميرالدا”، وموجة تغطية إعلامية واسعة شملت قنوات وإذاعات وصحفاً محلية وعالمية.»

ما وراء الإنجاز؟

لم يتوقف تأثير الحدث عند المبيعات أو الشهرة، بل امتد إلى الداخل. «الإنجاز رفع الروح المعنوية للفريق بأكمله. الجميع شعر بأنه جزء من قصة نجاح حقيقية. كما لاحظنا زيادة كبيرة في الطلب على فرص التدريب لدينا. نحن نمتلك برامج تأهيل قوية وأكاديمية داخلية لتدريب العاملين على فنون التحميص والتحضير.»

ويضيف: «نقيم أيضًا مسابقات داخلية لاكتشاف المواهب الجديدة، وهذا يعزز العمل الجماعي ويخلق بيئة مليئة بالحماس والطموح.»

رحلة البحث مستمرة

لا يتحدث أناتولي عن “إسميرالدا” كذروة المسار، بل كبداية لرحلة جديدة… «نواصل البحث عن الأنواع النادرة والاستثنائية. لدينا بالفعل أصناف مثل “كولومبيا ووش ووش” و“تووتي فرووتي”، كما نتفاوض مع شركة يابانية تمتلك مزارع في كوستاريكا، من بينها مزرعة حازت على لقب Cup of Excellence.

نستورد بانتظام بن اليمن، ونراقب باستمرار توافر “جامايكا بلو ماونتن”، رغم أن 95% من إنتاج جامايكا يذهب إلى اليابان. هدفنا أن نحافظ على وجود هذه القهوة الفاخرة دائمًا في قائمتنا.»

ويضيف: «نخطط أيضًا للمشاركة في المزادات القادمة في بنما واليمن، وكذلك المزادات التي ستُقام خلال معرض “عالم القهوة دبي” في يناير المقبل.»

من دبي إلى العالم

تمتلك «روسترز» اليوم تسعة فروع عاملة في دبي، والعاشر يُفتتح في دبي هيلز الأسبوع المقبل، مع خطط للوصول إلى 12 فرعًا بنهاية العام.

«نعمل كذلك على التوسع إلى أبوظبي، هونغ كونغ، ولندن، ونعتبر السوق السعودية وجهة واعدة لامتيازنا التجاري. رؤيتنا أن تكون “روسترز” رمزًا للجودة والابتكار في عالم القهوة عالميًا.»

Continue reading “أناتولي غوربونوف يكشف لـ«قهوة ورلد» حكاية أغلى كوب قهوة في العالم”

كسر فخ السلع.. حوار مع بيرك كامبل حول القهوة، السيادة، وبناء الأمة

دبي – علي الزكري

القهوة ليست مجرد طقس صباحي، بل هي صناعة عالمية غارقة في التاريخ، وديناميكيات القوة، والإمكانيات غير المستغلة. في هذا الحوار المثير، يشارك بيرك كامبل، الكندي من أصول كري-ميتيس الذي ترك رمال النفط في ألبرتا ليعمل في مزارع القهوة في هندوراس، رحلته في ربط النقاط بين استخراج الموارد، والسيادة الاقتصادية، والتنمية المستدامة. من استيقاظه الشخصي إلى التوازي بين مجتمعات السكان الأصليين في كندا ومزارعي القهوة في هندوراس، مروراً بعمله الرائد في ربط إرث القهوة اليمني القديم بالأسواق الحديثة، قصة بيرك هي قصة صمود ورؤية وسعي لا هوادة فيه لتحقيق العدالة. انضموا إلينا في هذا الحوار المثير حول إعادة تعريف مستقبل القهوة من خلال استعادة ماضيها.

نشأتك كري مع والد يعمل في رمال النفط يجب أن تكون قد منحتك منظوراً فريداً حول استخراج الموارد. ما هي تلك اللحظة التي أدركت فيها أنك بحاجة إلى ترك كل ذلك خلفك والتوجه إلى هندوراس للعمل في التنمية المستدامة؟

لم تكن لحظة واحدة، بل كانت استيقاظاً بطيئاً استغرق سنوات لفهمه.

إليك ما لا يعرفه الناس عن عمل والدي في رمال النفط: تلك الرمال هي خط الفخاخ التقليدي لعائلتنا. هناك تربى والدي طفلاً، حيث عاشت عائلتنا لأجيال. تلك الأرض ملكنا، لكنها لم تعد كذلك بعد الآن. انتهى الأمر بعائلتي هناك بعد سلسلة من الهجرات القسرية، ثم انتهى الأمر بوالدي يعمل في الصناعة على أرض أجداده.

لكن الجرح الأعمق هو: شعبي لم يُدعَ حتى للمشاركة. أصبح والدي أول مشرف عام من السكان الأصليين في أي من الحرف هناك، وكان ذلك ممكناً فقط من خلال قضايا الهوية العميقة التي حملها. كان ثمن الدخول هو فقدان أجزاء من ذاته.

زرعت والدتي بذوراً مختلفة. لم تكن من السكان الأصليين، لكنها كانت أخصائية اجتماعية في ألبرتا كرست نفسها للعمل مباشرة مع القبائل الهندية في المجتمعات الشمالية. قبل أن أبلغ الثانية عشرة، انتقلنا عبر العديد من هذه المجتمعات لدرجة أنني شاهدت بنفسي ما يبدو عليه عندما تُطوَّر أرضك بدونك، عندما تُستبعد من الأنظمة المبنية فوق ما كان ملكك، عندما يدفع القليلون الذين ينجحون في المشاركة ثمناً لا يظهر في راتب.

لذلك نشأت وأنا أفهم الجانبين. أظهر لي والدي ما يكلفه المشاركة في أنظمة لم تُبنَ لك. أظهرت لي والدتي ما يحدث للمجتمعات التي تراقب الثروة تُستخرج من أراضيها بينما هم مستبعدون.

عندما وصلت إلى هندوراس لأول مرة، كنت لا أزال ساذجاً للغاية. لم أرَ الصلة بين تلك المجتمعات في شمال ألبرتا ومزارعي القهوة الذين كنت ألتقي بهم. لكن مع قضائي المزيد من الوقت في المزارع، بدأت أتعرف على أنماط موازية: المنتجون مستبعدون من القيمة التي تخلقها أراضيهم، المشترون الخارجيون يتحكمون في الشروط، المزارعون القليلون الذين ينجحون في اختراق أسواق التخصص يضطرون للتكيف مع أنظمة لم تُصمم معهم في الاعتبار، الثروة تتدفق إلى الخارج بينما تظل المجتمعات مهمشة.

هناك تبلورت الفكرة بالنسبة لي. أدركت أن لدي مسؤولية اجتماعية عميقة ككندي لاستخدام كل ما أُعطيته – صوتي، وصولي، جواز سفري، فهمي لهذه الأنظمة – ليس لتكريس سلسلة سلع أخرى يُستبعد فيها المنتجون من القيمة، بل للنضال من أجل مجتمعي الجديد في هندوراس. للتأكد من أن القهوة لن تفعل بعائلات المزارعين ما فعله النفط بالمجتمعات التي خدمتها والدتي.

أنا كري-ميتيس. أفهم ماذا يعني وصول الغرباء وهم يعدون بالازدهار. نشأت وأنا أراقب ما يحدث عندما تولد أرضك الثروة التي لا تُدعى أبداً لمشاركتها.

البدء من جديد في هندوراس

البدء من جديد في بلد جديد في سن 34 لم يكن سهلاً بالتأكيد. ما كان أصعب جزء في تلك الأيام الأولى في هندوراس، وما الذي أبقاك مستمراً عندما أصبحت الأمور صعبة؟

وصلت لأول مرة عندما كنت في الثامنة والعشرين. بحلول سن الحادية والثلاثين، كنت متزوجاً ولدي طفل واحد، وأباً لاثنين آخرين، وعماً لخمسة آخرين كانوا يعيشون معي كأبنائي. لذا لم يكن الأمر مجرد بدء من جديد في بلد جديد، بل كان مسؤولية مفاجئة عن ثمانية أطفال في مكان بالكاد فهمته.

الحقيقة هي أن السنوات السبع عشرة الماضية كانت تتمحور حول تقسيم وقتي بين العمل في كندا والعيش في هندوراس. لم تكن القهوة أبداً مصدر رزقي الكامل، بل ساعدت، لكن كان عليّ أن أفعل كل ما يلزم لجعل الأمور تعمل.

أطفالي هم من أبقوني مستمراً. فعلت كل ما بوسعي لحمايتهم من كل المشاكل التي تأتي من العيش في مكان مثل هذا، عادةً على حساب استقراري الشخصي. لم يكن حاجز اللغة أو التكيف الثقافي أو حتى عدم الاستقرار الاقتصادي هو الجزء الأصعب، بل كان العلم بأن كل قرار اتخذته، كل شهر قضيته في العمل في كندا، كل مخاطرة اتخذتها مع القهوة، كانت تؤثر مباشرة على ما إذا كان هؤلاء الأطفال سيحصلون على ما يحتاجونه.

ثم جاءت جائحة كوفيد، واضطررت للبقاء في كندا لمدة عامين. لم أتمكن من العودة إلى هندوراس، ولم أتمكن من أن أكون مع عائلتي. كان بإمكان ذلك الانفصال أن يكسر كل شيء، لكنه أصبح الوقت الذي اكتشفت فيه اليمن.

أصبحت مهووساً. بدأت بالبحث في أرشيفات العثمانيين، والدراسات الجينية، والنصوص التاريخية، أي شيء يمكنني العثور عليه عن قهوة اليمن. وحدث شيء ما. فجأة، استطعت أن أرى الخيط المشترك الذي يربط كندا، وهندوراس، واليمن. ثلاثة أماكن بدت غير مرتبطة تماماً، لكنها تشترك في نفس القصة: مجتمعات مستبعدة من الثروة التي تولدها أراضيها، أنظمة معرفية رفضها خبراء خارجيون، أشخاص أُجبروا على المشاركة في اقتصادات صُممت بدونهم.

أعطاني اليمن الإطار لفهم ما كنت أفعله في هندوراس طوال الوقت. لم يكن الأمر يتعلق فقط بأسعار أفضل للقهوة، بل كان يتعلق باستعادة السرد، واستعادة الوكالة، وإثبات أن الطرق القديمة ليست متخلفة، بل إنها المستقبل، خاصة وأن تغير المناخ يجبر الصناعة أخيراً على الانتباه إلى ما عرفه المزارعون منذ زمن طويل.

لكنني لن أغير شيئاً. أعطاني هؤلاء الأطفال سبباً أكبر من نفسي. إنهم السبب في بقائي عندما كان من الأسهل المغادرة. إنهم السبب في استمراري في دفع القهوة حتى عندما لم تكن منطقية من الناحية المالية. إنهم السبب في أهمية اليمن كثيراً، لأنني كنت بحاجة إلى بناء شيء يمكن أن يعمل لهم، لمجتمعهم، لمستقبلهم. أظهر لي اليمن الطريق.

بناء الثقة مع المزارعين

بناء الثقة مع المزارعين هو كل شيء في هذا العمل. كيف اكتسبت تلك الثقة مع مزارعي القهوة في هندوراس، وما هي اللحظة التي جعلت كل شيء يبدو يستحق العناء؟

بناء الثقة هو الجزء الأصعب. ما زلت أعمل عليه. وبصراحة، بدأت أتساءل عما إذا كانت كلمة “الثقة” هي الكلمة الصحيحة حتى.

رأيت بنفسي كيف أن التجارة المباشرة مع المزارعين كانت غير كافية. بالتأكيد، يمكننا تحقيق فرق في السعر لموسم واحد، لكن بعد ذلك كانت شركتي تريد أن تكون هناك في الموسم التالي والتالي والتالي. شاهدت كيف خلق ذلك تبعياته الخاصة، وديناميكيات قوته الخاصة. يتطلب الأمر أكثر بكثير من مجرد أسعار أفضل.

أظهر لي اليمن أنك بحاجة إلى بناء علاقات أبدية. الزراعة هي ممارسة تأتي من تاريخ إنساني عميق. كل شيء نستهلكه اليوم تقريباً كان نتيجة مئات أو حتى آلاف السنين من أشخاص أخذوا الحبوب والبقوليات البرية وحولوها تماماً إلى شيء يمكن أن يدعمنا. تلك المعرفة، تلك الممارسة، تلك العلاقة مع الأرض والنبات – إنها جيلية. إنها أبدية.

لذلك عندما نتحدث عن “بناء الثقة”، ما زلنا نعمل ضمن إطار حيث أنا الغريب الذي يحتاج إلى كسب شيء منهم. هذا الإطار نفسه يكشف عن اختلال توازن القوة. مجرد قولي إنني بحاجة إلى بناء الثقة مع المزارعين يعني أن هناك دائماً نوعاً من عدم المساواة الاقتصادية حيث أملك قوة لا يملكونها.

لا أعتقد أنني بدأت حتى في تحقيق هدفي. لأن الهدف ليس الثقة. الهدف هو السيادة الاقتصادية الحقيقية لمجتمعات الزراعة. الثقة هي مجرد كلمة بديلة لشيء أكبر بكثير – القدرة على التحكم في رواياتهم الخاصة، سلاسل القيمة الخاصة بهم، مستقبلهم الخاص. حتى يحدث ذلك، ما زلت جزءاً من المشكلة، حتى لو كنت أحاول أن أكون جزءاً أفضل منها.

لذا لا، لم تكن هناك لحظة شعرت فيها أن كل شيء كان يستحق العناء. لأن “يستحق العناء” يعني أنني وصلت إلى مكان ما، ولم أصل بعد. العمل مستمر.

نسج اليمن وهندوراس معاً

العمل مع قصة المخا كمستشار تقني لدار مزادات اليمن يبدو رائعاً. كيف تنسج قصة القهوة اليمنية المذهلة مع ما يحدث في هندوراس؟

أنا أتبع قيادة لطيف وحلمه. كل شيء يبدأ من هناك.

اليمن هي في الأساس القالب لنظام السلع العالمي بأكمله. كان لدى اليمن هذه القدرة المذهلة على زراعة القهوة وخلقت احتكاراً عليها جعل القهوة واحدة من أكثر السلع الفاخرة المرغوبة في العالم. لكن بعد ذلك شاهدت كيف يُستخدم نظام السلع نفسه كنوع من السلاح ضد جميع الدول المنتجة. إخراج القهوة الخام – والآن العديد من المنتجات الأخرى – من الدول إلى دول أخرى حتى تستفيد تلك الدول الأخرى من المعالجة الثانوية.

هناك فهمت ما يجب على جميع الدول المنتجة فعله لتحقيق اقتصادات مستدامة حقاً. ما يجب عليهم فعله للتطوير.

تكنولوجيا معالجة القهوة الخام لم تتغير منذ أن طورت اليمن تحميص القهوة. إنها بسيطة بشكل لا يصدق، ومع ذلك يصعب تحقيقها بشكل غامض. لماذا؟ لأن النظام مصمم للحفاظ على تصدير الدول المنتجة للحبوب الخضراء.

أرى مشاكل اليمن العميقة ومشاكل هندوراس العميقة كنكهة مختلفة من السيطرة الاقتصادية من الخارج. والطريقة الوحيدة لتغيير ذلك هي أن نرى أن مشاكل كل دولة لها خيط مشترك. قد تكون نهج الحلول مختلفاً، لكن التشخيص هو نفسه تقريباً.

جميع الدول التي تجد منتجاتها الخام تُستخرج بالكامل لاقتصادات أخرى تفقد التطوير الحقيقي على نطاق هائل، يكاد يكون غير قابل للحساب.

ما أفعله مع دار المزادات في اليمن، وما أحاول بناءه في هندوراس، يأتي من نفس الفهم: نحن لا نحرك القهوة فقط. نحن نحاول إعادة فتح أقدم سوق قهوة في العالم، بمساعدة بروتوكولات التجارة التي طُورت على مدى مئات السنين. هذا ليس جديداً. هذا هو أقدم سوق قهوة في العالم، ونحن نعيد فتحه.

العالم يحتاج إلى توازن. وهذه الدول تحتاج إلى أصوات تتفق جميعها على فهم هذا الظلم المشترك. هكذا ترتبط اليمن وهندوراس – ليس من خلال شراكة مدن شقيقة رومانسية، بل من خلال الاعتراف المشترك بأننا جميعاً نحارب النظام نفسه، فقط بلكنات مختلفة.

فتح قنوات السوق السعودية

فتح قنوات سوق سعودية بقيمة 80 مليون دولار – هذا مذهل! هل كانت هناك محادثة معينة أو لحظة اختراق علمت فيها أن هذا سيحدث فعلاً؟

كان لطيف يظهر لي أن سوق القهوة السعودية مغلق إلى حد كبير أمام هندوراس، وهندوراس لديها قدرة عميقة لتكون لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط.

تستورد المملكة العربية السعودية من 70,000 إلى 90,000 طن من القهوة سنوياً، وتنفق أكثر من مليار دولار. السوق تنمو بنسبة 6.5% سنوياً ومن المتوقع أن تصل إلى ما يقرب من 2.3 مليار دولار بحلول عام 2028. لكن ما يهم هو: إثيوبيا تهيمن على الواردات السعودية بنسبة 77%. هندوراس، على الرغم من كونها سابع أكبر مصدر للقهوة في العالم، بالكاد تُسجل في تلك السوق.

وكل ذلك يعود إلى الوعي، والثقة، والتعليم.

أعتقد أن قهوة هندوراس لها مكان كركيزة للتوريد في المملكة العربية السعودية. تنتج هندوراس من 5.5 إلى 5.8 مليون كيس سنوياً – كلها أرابيكا، تُزرع بين 1,000 و1,600 متر. لقد بنينا أنظمة جودة قوية، لدينا أكثر من 120,000 مزرعة قهوة، وأثبتنا أنفسنا في الأسواق المتطلبة مثل ألمانيا، بلجيكا، إيطاليا، وكوريا الجنوبية بشكل متزايد منذ اتفاقية التجارة الحرة لعام 2020.

لكن الأهم من ذلك، أعتقد أن هذه العلاقة توفر سوقاً بديلاً لكل من المملكة العربية السعودية وهندوراس. خاصة في هذه الأوقات المضطربة من التقلبات الكبيرة في سوق القهوة.

وصلت أسعار القهوة إلى مستويات قياسية في عام 2025 – وصلت الأرابيكا إلى 4.41 دولار للرطل، وهو أعلى مستوى تم تسجيله على الإطلاق. تغير المناخ يدمر المحاصيل في البرازيل وفيتنام، اللتان توفران معاً أكثر من 50% من القهوة العالمية. الجفاف، الصقيع، الأمطار غير المنتظمة – هذه لم تعد اضطرابات مؤقتة. تتوقع منظمة الأغذية والزراعة أن 50% من الأراضي المزروعة بالقهوة حالياً قد تصبح غير قابلة للزراعة بحلول عام 2050.

في هذا السياق، اعتماد المملكة العربية السعودية بشكل كبير على التوريد الإثيوبي يمثل نقطة ضعف. تمثل هندوراس تنوعاً جغرافياً، إنتاجاً مستقراً، وبنية تحتية للجودة. بالنسبة لهندوراس، تمثل السوق السعودية تنوعاً بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة وأوروبا، اللتان تأخذان معاً أكثر من 60% من صادراتنا.

عندما تصل مخزونات القهوة العالمية إلى أدنى مستوياتها في 20 عاماً وتتأرجح الأسعار بنسبة 70-90% في عام واحد، تحتاج كل من الدول المنتجة والمستهلكة إلى المزيد من الخيارات، المزيد من الشراكات، المزيد من المرونة المدمجة في النظام. هذا هو ما يدور حوله الأمر – ليس فقط فتح سوق، بل بناء نوع من العلاقات التي يمكن أن تقاوم ما هو قادم.

الاكتشاف الأكثر إذهالاً

البحث في أرشيفات العثمانيين والدراسات الجينية لأبحاث القهوة – ما هو أكثر شيء مذهل اكتشفته عن تاريخ القهوة الحقيقي؟

ليس اكتشافاً واحداً. إنه كيف تجمعت أربعة كشوفات منفصلة لتظهر نفس الشيء: أن ما نسميه “تاريخ القهوة” هو في الواقع كارثة موثقة تماماً.

أولاً، الجينات. في عام 2021، وجد فريق كريستوف مونتانيون أن 57% من قهوة اليمن تنتمي إلى مجموعة جينية لا توجد في أي مكان آخر على الأرض. في الوقت نفسه، كل فنجان قهوة خارج إثيوبيا واليمن يعود إلى 20 إلى 50 نبتة فردية أُخذت بين عامي 1616 و1723. الاختناق الجيني شديد لدرجة أن القهوة العالمية لديها تنوع أقل من معظم الأنواع المهددة بالانقراض. فنجانك الصباحي أكثر تهجيناً من برنامج تربية الأسر.

ثانياً، الأرشيفات. سجلات الضرائب العثمانية من ثلاثينيات القرن السابع عشر وثقت أنواعاً متعددة من القهوة، درجات مختلفة، أنواع محددة حسب الارتفاع، طرق معالجة مرتبطة بنتائج محددة. وثقوا نظاماً زراعياً متطوراً لدرجة أن علماء الزراعة الحديثين ما زالوا يجدون صعوبة في فهمه. لم تكن هذه زراعة بدائية. كانت تكنولوجيا حيوية تعمل بسرعة المواسم، تم تهيئتها على مدى ثمانية قرون.

ثالثاً، السرقة القانونية. في عام 1612، وقّع الهولنديون والعثمانيون اتفاقية استسلام جعلت تجارة القهوة قانونية تماماً. وهذا هو الجزء الأكثر إدانة. لم تكن هذه قرصنة أو تهريباً أو مغامرة رومانسية. كانت استيلاءً منهجياً عبر قنوات مناسبة، مع عقود وإيصالات وطوابع رسمية. قضى الهولنديون تسعين عاماً في تعلم كل ما يحتاجون لمعرفته، ثم أخذوا شريحة ضيقة من الجينات التي يمكنهم إدارتها، تاركين وراءهم التنوع والمعرفة.

رابعاً، فجوة المعرفة. تُظهر الأبحاث الجينية الحديثة أن ما أطلق عليه مزارعو اليمن “عديني” أو “دويري” لم تكن أصنافاً جينية مستقرة بالمعنى الحديث – كانت أسماء عامية تُشفر أجيالاً من المعرفة الزراعية المرتبطة بالمكان، المناخ المحلي، طرق المعالجة. الأسماء نفسها كانت تكنولوجيا. عندما أخذ الهولنديون النباتات دون المعرفة، استولوا على البذور ولكن ليس على الفهم. حققوا الزراعة ولكن ليس التعقيد. أنتجوا الكمية ولكن ليس الجودة.

ما يذهلني هو: هذه الاكتشافات الأربعة تثبت نفس الشيء. صُنعت صناعة القهوة على اختناق جيني تم إنشاؤه بواسطة استخراج قانوني وثّق جريمته الخاصة بينما فشل في سرقة المعرفة الفعلية. لدينا الإيصالات. لدينا الأدلة الجينية. لدينا الأرشيفات التي تُظهر ما فُقد. ولدينا صناعة تواجه الآن انهياراً مناخياً لأن التنوع الذي احتجناه تُرك وراءنا، والمعرفة التي يمكن أن تنقذنا تموت في الجبال التي نقصفها.

لا تُظهر الأرشيفات العثمانية ما حدث فقط. إنها تُظهر أن الجميع كان يعرف ما يحدث، ووافق عليه من خلال القنوات القانونية المناسبة، ووثّق الدمار بدقة بيروقراطية. الكارثة التي نواجهها الآن كانت مدمجة في النظام منذ البداية، موثقة بثلاث نسخ، ومودعة بشكل صحيح.

هذا ما يُبقيني مستيقظاً في الليل. ليس أن تاريخ القهوة هو سرقة – بل أن السرقة كانت شاملة، قانونية، موثقة جيداً، لدرجة أننا أقنعنا أنفسنا بأنها تقدم. والآن الفقر الجيني الناتج عن تلك الاستيلاء “القانوني” يهدد الصناعة بأكملها، بينما الحلول موجودة في حقول مزارعي اليمن، مشفرة في أنظمة معرفية وثقتها الأرشيفات الاستعمارية بعناية قبل أن تساعد في تدميرها.

لدينا الدليل. كان لدينا الدليل دائماً. لقد فضّلنا فقط قصص القراصنة.

الطرق التقليدية كمستقبل

في كتابك عن قهوة اليمن، تقدم حجة قوية بأن الطرق الزراعية القديمة هي في الواقع المستقبل، خاصة مع تغير المناخ الذي يهددنا. ما الذي أقنعك بذلك؟

اللحظة التي أدركت فيها أن اليمن لديها إجابة لأي نوع من الإجهاد المناخي أو الإجهاد المرضي. قد يستغرق تلك الإجابة بضعة أجيال لتنمو، ولكن بحلول القرن السابع عشر، كانوا جاهزين لأي شيء يلقيه العالم عليهم. وفي كل مرة كانت فرصة لاستخدام أو تطوير قهوة أفضل. كان الأمر دائماً يتعلق بالجودة.

انظر إلى ما وثقته الأرشيفات العثمانية: أصناف للمدرجات العالية حيث يهدد الصقيع، أصناف للمنحدرات الشرقية الجافة، أصناف للوديان حيث تتجمع الحرارة. صنف خويلان الذي يعيش على 200 ملم من الأمطار سنوياً – هذا أقل مما تحصل عليه لاس فيغاس. صنف حراز الذي ينتج كرزاً حلواً في ظروف شبه صحراوية. سلالة باني مطر التي تقاوم مرض حبوب القهوة بدون أي مدخلات كيميائية.

في أي درجة حرارة، في أي ارتفاع تقريباً، عند أي تلميح للمرض – كان لديهم صنف جاهز. ليس فقط للبقاء، بل للتفوق. لم يكونوا يختارون للحصول على أقصى عائد أو سهولة الحصاد. كانوا يختارون للجودة تحت الإجهاد. مما يعني أنهم كانوا يربون عن غير قصد لما نحتاجه الآن بالضبط: المرونة مع التميز.

الدليل ليس فقط تاريخياً. إنه يحدث الآن في المسابقات. مزاد أفضل اليمن لعام 2024 سجل رقماً قياسياً عالمياً – 1,159 دولاراً للكيلوغرام لأعلى لوت. المتوسط كان 369 دولاراً للكيلو. هذا ليس علاوة عاطفية أو قصصية. تلك القهوات سجلت أكثر من 90 نقطة في التذوق الأعمى بواسطة حكام دوليين. واحدة سجلت أكثر من 90 نقطة – وهذا نادر للغاية لأي قهوة، في أي مكان.

وهنا ما هو أهم: هذه ليست لوتات استثنائية معزولة. التمثيل الكامل للقهوات من اليمن التي تشارك في المسابقات تسجل مستويات لا يمكن لأي منشأ آخر مطابقتها. لا يمكنك وصف أي قهوة أخرى بالطريقة التي تصف بها اليمن – كثيفة كالمربى، مع تعقيد يصعب على خبراء التذوق التعبير عنه. تلك الكثافة، تلك الشدة، هذا ما تنتجه ثمانية قرون من الاختيار تحت الإجهاد.

تنمو اليمن القهوة بمستويات هطول أمطار يقول الخبراء إنها تجعل الزراعة مستحيلة – بين 244 و379 ملم سنوياً مقابل 1,400 ملم التي تُعتبر الحد الأدنى. الأشجار لا تبقى فقط، بل تزدهر. وتنتج قهوة تجعل المشترين من المملكة العربية السعودية، اليابان، أوروبا، الولايات المتحدة يتنافسون في المزادات، مما يدفع الأسعار إلى مستويات تثبت أن الجودة ليست عن المدخلات – إنها عن المعرفة.

عندما دمر صدأ أوراق القهوة أمريكا الوسطى، كان لا بد من نقل الأصناف المقاومة من بنوك البذور. لكن مدرجات اليمن؟ يروي المزارعون هناك قصصاً عن الصدأ القادم “مثل النار عبر الجبال” منذ أجيال. بعض الأشجار نجت. زرعوا من تلك الناجيات. الآن قهوتهم “تضحك على الصدأ” – ما يسميه العلماء المقاومة الأفقية التي استغرقت برامج التربية الحديثة عقوداً لمحاولة تكرارها.

تغير المناخ يسرع كل شيء. ارتفاع درجات الحرارة، هطول الأمطار غير المنتظم، ضغوط الأمراض الجديدة – صناعة القهوة تنفق مليارات لمحاولة هندسة الحلول. في هذه الأثناء، كانت اليمن تجري هذه التجارب لمدة ثمانمائة عام. كل صنف حافظوا عليه كان تكيفاً مع الإجهاد. كل جيل من الاختيار كان يدرب القهوة على البقاء في ما أصبح الآن عالمياً.

الطرق التقليدية ليست متخلفة. إنها علم بيولوجي متطور يعمل بسرعة المواسم. ما استغرق الهولنديون تسعين عاماً لتقريبه، ما تكافح محطات البحث الحديثة لتكراره – لقد أتقنته اليمن من خلال الحفاظ على التنوع، الاختيار تحت ظروف الحقل الفعلية، وعدم فقدان الجودة كمقياس نهائي أبداً.

هذا ما أقنعني. ليس الرومانسية حول التقاليد، بل البيانات. الدراسات الجينية تُظهر تكيفاً فريداً. نتائج المزادات تثبت الجودة. الأدلة المناخية تُظهر اليمن تزرع القهوة في ظروف ستكون قياسية مع ارتفاع درجات الحرارة. الطرق التقليدية تعمل بشكل أفضل من البدائل الحديثة لأنها طُورت لحل مشاكل أصعب مما واجهته القهوة الحديثة – حتى الآن.

المستقبل يشبه ماضي اليمن. نحن فقط بحاجة إلى الاعتراف بذلك قبل أن يفوت الأوان للتعلم منه.

رؤية تبادل اليمن-هندوراس

تدريس تقنيات معالجة اليمن لمزارعي هندوراس هو تبادل ثقافي رائع. كيف تسير الأمور، وما التغييرات التي تراها على الأرض؟

إنه حلم الآن. لكن الحلم هو الذي يدفع كل شيء أفعله.

لدي رؤية مثالية تماماً لجلب مزارع قهوة من هندوراس إلى اليمن في مهمة استكشافية. مهمة دبلوماسية. مهمة احتفالية. أريد تصويرها، توثيقها، وجعل تلك المعلومات تؤثر بعمق على كيفية زراعة الجميع للقهوة في العالم – لإعادة معايرة نهج الصناعة بأكملها.

فكر فيما يعنيه ذلك: مزارع من هندوراس، شخص قيل له طوال حياته إن الممارسات الزراعية الحديثة هي “أفضل الممارسات”، يقف على مدرج يمني ينتج القهوة منذ 800 عام مع 200 ملم من الأمطار السنوية. يراقب كيف يتم اختيار الأصناف. يتعلم لماذا يتم الاحتفاظ بأشجار معينة حتى لو لم تنتج كثيراً في السنوات الجيدة – لأنها تأمين للسنوات السيئة. يفهم أن ما يبدو كالفوضى هو في الواقع إدارة مخاطر متطورة.

لن يكون التبادل حول نقل التقنيات. لا يمكنك فقط أخذ الطرق اليمنية وتطبيقها في هندوراس – السياقات مختلفة، التحديات مختلفة. لكن المبادئ؟ فلسفة الزراعة؟ هذا ما يمكن أن يغير كل شيء.

طورت اليمن زراعة القهوة من خلال القيود. تُعلم هندوراس تطويرها من خلال المدخلات – المزيد من الأسمدة، المزيد من المواد الكيميائية، المزيد من الري، المزيد من التدخل. ماذا يحدث عندما يرى مزارع من هندوراس أن القهوة ذات الجودة والقيمة العالية في العالم تأتي من النهج المعاكس؟ من تدخل أقل، مراقبة أكثر، فهم أعمق لما يحتاجه كل صنف بدلاً من إجبار جميع الأصناف على التوافق مع نظام واحد؟

أريد توثيق مزارع من هندوراس يتعلم من مزارع يمني كانت عائلته تختار القهوة لمدة سبعة وثلاثين جيلاً. ليس كسياحة زراعية رومانسية، بل كنقل معرفي جاد بين أقران. النوع من التبادل الذي كان يجب أن يحدث منذ 400 عام ولكنه لم يحدث لأن القوى الاستعمارية لم تكن مهتمة بالتعلم – كانت مهتمة بالأخذ.

سيكون هذا مختلفاً. سيعترف بأن اليمن تملك معرفة يحتاجها بقية العالم. أن الطرق “البدائية” هي في الواقع تكنولوجيا حيوية متقدمة. أن تغير المناخ يعني أننا بحاجة إلى التعلم من أشخاص كانوا يزرعون في ظروف مناخية متطرفة لقرون، وليس من محطات بحث تحاول هندسة المرونة في ظروف خاضعة للرقابة.

التغييرات التي أريد رؤيتها ليست فقط في هندوراس. أريد لهذا التبادل أن يعيد معايرة كيفية تفكير صناعة القهوة بأكملها في الزراعة. للانتقال من “كيف نجعل القهوة تناسب أنظمتنا الصناعية” إلى “كيف نعمل مع ما تعلمته القهوة بالفعل من خلال قرون من التكيف.”

لذا لا، لم يحدث ذلك بعد. لكن هذه هي المهمة. هذا ما يبني نحوه كل هذا – خلق الظروف التي تجعل هذا التبادل ممكناً، حيث يتم توثيقه، حيث يغير كيف نفكر في مستقبل القهوة من خلال الانتباه أخيراً إلى ماضيها.

مهمة استكشاف الحقائق التي أحلم بها ليست فقط عن العثور على الحقائق. إنها عن العثور على المستقبل من خلال التعلم من الأشخاص الذين كان يجب أن نتعلم منهم طوال الوقت.

رؤية الخمس سنوات

تقدم سريعاً خمس سنوات – أين ترى هذه الشراكة بين هندوراس واليمن، وكيف تعتقد أنها ستغير طريقة تفكير العالم في القهوة؟

لقد تبلور هذا السؤال بالنسبة لي، خاصة في العام الماضي. لقد تجاوزت التفكير في أن الأمر يتعلق فقط بضمان تعويض عادل للمزارعين. هذه مسؤولية كل دولة، بالتأكيد، لكنني الآن أركز أكثر على بناء الأمة في مجتمعات القهوة في جميع أنحاء العالم.

في مجتمعات القهوة في كل مكان، هناك مشاكل بطالة عميقة. والإمكانات الاقتصادية الحقيقية تكمن حيث تكمن دائماً – في كيفية معالجتهم لمواردهم الأساسية. كيف يمكنهم التحكم والاستيلاء على ثروة القهوة المحمصة. كيف يمكنهم فعل الأشياء بطريقتهم.

في غضون خمس سنوات، أرى هذه العلاقة تتكشف عبر جميع المنشآت. هناك تبادل عميق للمعرفة، والممارسة، والفهم، والدعم عالي الدقة حيث نساعد بعضنا البعض في السعي لخلق سيادة وطنية حقيقية وتنمية مستدامة فعلية.

لأن الاعتماد على وكالات المساعدات التي تتوقف مساعدتها في اللحظة التي تريد فيها الدول تصنيع هذا القطاع من اقتصادها قد أثبت أنه لن يحقق أهدافه أبداً. أهداف مجمع الاستدامة الشمالي لا تتماشى مع أهداف السعي الجنوبي للاستدامة والسيادة الاقتصادية.

ما أتخيله هو أن الدول المنتجة للقهوة تتعلم من بعضها البعض، تعلم بعضها البعض تقنيات المعالجة الخاصة بهم، تشارك استراتيجيات تطوير السوق الخاصة بهم، وتدعم تصنيع بعضها البعض. اليمن تعلم هندوراس. هندوراس تعلم إثيوبيا. إثيوبيا تعلم كولومبيا. لا تنتظر الإذن من الشمال. لا تقبل نموذج تطوير يبقيها معتمدة بشكل دائم على تصدير المواد الخام.

شراكة هندوراس-اليمن هي القالب. إنها تُظهر ما هو ممكن عندما تتصل الدول المنتجة مباشرة، تشارك المعرفة أفقياً، وترفض قبول فخ السلع كأمر لا مفر منه. في غضون خمس سنوات، آمل أن أرى هذا يتكرر عبر عشرات الدول المنتجة – كلها تبني قدرتها على التحميص، علاماتها التجارية الخاصة، وصولها المباشر إلى السوق، وسيادتها الاقتصادية الخاصة.

هكذا نغير طريقة تفكير العالم في القهوة. ليس من خلال طلب من الدول المستهلكة أن تكون أكثر أخلاقية في مشترياتها، بل من خلال سيطرة الدول المنتجة على مصيرها الاقتصادي.

Continue reading “كسر فخ السلع.. حوار مع بيرك كامبل حول القهوة، السيادة، وبناء الأمة”

من القدس إلى العالم.. “قهوة إزحيمان” تحافظ على إرث القهوة الفلسطينية منذ أكثر من قرن

دبي – علي الزكري

من أزقة القدس القديمة، وتحديدًا من سوق خان الزيت العريق، بدأت عام 1921 حكاية قهوة أصبحت جزءًا من ذاكرة المدينة ورمزًا لأصالتها. هناك، أسس الجد أول محل ومحْمصة قهوة ليبدأ إرثًا عائليًا امتد عبر الأجيال، حافظ على الطابع التقليدي ونقله بروح الحداثة، حتى أصبح اسم «بن إزحيمان» مرادفًا للجودة والهوية الفلسطينية في فنجان كل بيت. اليوم، يقود محمود إزحيمان، حفيد المؤسس ومؤسس أول أكاديمية للقهوة المختصة في القدس، مسيرة عائلية تجمع بين التراث والمعرفة الحديثة، واضعًا العلم والتطوير في خدمة الإرث الفلسطيني، ومؤمنًا بأن القهوة ليست مجرد مشروب، بل هوية وثقافة تستحق أن تُروى للعالم.

في هذا الحوار الخاص مع قهوة ورلد، يتحدث محمود إزحيمان عن قصة عائلته مع القهوة التي تمتد لأكثر من قرن، وعن تحديات وتطلعات القهوة الفلسطينية، ورؤيته لمستقبل هذا القطاع في القدس والمنطقة العربية.

حدثنا عن تاريخ عائلتكم في تجارة القهوة، كيف كانت البداية، وما الذي يميز تجربتكم عن غيرها؟

بداية القصة تعود إلى جدي الذي أسس أول محل ومحْمصة قهوة في القدس القديمة، في سوق خان الزيت عام 1921. كانت القهوة في ذلك الوقت ليست مجرد مشروب، بل جزءًا من الحياة اليومية والهوية الثقافية للناس. ما ميّز تجربتنا هو أننا استطعنا الحفاظ على هذا التراث وتطويره عبر الأجيال، وبنينا علاقة ثقة قائمة على الجودة مع الزبائن. هذه الثقة تحولت إلى إرث داخل البيوت، وجعلت من «بن إزحيمان» علامة للجودة في فنجان كل بيت دون أن نفقد أصالتنا. اليوم، «بُن إزحيمان» أصبح اسمًا مرتبطًا بالقدس وتاريخها، وهذه الثقة التي بنيناها على مدار أكثر من قرن هي سر تميزنا.

كيف انتقل الشغف بالقهوة من جيل إلى آخر داخل العائلة حتى وصل إليكم؟

الشغف لم يكن تجارة أو مهنة فقط، بل كان أسلوب حياة. كنت أرى والدي وعمّي وأسمع دائمًا عن كيف كان أجدادي يتعاملون مع القهوة كشيء مقدس، بكل دقة وحب. هذا الحب انتقل إليّ بشكل طبيعي، ومع مرور الوقت طوّرت شغفي بالعلم والمعرفة من خلال الالتحاق بالبرامج والمناهج الدولية، والحصول على شهادات ودورات متخصصة. اليوم أعتبر نفسي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العائلة، لكن مع بصمة حديثة قائمة على العلم والابتكار.

A historical black-and-white photo from Jerusalem showing a vintage car bearing the “Izachman Coffee” sign surrounded by people and children — a glimpse into the early legacy of Palestinian coffee culture.

بصفتك مؤسس أول أكاديمية للقهوة المختصة في القدس، كيف تصف وضع صناعة القهوة هناك اليوم؟

الوضع الحالي هو مزيج بين التحدي والفرصة. القدس وفلسطين تملكان إرثًا طويلًا مع القهوة، فهي جزء من الهوية الثقافية والاجتماعية. صناعة القهوة اليوم ما زالت ترتكز على القهوة العربية والتركية والإسبريسو بمختلف أنواعه، سواء كمشروب يومي أو كمنتج يُحضّر في البيت. هذه الأنماط التقليدية تمثل الغالبية العظمى من الاستهلاك وتشكل أساس المشهد القهوي المحلي. لكن القهوة المختصة بدأت تشق طريقها، وهناك فضول ووعي متنامٍ عند الشباب للتعرف على الجودة والمعايير العالمية، ما يمنحنا فرصة لبناء جيل جديد من المحترفين القادرين على رفع مستوى القطاع وخلق مجتمع قهوي أكثر وعيًا.

كيف أثرت الظروف الجيوسياسية والحرب على قطاع القهوة في القدس وفلسطين؟

الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة أثرت بشكل مباشر، سواء من ناحية صعوبة الاستيراد، وارتفاع التكاليف، أو تراجع القوة الشرائية. لكن في المقابل، هذه الظروف عززت لدينا الإصرار على التمسك بثقافتنا وإثبات وجودنا من خلال القهوة. فهي لم تعد مجرد مشروب، بل رمز للصمود وكرم الضيافة. التمسك بعادات القهوة أصبح جزءًا من الحفاظ على الهوية.

ما مدى إقبال الناس في القدس على القهوة المختصة مقارنة بالتقليدية؟

القهوة التقليدية ما زالت تحتفظ بالحصة الأكبر، فهي جزء من الهوية القومية وعادات الضيافة. لكن الإقبال على القهوة المختصة يتزايد، خصوصًا بين الجيل الصاعد الباحث عن التجديد ومواكبة التطور. اليوم نرى مقاهي تحاول دخول سوق القهوة المختصة في القدس ورام الله وحتى المدن الصغيرة، وهذا الاتجاه بحد ذاته مؤشر على نمو ثقافة جديدة.

كيف ترى مستقبل القهوة المختصة في فلسطين؟

أنا متفائل جدًا. الطريق مليء بالتحديات، لكن المستقبل واعد. الفلسطيني ذواق بطبيعته ويملك حسًا مميزًا تجاه النكهات. بلادنا مليئة بالطاقات الشبابية، وإذا وفرنا لهم التدريب والدعم، سيخلقون مشهد قهوة مختصة يضاهي أي مكان في العالم. ربما النمو أبطأ من دول أخرى، لكن الاتجاه واضح وصاعد.

Mahmoud Izachman stands at the entrance of Izhiman Coffee in Jerusalem, surrounded by traditional decor and copper coffee equipment, representing a blend of heritage and modern specialty coffee culture.

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأكاديميات ومراكز التدريب في نشر ثقافة القهوة المختصة؟

الأكاديميات هي العمود الفقري لأي نهضة في هذا القطاع. من خلالها ننقل المعرفة ونبني المهارات ونخلق وعيًا حول الجودة والاستدامة. الأكاديمية ليست مجرد مكان للتدريب، بل منصة لتغيير الثقافة وبناء مجتمع قهوة محترف.

حدثنا عن زيارتك الأخيرة إلى دبي، وما الذي لفت انتباهك في مشهد القهوة هناك؟

الزيارة كانت بهدف استكمال متطلبات الترخيص من جمعية القهوة المختصة، وبناء جسور مع رواد القطاع. أكثر ما لفت انتباهي هو التنوع والانفتاح في مشهد القهوة في الإمارات، حيث تجتمع كل المدارس من المحامص الصغيرة إلى العلامات العالمية. المجتمع القهوي هناك يتميز بروح التعاون والمشاركة، ومستوى الاستثمار في الجودة والتجربة لدى المستهلك ملفت للنظر، وهذا ما نطمح لخلقه تدريجيًا لدى المستهلك الفلسطيني.

كيف تقيم سوق القهوة المختصة في الإمارات؟ وهل هناك فرص تعاون مستقبلية؟

السوق الإماراتي ناضج ومتنوع ويضم مستهلكين واعين يبحثون عن الجودة. هذا التنوع يشكل بيئة مثالية للتعاون، سواء أكاديميًا أو تجاريًا. نعمل على تسويق منتجات «بن إزحيمان» في الإمارات، والترويج لخط «Izpresso» المختص بخلطات الإسبريسو وكبسولات نسبريسو. كما نخطط لمشاريع تدريبية واستشارية في المنطقة، معتمدين على شراكات ذكية وتبادل خبرات.

ما طموحاتكم المستقبلية للأكاديمية والمشاريع القادمة؟

نطمح أن تصبح الأكاديمية مرجعًا وطنيًا ثم إقليميًا عربيًا في مجال القهوة المختصة، لتخريج خبراء قادرين على ترك بصمتهم في أي مكان. كما نسعى لتطوير مشاريع مرتبطة بالاستدامة والابتكار في القهوة ليكون لنا دور عالمي لا يقتصر على المحيط المحلي.

Mahmoud Izachman participates in a professional coffee cupping session, carefully tasting and evaluating different brews — a moment reflecting his expertise and dedication to specialty coffee education.

كيف تتخيلون صناعة القهوة في القدس خلال السنوات العشر القادمة؟

أتوقع أن تصبح أكثر نضجًا ووعيًا بالجودة والاستدامة. القهوة المختصة ستأخذ حصة أكبر، والمقاهي ستركز أكثر على التجربة الكاملة. أتمنى أن نرى مشهدًا قهويًا يعبر عن هويتنا، يجمع بين التراث والحداثة، ويصبح نموذجًا يحتذى به في المنطقة.

ما التحديات التي تواجهكم كونكم الأكاديمية الأولى في هذا المجال؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟

من أبرز التحديات نشر المعلومة الصحيحة وإقناع المجتمع بأهمية الاستثمار في التعلم. لا يزال المجال جديدًا نسبيًا، والكثير من المعلومات المنتشرة غير دقيقة. الحل هو طرح دورات مدعومة بأسعار رمزية أو مجانية في البداية لجذب المهتمين وتعريفهم بالأسس الصحيحة، مما يخلق مجتمعًا قهويًا يدرك قيمة الحداثة حتى في أكثر المجالات ارتباطًا بالأصالة.

Continue reading “من القدس إلى العالم.. “قهوة إزحيمان” تحافظ على إرث القهوة الفلسطينية منذ أكثر من قرن”

كيم طومسون تكشف لـ«قهوة ورلد» خلفيات وأبعاد مركز تدريب الباريستا الجديد في دبي

دبي – علي الزكري

شهدت دبي يوم 25 سبتمبر 2025 محطة جديدة في رحلتها مع القهوة المختصة، حين افتتحت شركة «راو» للقهوة بالتعاون مع «ميلك لاب» مركزًا لتدريب الباريستا في مقرها بالقوز. الحدث الذي وُصف بأنه الأول من نوعه في الإمارات لم يكن مجرد افتتاح رسمي، بل إعلانًا عن رؤية أوسع لمستقبل المقاهي والتعليم في المنطقة.

وفي حديث خاص لـ«قهوة ورلد»، أوضحت كيم طومسون، الشريكة المؤسسة ومديرة الثقافة والعلامة التجارية في شركة «راو»، أن هذه الخطوة جاءت استجابة طبيعية للتحولات التي يشهدها قطاع القهوة، قائلة: «لا شيء مؤكد سوى التغيير، وصناعتنا تشهد الكثير منه. الطريقة التي يستهلك بها الناس القهوة تتطور، مع ظهور اتجاهات جديدة في النكهات وأساليب التحضير وأنماط الحياة. شعرنا أنه الوقت المناسب لإعادة التفكير في كيفية استمتاع العملاء بالقهوة ولمساعدة الجيل الجديد من الباريستا على التكيف والتفوق. في راو، نحن شغوفون بدعم هذا التطور عبر التعليم. وأُعجبنا كثيرًا بالتزام «ميلك لاب» بالجودة والاستدامة، خصوصًا في كيفية تطوير منتجاتها النباتية بالتعاون مع الباريستا، وإنتاجها باستخدام ممارسات زراعية مسؤولة. منتجاتهم تتماشى تمامًا مع قيمنا والمعايير التي نتمسك بها في القهوة المختصة.»

وعن تفاصيل الشراكة مع «ميلك لاب»، شددت طومسون على أن التعاون لم يكن مصادفة بل انطلق من أسس مشتركة، مضيفة: «نحن نحب الشراكات ذات المعنى، خصوصًا تلك التي تنطلق من قيم مشتركة مثل الجودة والأصالة. مراد جناكات من شركة «جار بريميوم فودز» قدم لنا منتجات «ميلك لاب»، وأُعجبنا على الفور بالمذاق والقوام وتنوعها في قائمتنا. ما يميز هذه الشراكة أنها تجمع بين علامتين تهتمان بصدق بتحسين تجربة الباريستا والعميل؛ «ميلك لاب» من خلال الابتكار في المنتج، و«راو» من خلال التعليم والجودة والمجتمع. معًا، نحن نبني جسرًا بين المنتج والممارسة.»

وبحسب طومسون، فإن الهدف الأساسي من المركز الجديد هو رفع مستوى الجودة عبر الصناعة، من خلال مشاركة المعرفة وتمكين الباريستا ليتمكنوا من تقديم أفضل ما لديهم لعملائهم. وقالت: «نحن نؤمن أن كل فنجان قهوة يجب أن يعكس العناية والمعرفة والشغف الكامن وراءه. ومن خلال تزويد الباريستا بفهم أعمق للمكونات التي يستخدمونها يوميًا، فإننا ندعم الاتساق والإبداع في المقاهي عبر المنطقة.»

ولم تقتصر طموحات «راو» على المحترفين فحسب، إذ أوضحت طومسون أن البرامج التدريبية ستفتح المجال أمام شريحة أوسع من المهتمين: «البرامج التدريبية ستلبي احتياجات جمهور واسع، من الباريستا في المقاهي المزدحمة إلى الأفراد الشغوفين بتحسين مهاراتهم المنزلية. ستكون الجلسات عملية وتفاعلية ومصممة وفقًا لسيناريوهات واقعية من بيئة المقهى. كل دورة تستكشف العلم والفن وراء تبخير الحليب، مع التركيز على كيفية تأثير مستويات الدهون والبروتين على الأداء والنكهة. الأمر يتعلق ببناء الثقة، سواء كنت باريستا يقدم 200 كوب يوميًا أو عاشق قهوة يسعى إلى إتقان طقوسه الصباحية.»

وعن المشهد التنافسي في دبي، أشارت طومسون إلى أن السوق يزداد حيوية وتنوعًا لكنه يحتاج إلى ضمان الاتساق في الجودة، مؤكدة: «مشهد القهوة في دبي نابض بالحياة، متنوع، ويتطور بسرعة. لكن مع توسع السوق، تظل الاتساق والتعليم التحدي الأكبر. لطالما آمنت «راو» أن التقدم الحقيقي يأتي من التعاون وتبادل المعرفة أكثر من المنافسة. هذا المركز الجديد هو امتداد لبرامجنا التدريبية الطويلة، والتي تتضمن بالفعل دورات معتمدة من جمعية القهوة المختصة (SCA) في مهارات الباريستا، والتحضير، والتذوق. وبإضافة سلسلة مخصصة لتدريب بدائل الألبان، نحن نمنح المشغلين والباريستا طبقة إضافية من الخبرة تنعكس مباشرة على تجربة العملاء.»

واعتبرت طومسون أن اختيار بدائل الألبان لتكون محورًا رئيسيًا في التدريب يعكس توجهات المستهلكين الجديدة، موضحة: «سلوك المستهلك تغير بشكل جذري. نرى حركة متزايدة نحو الخيارات النباتية وتفضيلًا للمشروبات الباردة والسريعة والجاهزة للتناول. هدفنا هو مساعدة الباريستا على مواكبة هذه الاتجاهات وتقديم هذه المشروبات بنفس العناية والاتساق التي تُقدَّم بها المشروبات المعتمدة على الألبان. لكل نوع من منتجات «ميلك لاب» – من اللوز إلى الشوفان وجوز الهند – خصائصه المميزة. وفهم هذه الخصائص يفتح المجال أمام إعداد فنجان أكثر توازنًا ومتعة. الأمر يتعلق بفهم المكوّن واحترامه وضمان أن تكون التجربة النهائية في الفنجان استثنائية.»

وفي ختام حديثها مع «قهوة ورلد»، شددت طومسون على أن تمكين الباريستا هو الطريق الأمثل لرفع وعي المستهلك وتعزيز العلاقة بينه وبين القهوة المختصة: «تمكين الباريستا هو أحد أقوى الطرق لرفع وعي المستهلك. عندما يكون الباريستا واثقًا وذو معرفة وشغف، فإن هذه الطاقة تنتقل إلى العميل مع كل تفاعل وكل فنجان. التعليم يخلق رابطًا، والرابط يبني الولاء. من خلال الاستثمار في مهارات الأشخاص خلف البار، نحن لا نحسن معايير الجودة فحسب، بل نعمق أيضًا العلاقة بين المستهلك والقهوة المختصة نفسها.»

بهذا التصور، يظهر مركز «راو × ميلك لاب» لتدريب الباريستا ليس كمؤسسة تعليمية فحسب، بل كمساحة للتجربة والتبادل وبناء مجتمع أكثر وعيًا. وهو أيضًا، كما تقول كيم طومسون، دليل إضافي على المكانة المتنامية لدبي كمحطة عالمية تتقاطع فيها الابتكارات مع الاستدامة في مشهد القهوة المختصة.

Continue reading “كيم طومسون تكشف لـ«قهوة ورلد» خلفيات وأبعاد مركز تدريب الباريستا الجديد في دبي”

من بطل التحميص إلى مدرّب عالمي: رحلة دافيدي كوبيللي «مقيّم جودة القهوة المطوَّر» في القهوة المختصة

دبي – علي الزكري

في عالم القهوة المختصة، لم يحقق مرتبة مدرّس «مقيّم جودة القهوة المطوَّر» سوى عدد قليل حتى الآن. ومن المؤكد أنه خلال الأسابيع المقبلة سيزداد هذا العدد، لكن دافيدي كوبيللي، خبير القهوة والمستشار وبطل إيطاليا في التحميص لعام 2020، هو أول أوروبي يحصل على هذا اللقب. من منصات البطولات إلى مزارع بلدان المنشأ، ومن قيادة جمعية القهوة المختصة في إيطاليا إلى الفوز ببطولة التحميص الإيطالية، تتجسد قصته في شغف لا ينضب وإصرار متواصل على رفع معايير التعليم والتقييم في القهوة.

أعلنتَ مؤخرًا أنك أصبحت واحدًا من قلة قليلة حول العالم أكملوا برنامج مدرّس «مقيّم جودة القهوة المطوَّر» — وبعلامة كاملة 100%. ما مدى صعوبة هذه العملية بالنسبة لك؟ وماذا يعني لك هذا الإنجاز على الصعيدين الشخصي والمهني؟

هو واحد من أوائل المدربين الذين اجتازوا اختبار «مقيّم جودة القهوة المطوَّر». في ذلك الوقت، كان هناك على الأرجح فقط 3 أو 4 أشخاص في العالم قد اجتازوه. أما اليوم، فقد أصبح عدد الناجحين أكثر بكثير. تحقيق هذا الإنجاز كان مجزيًا للغاية، خصوصًا بالنظر إلى الاستثمار الكبير من الوقت والطاقة الذي تطلّبه. المعايير للمدربين عالية جدًا؛ فلا مجال للخطأ إطلاقًا، ويجب الحصول على علامة كاملة 100% في امتحان من 50 سؤالًا يغطي الدورة بأكملها. وهذا ما يجعل الترخيص صعبًا للغاية، لكنه في الوقت نفسه مناسب تمامًا. ومن خلال هذه العملية الصارمة، أوضحت جمعية القهوة المختصة أن الدورة الجديدة ليست أدنى من برامج «معهد جودة القهوة» السابقة، خاصة فيما يتعلق بجودة المدربين.

بدأتَ في صناعة الأغذية قبل أن تكرّس نفسك بالكامل للقهوة. ما نقطة التحول التي جعلتك تختار هذا المسار؟ وكيف شكّلت تلك التجارب المبكرة شخصيتك المهنية اليوم؟

بدأتُ مسيرتي في قطاع الضيافة قبل أكثر من 30 عامًا، لكن منذ ما يقرب من 15 عامًا كرّستُ نفسي بالكامل لعالم القهوة. في الجزء الأول من مسيرتي، كان تركيزي منصبًّا على المشروب ذاته. ثم، وعلى مدار أكثر من سبع سنوات، توسعتُ لأشمل سلسلة التوريد كاملة، وهو ما أصبح جزءًا أساسيًا من رحلتي المهنية؛ حيث فتحتُ محمصة وسافرتُ إلى بلدان المنشأ لتقديم التدريب الحسي. لا أعرف بالضبط كيف حدث الانتقال إلى القهوة — فالشغف غالبًا يولد وينمو دون سبب محدد. لكنني كل يوم أستيقظ سعيدًا وممتنًا لأنني أمارس أفضل عمل في العالم: العمل الذي أحبّه.

درّبتَ مئات المحترفين في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه بنيتَ سمعة قوية كمستشار. كيف تدير هذين الدورين — كمدرّس ومستشار — من دون أن ينعكس ذلك على جودة أيٍّ منهما؟

خلال 15 عامًا من التدريب في عالم القهوة، أعتقد أنني درّبتُ أكثر من ألف محترف. وفي كل مرة كان هذا دافعي للاستمرار. هدفي كان دائمًا أن أشارك خبرتي مع الطلاب، وأن أتعلّم منهم أيضًا، وأن أخلق تبادلًا حقيقيًا — وهو الهدف الذي ما زلت أعمل من أجله اليوم. التدريب ليس من طرف واحد، بل هو تبادل مهني حقيقي. عندما يقودك شغفٌ حقيقي، يمكنك أن تفعل أي شيء. بالنسبة لي، القهوة هي الشغف الخالص والتفاني الصادق.

قليلون هم الذين يغطّون مجالات عديدة كما تفعل أنت — الباريستا، والتخمير، والقهوة الخضراء، والتحليل الحسي، والتحميص. كيف بنيت هذه الخبرة الواسعة؟ وما الفوائد التي تقدمها لطلابك؟

هناك مثل يقول: «من يعرف كل شيء لا يتقن شيئًا»، وأنا أتفق جزئيًا مع ذلك. في حالتي، بدأتُ رحلتي بتكريس النصف الأول لعالم الباريستا والمشروب — أولًا بالمنافسة، ثم لاحقًا كحكم دولي في بطولات الباريستا. ومن هناك توسعتُ لأشمل التحليل الحسي، والتحميص، وسلسلة التوريد. ليس من المستحيل أن تتقن مجالات متعددة، لكنني لا أرى نفسي بطلًا خارقًا حقق ذلك بطريقة استثنائية. أنا فقط أؤمن بأن الشغف الحقيقي (وليس الدافع التجاري) يمكن أن يقودك إلى النجاح. كما قلت سابقًا، أنا مكرّس للقهوة. إنها شغفٌ يستهلك حياتي؛ وباستثناء السفر، لا شغف لي آخر. أعتقد أن ميزة طلابي هي أن خبرتي الواسعة تسمح لنا باستكشاف موضوعات متعددة بشكل شمولي، داخل الصف وخارجه. ففي سلسلة التوريد مثل القهوة، كل عنصر يتقاطع مع الآخر ويؤثر فيه. علاوة على ذلك، لستُ من المدربين الذين يلتزمون بالنص الحرفي للدورات من دون فتح المجال للنقاش. أشجّع دائمًا على طرح الأسئلة — وفي الواقع أحبّها.

الفوز ببطولة التحميص الإيطالية عام 2020 كان محطة مهمة، ثم حققتَ مراكز متقدمة لاحقًا على مستوى العالم. ماذا علّمتك تلك المنافسات عن القهوة — وعن نفسك؟

في عام 2020، وبعد عامين فقط من دخولي عالم التحميص، فزتُ ببطولة التحميص الإيطالية. كان ذلك شعورًا لا يصدَّق! كنتُ أول من لم يصدّق الأمر، خاصةً أنني ذهبتُ فقط على أمل ألّا أكون في المركز الأخير وأن أكتسب بعض الخبرة. لكن بعد أن حققتُ المركز السابع في بطولة العالم عام 2022، والمركز الثاني في البطولة الوطنية عام 2023، بدأتُ أعتقد أنني ربما لستُ سيئًا تمامًا في هذا المجال. والأهم من ذلك أنه أسكتَ المنتقدين والحاسدين — وهم كثيرون دائمًا في عالم القهوة. وهذا ضاعف من شعور الرضا.

بصفتك حكمًا وطنيًا ودوليًا، شاهدتَ أفضل الباريستا والمحمّصين على المنصات. ما الذي تبحث عنه في البطل؟ وما الذي يميّز المنافس الجيد عن المنافس العظيم؟

أن تكون حكمًا هو مسؤولية — على الأقل هذا ما أراه دائمًا. من الرائع أن أكون قادرًا على دعم بنية الصناعة، وغالبًا الجيل القادم من المحترفين. لكن هذا ليس كل شيء. في السنوات الأخيرة، دُعيتُ أكثر فأكثر للمشاركة كحَكَم حسي في لجان التذوق الخاصة بالمزارعين، مباشرةً في بلدان المنشأ. وهذا أصبح محور اهتمامي منذ جائحة كوفيد. إنها مسؤولية من نوع آخر، لأنك تشعر أن حكمك قد يؤثر على مستقبل عائلاتٍ زراعية. هذه المسؤولية تثقل كاهلي، وتجعلني أبذل أقصى درجات المهنية والدقة في التقييمات.

عندما انتُخبتَ منسّقًا وطنيًا لجمعية القهوة المختصة في إيطاليا، تحدّثتَ عن إخراج القهوة المختصة من إطارها الضيّق. ما الخطوات التي اتخذتَها نحو هذا الهدف؟ وما التحديات الباقية لجعل القهوة المختصة أكثر قربًا من المستهلك اليومي؟

في دوري كمنسّق وطني بين عامَي 2022 و2024، عملتُ على توسيع سوق القهوة المختصة خارج الدائرة الضيّقة التي احتلتْها في إيطاليا خلال السنوات الأخيرة. كان النمو شبه متوقف، لأن القهوة المختصة باتت تُرى بشكل متزايد على أنها مجرد منتج باهظ وحامض، بدلًا من كونها قيمةً لسلسلة التوريد بأكملها. مع فريق التنسيق لتلك الفترة، طبّقنا استراتيجيات تواصل تأخذ المنتج إلى ما بعد دائرة «هواة القهوة»، وهدفُنا كان جعْل القهوة المختصة في متناول جمهورٍ أوسع باستخدام لغةٍ أبسط، وتسليط الضوء على أهمية سلسلة توريدٍ مستدامة.

قدّمت جمعية القهوة المختصة مؤخرًا «نظام تقييم القيمة» في القهوة، وانضمّ إليه أيضًا «معهد جودة القهوة». يرى البعض ذلك خطوةً رائدة، فيما يخشى آخرون من حدوث لبس أو تضارب مع بروتوكولات قائمة مثل شهادات «معهد جودة القهوة». كيف ترى هذا النظام يُشكّل مستقبل تقييم القهوة؟ وما أثره على المزارعين والمنتجين والصناعة ككل؟

عندما قُدّم «نظام تقييم القيمة» عام 2022، لم يراهن كثيرون على نجاحه. كان هناك قدرٌ كبير من الشكوك، خصوصًا لدى المحترفين الذين نشأوا مع «استمارة التذوق لعام 2004» الخاصة بجمعية القهوة المختصة (والتي استخدمها لاحقًا معهد جودة القهوة). وشمل ذلك أولئك الذين استثمروا الكثير من المال والطاقة ليصبحوا «مقيّمي جودة» أو «مدرّسي تقييم». لا ألومهم، لكن من الواضح أن هذا النظام الجديد هو النهج العصري للعلم الحسي، بينما النظام السابق لم يعد كذلك. واليوم، لا توجد منافسة بين جمعية القهوة المختصة ومعهد جودة القهوة، إذ يركّز المعهد على بلدان المنشأ والعمل الميداني، بينما تركز الجمعية على التحليل الحسي، بما في ذلك دورة «مقيّم جودة القهوة المطوَّر». وربما لم تكن هناك منافسة أصلًا؛ فمن الصعب مقارنة نظامٍ قديم لم يُحدّث منذ أكثر من عشرين عامًا بنهجٍ حديث قائم على أسس علمية. أما الثورة الحقيقية والفورية فهي أن قيمة القهوة عبر السلسلة لم تعد تُختزل في درجة واحدة ذاتية، بل باتت تُوزَّع عبر عدة سمات تحدد القيمة النهائية. الأثر مباشر: لم يعد المزارعون مضطرين لقبول درجة جافة وغير مفسرة؛ بل أصبح بإمكانهم مناقشة القيمة استنادًا إلى سمات متعددة تبررها.

تغيّرت القهوة المختصة جذريًا خلال العقد الأخير. أين ترى الفرص الكبرى للنمو والابتكار في قطاع القهوة الأوروبي؟

لقد خضع عالم القهوة لتحولاتٍ جذرية. استهلاك القهوة المختصة تطوّر ويستمر في النمو عامًا بعد عام عبر جميع الأسواق، مع ازدياد وعي المستهلكين بما يشترونه ويستهلكونه. مفتاحُ المستقبل بلا شك هو المعلومات المرتبطة بالمنتَج، وتحديدًا المزاوجة بين القيمة الخارجية والبروفايل الحسي. بالنظر إلى الأمام، أرى مستقبلًا يقوم على قدرٍ أكبر من الشفافية، مع التركيز على مقاييس مثل «سعر المزرعة» للمنتج النهائي، وليس مجرد درجة تذوّق. وأعتقد أن الفرص ستستمر في النمو للمحترفين الذين يتخصصون ويصنعون مكانتهم الخاصة في السوق.

بالنظر إلى رحلتك — من مدرّس إلى بطل، ثم مستشار، وقائدٍ في جمعية القهوة المختصة — ما الإنجاز الذي يمنحك أكبر قدرٍ من الرضا؟ وما الذي يدفعك للاستمرار؟

الحياة هي تطوّر مستمر. بالنسبة لي، هذا هو التعريف الحقيقي للعيش. أحيانًا تتأقلم، لكن في كثيرٍ من الأحيان عليك أن تتطوّر — وهذا هو مبدئي. الأمر لا يتعلّق بالسعي وراء سعادةٍ لا تُنال أبدًا، بل يتعلق بالجهد الدائم للتحسّن، وجمع المزيد من الخبرات في كل ما تقوم به. علّمني والدي أن أبذل قصارى جهدي دائمًا، لكي أستمتع بالرحلة، سواء وصلتُ إلى القمة أم لا. فالنجاح هو مجرد قمة جبلٍ جليدي بُني على الهزائم والإحباط وخيبات الأمل والكفاح والضحك والحماسة، وغير ذلك من المشاعر. من الخارج، لا يرى الناس سوى الوجهة؛ ولا يرون ما يحدث أثناء الرحلة. بالنسبة لي، كل محطة — إيجابية كانت أم سلبية — كانت خبرة ساعدتني على النضج والنمو كإنسان. وهذا هو النجاح الحقيقي. ولهذا السبب، لا أملك «إنجازًا واحدًا» هو الأكثر إرضاءً؛ بل هو مجموع كل تلك المحطات التي تجعلني شخصًا أفضل.

ما نصيحتك للشباب الذين يحلمون بأن يسيروا على خُطاك في صناعةٍ عالمية تنافسية بهذا القدر؟

لا تتخلَّ عن شيء تؤمن به، ولكن قبل كل شيء: آمن بنفسك. لا وجود للأبطال الخارقين ولا للمعلمين المعصومين؛ هناك فقط أناسٌ يقدّمون أقصى ما لديهم للوصول إلى أهدافهم. حدِّد هدفًا، ثم اعمل خطوةً بخطوة لتحقيقه. وإذا صنعتَ محطاتٍ وسيطة على الطريق، فسيبدو الأمر أقل استحالةً بكثير.

Continue reading “من بطل التحميص إلى مدرّب عالمي: رحلة دافيدي كوبيللي «مقيّم جودة القهوة المطوَّر» في القهوة المختصة”

رنا إبراهيم: القهوة بالنسبة لي فن وحياة.. و«إدّا أرابيكا» مساحة للقصص والإنسانية

دبي – علي الزكري

في حضرة القهوة، يصبح الحديث أشبه بمقطوعة موسيقية؛ لكل رشفة نغمة، ولكل حبة حكاية، ولكل يدٍ تزرع أو تُحضّر أثرٌ يبقى. هكذا ترى رنا إبراهيم القهوة: ليست مشروبًا عابرًا، بل مساحة للفن والروح والإنسانية. في حوارها مع قهوة ورلد تكشف لنا كيف تحوّل فنجان بسيط إلى رحلة وجودية، وكيف استطاعت أن تصوغ تجربتها في مقاهيها ومشاريعها لتكون امتدادًا للفن الذي أحبته منذ الطفولة.

بين “إدّا أرابيكا” و” أس كوفي شوب” في بيروت و«قهوة السوق» في بلدة بعقلين، بين التعليم والتجريب، وبين الريشة والفنجان، نسجت رنا عالمًا خاصًا بها، حيث القهوة ليست مجرد مشروب بل لغة للحضور والهوية والإبداع.

ندعوكم الآن للاستمتاع بقراءة هذا الحوار الثري والملهم مع رنا إبراهيم، حيث تتقاطع القهوة مع الفن، وتتحول الطقوس اليومية إلى حكايات تستحق أن تُروى.

كيف بدأت رحلتك في عالم القهوة، ومتى أدركتِ أن هذا المجال سيصبح جزءًا من هويتك المهنية والشخصية؟

القهوة كانت دائمًا جزءًا من حياتي منذ الطفولة؛ اعتادت عائلتي أن تستمتع بها يوميًا، ومع مرور الوقت أصبحت عادةً طبيعية بالنسبة لي أيضًا. لكن نقطة التحوّل الحقيقية جاءت عندما انتقلت إلى لندن. كنت أدرس الفنون الجميلة في إحدى الكليات هناك، وأحتفظ بمرسم في شرق المدينة، وهو حي يضم بعضًا من أوائل محامص الموجة الثالثة. هناك بدأت أنظر إلى القهوة بنظرة مختلفة؛ لم تعد مجرد روتين يومي، بل أصبحت ممارسة تحمل وعيًا ومعنى أعمق.

حركة الموجة الثالثة فتحت أمامي نافذة على القصة الكامنة وراء كل فنجان: مصدر الحبوب، هوية المزارعين، والرحلة التي تقف خلفها. ومن هنا تبدّل مفهومي للقهوة كليًا؛ فلم تعد مجرد مشروب، بل أصبحت وسيلة للفهم والتقدير.

التحول الأكبر حدث حين التحقت بدورة «مقدمة في القهوة» في أحد المقاهي التعليمية في لندن، مع مدرّب بارز أصبح فيما بعد عميدًا للدراسات في مؤسسة متخصصة. سألني سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: «لماذا تريدين أن تتعلمي عن القهوة؟» توقفت لحظة للتفكير؛ فحتى ذلك الوقت كان اهتمامي منصبًا على فكرة مزج القهوة بالطعام، وكنت أتخيل أنني سأفتتح مقهى في المستقبل. لكن سؤاله دفعني إلى البحث في العمق.

أجبته قائلة: «لأنني أود في يوم من الأيام أن أفتتح مقهى خاصًا بي». لم يكن اهتمامي حينها منصبًا على القهوة وحدها، بل على فكرة جمع الناس عبر الطعام والضيافة. فقد نشأت في بيئة قريبة من عالم الأطعمة والمشروبات، وعملت في هذا المجال، وكنت أستمتع بروح التواصل والعلاقات التي تنشأ حول المائدة.

ذلك السؤال جعلني أدرك الرابط بين كل هذه العناصر: لم يكن هدفي أن أصبح مدرّبة قهوة أو متخصّصة أكاديمية، بل أن أخلق مساحة دافئة تجمع بين الناس، حيث يلتقون على قهوة جيدة وطعام بسيط.

وبعد سنوات، عندما افتتحت إدّا أرابيكا، شعرت أنني وجدت صوتي الحقيقي في عالم القهوة. لم يكن مجرد مشروع تجاري، بل مساحة التقت فيها اهتماماتي جميعها: الطقوس، والفن، والقهوة، والمجتمع، والضيافة.

لو لم تكوني اليوم في صناعة القهوة، أين كنتِ ترين نفسك؟

ما زلت حتى اليوم مرتبطة بالفن، فما زلت أرسم. كان الفن دائمًا ثابتًا في حياتي، وأتخيل أنني لو لم أختر القهوة لكنت ما زلت أعمل في هذا المجال، أستكشف الموضوعات التي تلهمني دائمًا: المكان، والثقافة، والهوية، والتحوّل.

أغلب أعمالي الإبداعية، سواء كانت بصرية أو مكانية، تدور حول بناء فضاءات والتفكير في كيفية اجتماع الناس وتشكيل المجتمعات وتجربة الحياة العامة. ولهذا السبب غالبًا ما أتعاون مع معماريين ومفكرين حضريين؛ فأنا مفتونة بكيفية تصميم المساحات بحيث تكون عملية وتحمل معنى في الوقت نفسه.

حتى عندما أصمّم مقهى، أتعامل معه كلوحة فنية: أفكر في الحركة، والتدفق، والسكون، والتفاعل. بالنسبة لي، كل مساحة هي فرصة للتوقف، والتواصل، ولإحساس بالانتماء. وهذا الخيط يربط بين الفن ورؤيتي للضيافة.

الرسم هو جوهر كل ما أقوم به. حتى الطريقة التي أصف بها القهوة — جسدها، حموضتها، مذاقها اللاحق — تشبه إلى حد كبير الطريقة التي أصف بها اللوحات: لون، وشكل، وتكوين. هناك لغة مشتركة بين الاثنين أكثر مما يتصور الكثيرون.

إذن، لو لم أكن في القهوة، لكنت ما زلت أعمل مع الناس والمكان والشكل، من خلال الرسم والتصميم وسرد القصص. القهوة جاءت لتكون الوسيط الذي جمع هذه الشغف كلها في مساحة واحدة.

ما العلاقة بين الفن والقهوة بالنسبة لكِ؟ وهل تعتبرينهما شكلين من أشكال الإبداع؟

القهوة والفن بالنسبة لي مرتبطان دائمًا. كلاهما يقوم على البنية والإيقاع ونوع من المنطق الذي أعتبره بمثابة «المحددات».

في القهوة هناك معايير مثل الجرعة، والنتيجة، ووقت الاستخلاص، ودرجة الحرارة، وحجم الطحن. هذه ليست قيودًا، بل هي الأساس الذي يفتح الباب أمام الإبداع. والفن يعمل بالطريقة نفسها: التكوين، والتوازن، والألوان، والطبقات تخلق الإطار الذي يسمح بالتعبير.

عندما أرسم، أنشغل بالشكل والملمس والفراغ والحركة. وعندما أُحضّر القهوة، أركز على الجسد والحموضة والمذاق اللاحق والإحساس في الفم. في جوهرهما كلاهما لغتان للتعبير. حركة الفرشاة على القماش لا تختلف كثيرًا عن تدفق الماء عبر حبوب البن.

ما يجمعهما هو الحضور الكامل. سواء أمام لوحة أو فنجان قهوة، النتيجة تتشكل عبر مئات القرارات الصغيرة التي قد لا يلاحظها الآخرون. ولهذا أرى القهوة والفن كممارستين متوازيتين: إبداعيتين نعم، لكنهما أيضًا تحتاجان إلى انضباط، وتمنحان حرية داخل إطار محدد، وتعكسان جانبًا عميقًا من ذاتي.

ما الذي يميز إدّا أرابيكا عن غيره من المقاهي في بيروت؟ وكيف وُلدت فكرته؟

وُلد إدّا أرابيكا عام 2021 في وقت عصيب في لبنان، مع انهيار النظام المصرفي. الغريب أن تلك الأوقات الصعبة جعلت الناس أقرب من بعضهم، وأصبح فنجان القهوة وسيلة للحضور والتوقف، وللتمسك بشيء يمنح الطمأنينة.

منذ البداية أردت أن يكون «إدّا» مساحة مفتوحة، ليس فقط في تصميمها المادي، بل في روحها. مكان يستطيع الناس فيه أن يتفاعلوا ويطرحوا الأسئلة ويبدأوا حوارات، بعيدًا عن الطابع التجاري البحت. كنا نهتم دائمًا بجودة المحصول والتحميص والطريقة، لكن هدفنا لم يكن السعي وراء الكمال، بل خلق صلة إنسانية حقيقية.

مع الوقت أصبح «إدّا» مكانًا يلتقي فيه العاملون في المقاهي الأخرى بعد دوامهم، يجلبون حبوبًا لتجارب التذوق أو فقط للجلوس وتبادل الحديث. لم يكن هذا مخططًا، لكنه حدث طبيعيًا، وتحول المكان إلى نقطة تجمع للمجتمع.

موقعه في منطقة كليمنصو، مقابل المستشفى الجامعي الأمريكي، ساعد أيضًا في جذب تنوع واسع من الناس، بعضهم لم يكن يعرف القهوة المختصة من قبل. ومع مرور الوقت، بدأوا يتذوقون ويسألون ويكتشفون رحلة القهوة من المصدر إلى الفنجان.

هناك أيضًا بعد شخصي وراء الفكرة؛ شريكي وليد، وهو معماري وطاهٍ، اقترح عليّ أن أفتح ركنًا للقهوة داخل أحد مطاعمه. المدهش أنني قبل ثلاث سنوات كنت قد طلبت منه نفس الشيء، لكنه لم يتحقق وقتها. وحين طلب مني هذه المرة لم أستطع أن أرفض. تصميم وليد دائمًا يحمل طبقات ومعاني، ولهذا جاء بار «إدّا» مختلفًا؛ فهو ليس مجرد طاولة بل شريط حقيقي صُمم بعناية ليكون للقهوة.

حتى الاسم له رمزيته؛ «إدّا» كلمة من الميثولوجيا الإسكندنافية وتعني مجموعة من الحكايات والمعارف التي تنتقل عبر الأجيال، و«أرابيكا» هو نوع البن الذي نعمل به. معًا أصبح الاسم تعبيرًا عن مشاركة القصص والمعرفة وربط الناس بالقهوة.

كيف تقيّمين مشهد القهوة في لبنان اليوم؟ وما أبرز التحديات التي تواجهينها في إدارة مقهى مختص في ظل الوضع الاقتصادي؟

مشهد القهوة المختصة في لبنان ما زال ناشئًا، لكنه يحقق تقدمًا رغم الأوضاع القاسية: الانهيار الاقتصادي، والتضخم، ونقص الموارد. ومع ذلك نحن نواصل العمل بما يتاح لنا. بالمقارنة مع أسواق أكثر استقرارًا، ما زال أمامنا الكثير من العمل لبناء القاعدة.

التحديات يومية ولا تنتهي: أحيانًا تنفد أبسط المستلزمات، وما يُفترض إنجازه في يوم قد يستغرق ثلاثة أيام. انقطاع الكهرباء وتأخر الشحنات وسلاسل التوريد المقطوعة جزء من حياتنا اليومية. ومع الوقت يتعلم الإنسان أن يتأقلم.

العمل في هذه الظروف يغيّر نظرتك للأشياء: تدرك أن وجود الماء والحرارة والبن كافٍ. أي قهوة أفضل من انعدامها. وما هو أبعد من ذلك يصبح هدية. هذه التجربة تعلّمك التواضع، وتجبرك على المرونة والتركيز على الحاضر، وتقدير ما هو متاح بالفعل.

us coffee shop

ما الذي دفعكِ إلى تأسيس «أس كوفي شوب»؟ وهل يختلف من حيث الجمهور والانتشار؟

«أس كوفي شوب» يقع في وسط بيروت في منطقة ستاركو. أشعر أنه فصل جديد، لكنه وُلد بفضل إدّا أرابيكا. ففي «إدّا» كنت أركز على التوجيه وتعليم الناس عن المصدر والتحضير والتذوق. أما « أس كوفي شوب » فحمل روحًا أخف وأكثر مرحًا. المكان نابض بالحياة، شبابي، مفعم بالطاقة. القهوة فيه مدروسة بعناية، والجودة حاضرة، لكن الهدف ليس الكمال بل خلق مساحة للتجربة والفرح.

الفكرة بدأت عندما تواصل معي أحد الشركاء لطلب استشارة في القهوة، ومن هناك نمت الفكرة. جمعت فريقًا أثق به وأحب العمل معه، وبنينا المشروع سويًا. بدأنا التنفيذ خلال فترة الحرب، ورغم الصعوبات استمررنا حتى الافتتاح. تلك الروح القوية انعكست على شخصية المكان.

حتى التصميم والألوان مستوحاة من لوحاتي، وهذا أعطى المكان طابعًا شخصيًا ومشرقًا. وفريق «إدّا» يعمل بالتناوب بين المقهَيَين، مما جعل الروح واحدة في كليهما.

ما يميز «أس كوفي شوب» هو تنوع جمهوره: مصممون، فنانون، طلاب، جيل شاب، محترفون، وعشاق قهوة فضوليون. لم يكن محصورًا في فئة ضيقة بل مفتوحًا للجميع. وهذا ما أحبه فيه أكثر: مكان بسيط، صادق، يرحّب بالناس كما هم.

لماذا قررتِ إطلاق برنامج «بارستا هاسل بالعربية»؟ وما أهمية توفير محتوى تدريبي باللغة العربية للمهنيين في القهوة؟

في عام 2017 تواصل معي جيريمي تشالندر، الذي يشغل اليوم منصب عميد الدراسات في المنصة، واقترح أن نطلق النسخة العربية. شعرت فورًا أن الفكرة صائبة. واصلنا النقاش حتى انطلق المشروع فعليًا عام 2019.

هذه المنصة تميزت بأنها سهلة الوصول، تعليمها واضح وجذاب، ولا تحتاج إلى سفر أو تكاليف كبيرة. لذلك كان توفيرها بالعربية أكثر من مجرد ترجمة كلمات، بل فتح باب المشاركة والشمولية. فليس بإمكان الجميع في منطقتنا حضور الدورات العالمية، لكن بهذه الخطوة صار بإمكان المزيد من المهتمين تطوير مهاراتهم ومعارفهم.

بالنسبة لي لم يكن الأمر محصورًا بالمهنيين فقط، بل أردت أن يشمل الهواة ومن يحضّرون في بيوتهم، وأصحاب المقاهي، وكل من لديه فضول تجاه القهوة. التعليم يجب أن يكون مفتوحًا ومرحّبًا ومتوفرًا للجميع.

rana ibrahim

هل واجهتِ صعوبات في نقل المحتوى التدريبي إلى العالم العربي؟ وكيف كان التفاعل معه؟

بالطبع واجهنا صعوبات. فترجمة محتوى القهوة إلى العربية لم تكن مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى. أحيانًا لم تكن هناك مصطلحات تقنية مكافئة بالعربية، فكنا مضطرين إلى صياغة مفردات جديدة يسهل فهمها. ثم إن العربية نفسها متعددة اللهجات، وما يصلح في لبنان قد لا يتقبله القارئ في المغرب أو الخليج. لذلك سعينا إلى لغة عربية حديثة، محايدة، سهلة، وقريبة من الجميع.

التحدي الآخر كان النبرة؛ فالمنصة بطبيعتها تقنية جدًا، لكن هدفنا كان جعلها أكثر ودًّا وقربًا من القارئ. لم نخاطب المحترفين فقط، بل أردنا أن يشعر أي قارئ بالترحيب.

أما التفاعل فقد كان مشجعًا جدًا؛ الكثيرون كانوا بانتظار هذه الخطوة. وتلقينا ردود فعل إيجابية خصوصًا ممن لم تتح لهم فرصة التعلم المنظم بالعربية من قبل. بالنسبة للكثيرين كانت هذه المرة الأولى التي يشعرون فيها أنهم جزء من الحوار العالمي حول القهوة.

ماذا يعني لكِ حصولك على شهادة «كيو غريدر»؟ وكيف أثرت على طريقتك في تذوق القهوة وتقييم المحاصيل؟

الحصول على هذه الشهادة بالنسبة لي مسؤولية أكثر منه لقبًا. فقد منحتني إطارًا منهجيًا لتذوق القهوة وتقييمها، لكنها قبل ذلك علمتني الإصغاء للفنجان بطريقة مختلفة، والاقتراب من عمل المزارعين بعدل وصدق.

هذه التجربة درّبت حواسي على التركيز والدقة، لكنها في الوقت ذاته جعلتني أكثر تواضعًا. فالقهوة ليست مجرد أرقام أو درجات، بل قصة عن مكان وأشخاص ومناخ. لذلك عندما أقيم محصولًا لا أسأل فقط: هل هو 86 أو 87؟ بل أفكر أيضًا في كيفية ظهوره في المقهى وكيف سيختبره الناس.

لهذا أعتبر الشهادة أداةً وليست غاية. إنها تساعدني على التواصل بشكل أوضح مع الآخرين في سلسلة القهوة، وتقدير الجهد المبذول خلف كل فنجان.

كيف تصفين تجربتك في اجتياز اختبارات «كيو غريدر»؟ وهل تنصحين المهنيين العرب بخوضها؟

بصراحة، لم أكن قد وضعت هذه الشهادة ضمن خططي. لكن محمد مرعي من «سايفر» شجعني ودعمني بطريقة سأبقى ممتنة لها دائمًا. منحني المرونة والوقت من دون ضغط مادي أو زمني، وهذا ساعدني جدًا.

الاختبارات نفسها صعبة جدًا، دقيقة وتقنية وتحتاج إلى هدوء وثقة بالحواس. لكني أنصح المهنيين العرب بخوضها، ليس من أجل اللقب أو المكانة، بل من أجل الوعي والوضوح الذي تمنحه. فهي توفر لغة مشتركة وإطارًا يساعد على التواصل الأوضح داخل سلسلة القهوة.

لكنها ليست الطريق الوحيد، فهناك مسارات أخرى كثيرة في عالم القهوة. ومع ذلك، لمن لديه فضول ويرغب في التعمق، فإن هذه التجربة غنية وقيمة للغاية.

women in coffee

كيف ترين حضور المرأة في مشهد القهوة العربي اليوم؟

هناك تحوّل واضح. نساء كثيرات أصبحن حاضرات في المشهد العربي: باريستات، ومحمّصات، وصاحبات مقاهٍ، ومدرّبات، وحتى مزارعات. هذا الحضور يتزايد بقوة.

صحيح أن هناك فجوات في التمثيل والفرص، لكنني أرى تغيرًا إيجابيًا في السنوات الأخيرة؛ هناك استعداد أكبر للاستماع ولإفساح المجال. والنساء أصبحن يثبتن وجودهن بشكل طبيعي، لا كاستثناء بل كجزء أصيل من الصناعة.

الأجمل أن النساء أنفسهن بدأن يشكّلن شبكات دعم متبادلة، يتبادلن المعرفة ويقوين بعضهن البعض. وفي المقابل أرى أن المجتمع أيضًا أصبح أكثر تقبّلًا للاستماع إلى أصوات النساء وتقدير طرق قيادتهن المختلفة.

ما رأيكِ في نظام التقييم الجديد الذي أطلقته الجمعية المتخصصة للقهوة؟

لم أتمكن بعد من التعمق فيه بشكل كامل، لكنني اطلعت على بعض ملامحه. أعجبني أنه يبدو أكثر إنسانية وأقل تركيزًا على الأرقام، وأكثر ارتباطًا بالتجربة والمعنى. فهو لا يهمل الجانب الحسي، لكنه يضيف السياق والقصة والنية، وهذا ينسجم مع طريقتي الحالية في التعامل مع القهوة.

Qahwat Al-Souq

ما قصة «قهوة السوق»؟ وهل يمكن اعتبارها مشروعًا اجتماعيًا وثقافيًا أكثر منه تجاريًا؟

تقع «قهوة السوق» داخل متجر قديم كان يملكه جد والد زوجي في بلدة بعقلين بالشوف، وكان من أقدم المتاجر هناك. مع مرور الوقت أُغلق المتجر، لكن طابعه بقي. اقترح عليّ والد زوجي أن نعيد إحياءه، ليس كمتجر بل كمساحة للمجتمع.

أبقينا على معظم تفاصيله القديمة: الرفوف، والإضاءة، حتى الخزنة الحديدية التي لم تُفتح قط. المكان تحوّل إلى مساحة يجتمع فيها الناس، تُعرض فيها الأعمال الفنية، تُعزف الموسيقى، وتُقدّم القهوة. المشروع لم يكن بدافع تجاري، بل لإعطاء شيء لهذا المكان الذي منحنا الكثير.

هل هناك فنجان قهوة لا يمكن أن تنسيه؟

يصعب اختيار فنجان واحد، فكل تجربة تحمل معها سياقًا وشخصًا وذكرى. لكن أذكر أن أول فنجان قهوة محمصة خفيفة من أحد المحامص الأوروبية غيّر فهمي للنقاء والتوازن.

كما لا أنسى فنجانًا شربته في بنما مع صديق خلال زيارة لمزرعة، وكان المشهد والطبيعة واللحظة لا تُنسى.

وفي بيروت، خلال فترة القصف، أعددت فنجانًا من قهوة قديمة كنت أخزّنها مع صديق، وكان الشعور وكأنه آخر فنجان في الحياة، وهذا ما جعله حاضرًا في ذاكرتي بقوة.

وأيضًا في كولومبيا، حين قدّمت لي زوجة أحد المزارعين فنجانًا بسيطًا في بيتها، لكنه كان مليئًا بالدفء والصدق، وبقي أثره في داخلي.

ما النصيحة التي تقدمينها لعشاق القهوة الذين يرغبون في دخول هذا المجال؟

أن يبدأوا بالفضول ويحافظوا عليه حيًا. فأنا عندما دخلت عالم القهوة لم أكن أبحث عن لقب أو شهادة، بل عن المعرفة. جربت كثيرًا، تذوقت كثيرًا، سألت كثيرًا، وراقبت كيف يعمل الآخرون. وهذا ما زال أسلوبي حتى اليوم.

لا يحتاج المرء في البداية إلى أفضل المعدات أو إلى معرفة كل شيء. الأهم أن يكون حوله أشخاص شغوفون. أن يتعلم بالتجربة وبالخطأ.

لا تتعجلوا الشهادات أو الكمال؛ قد تأتي لاحقًا أو تكتشفوا أنها ليست ما تبحثون عنه. الأهم أن تفهموا القهوة وتبنوا حسًا حقيقيًا بالضيافة؛ فهذه المهنة في جوهرها عن الناس لا عن التقنية فقط.

القهوة ستعلّمكم الصبر والانفتاح والمرونة إن تركتم لها المجال. لذلك كونوا لطفاء مع أنفسكم، وحافظوا على شغفكم، وعندما يكون حضوركم حقيقيًا، فإن كل شيء آخر سيجد طريقه.

Continue reading “رنا إبراهيم: القهوة بالنسبة لي فن وحياة.. و«إدّا أرابيكا» مساحة للقصص والإنسانية”

سعيد راشد البلوشي.. قصة شغف ورحلة ملهمة في عالم القهوة المختصة بالإمارات

دبي – علي الزكري

في قلب المشهد المزدهر للقهوة المختصة في الإمارات، يبرز اسم سعيد راشد البلوشي كرائد أعمال استطاع أن يحوّل شغفه بالقهوة إلى قصة نجاح ملهمة. من تأسيسه لمحْمصة “إل ماتادور كوفي روسترز” إلى إطلاقه لمقهى “لاما”، خاض رحلة مليئة بالتحديات، من التراخيص والإيجارات المرتفعة إلى تقلبات السوق العالمي، لكنه ظل ثابتًا على هدفه: تقديم تجربة إماراتية أصيلة تحمل هوية واضحة وجودة عالية.

في هذا الحوار، يشاركنا سعيد تفاصيل بداياته، الدروس التي تعلمها، رؤيته للمستقبل، وموقفه من الاستدامة التي أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من صناعة القهوة.

ما الذي دفعك لدخول عالم القهوة؟ وكيف بدأت الفكرة منذ البداية؟

القهوة بالنسبة لي لم تكن مجرد مشروب، بل كانت شغفًا وهوية. منذ أن أدركت أن المقهى ليس فقط مكانًا لتناول فنجان قهوة، بل فضاء للتواصل والإبداع، عرفت أنني أريد أن أكون جزءًا من هذه الرحلة. أردت أن أقدّم قهوة مختصة تحمل بصمتي الخاصة، تعكس روح الإمارات وتصل للعالم.

قبل افتتاح مشروعك الأول، ما الشيء الذي تمنيت لو أن أحدًا أخبرك به عن سوق القهوة في الإمارات؟

تمنيت لو أن أحدًا نبهني لحجم المنافسة الشرسة. السوق لا يرحم من يدخل دون خطة واضحة وتميّز. الجودة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى هوية قوية، وفريق مدرّب، وتسويق ذكي.

ما أبرز التحديات التي واجهتها على المستوى الإداري أو المالي عند بدء المشروع؟

من أبرز التحديات كانت إجراءات الحصول على الرخصة واختيار الموقع المناسب. ماليًا، كانت الأشهر الأولى اختبارًا حقيقيًا لإدارة التدفقات النقدية مع ارتفاع تكاليف الإيجارات والمعدات.

هل كونك رائد أعمال إماراتي منحك تسهيلات معينة؟

بلا شك منحي ذلك بعض التسهيلات في التعامل مع الجهات الرسمية، لكن السوق نفسه يضعك أمام تحديات واقعية لا تفرّق بين إماراتي أو غيره: التنافس، التكاليف، وكسب ثقة العملاء.

كيف نجحت في بناء هوية خاصة لعلامتي “إل ماتادور” و”لاما كافيه”؟

في “إل ماتادور” ركزنا على القوة والشغف في التحميص، أما “لاما كافيه” فقدمنا هوية مرحة وعصرية تجعل العميل يشعر بالفرق منذ دخوله المكان. الهوية ليست شعارًا فقط، بل تجربة يعيشها الزبون.

برأيك، ما الأهم لنجاح المقهى: قوة العلامة التجارية أم جودة المنتج؟

كلاهما ضروري. الجودة تجذب الزبون أول مرة، والعلامة التجارية القوية تجعله يعود مرة أخرى. لا غنى عن أي منهما.

كيف تتعامل مع مسألة توظيف الكوادر، خصوصًا الباريستا المتخصصين؟

أبحث دائمًا عن الشغف قبل الخبرة. التدريب ممكن، لكن الباريستا الذي يحب القهوة ويؤمن بها هو الذي يصنع الفرق. السوق فيه كفاءات جيدة، لكن أحيانًا تحتاج لجذب مواهب من الخارج.

ما النصيحة التي تقدمها لأي شاب إماراتي أو رائد أعمال يفكر في فتح أول مقهى له في الدولة؟

ابدأ صغيرًا واختبر فكرتك قبل أن تستثمر مبالغ كبيرة. اعتمد على فريق قوي، ولا تكتفِ بتقليد فكرة ناجحة. ضع لمستك الخاصة، فهي ما سيصنع الفارق.

كيف ترى مستقبل علامتك التجارية خلال السنوات الخمس المقبلة؟

أرى “إل ماتادور” و”لاما كافيه” في توسع محلي وخارجي. هدفي أن نكون اسمًا إماراتيًا حاضرًا في مشهد القهوة العالمي.

لو كنت ستبدأ اليوم من الصفر، ما الذي ستفعله بشكل مختلف؟

سأركز منذ اليوم الأول على التسويق الرقمي، وسأبني شبكة قوية من الشركاء والموردين بشكل أسرع.

نتابع مؤخرًا تقلبات كبيرة في أسعار القهوة عالميًا. كيف ترى هذه التقلبات؟ وهل تؤثر مباشرة على عملياتك كمحمصة ومقهى في الإمارات؟

التقلبات حقيقية وتؤثر علينا كمحمصة ومقهى، لكن التنويع في مصادر البن والتخطيط الطويل الأمد يساعد على امتصاص الصدمات.

ما رأيك في التهديدات التجارية الأخيرة، مثل الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على واردات القهوة من البرازيل؟

بالتأكيد مثل هذه السياسات تزيد هشاشة سلاسل التوريد. لذلك من المهم تنويع المصادر وعدم الاعتماد على بلد واحد.

من منظورك كرائد أعمال في الإمارات، هل ترى أن السوق المحلي يتأثر بهذه المتغيرات العالمية؟

نعم، السوق المحلي يتأثر بالمتغيرات العالمية، خصوصًا في الأسعار والتوريد. لكن الإمارات لديها مرونة عالية في الاستيراد وتنوع في المنافذ، وهذا يمنحها قدرًا من الاستقرار.

إلى أي مدى تعتقد أن الاستدامة أصبحت جزءًا أساسيًا من مستقبل القهوة؟ وهل تطبق مفاهيم الاستدامة في “إل ماتادور” أو “لاما كافيه”؟

الاستدامة لم تعد خيارًا بل ضرورة. في “إل ماتادور” نركز على علاقات مباشرة مع المزارعين وتقليل الهدر في التحميص والتغليف.

هل تعتقد أن المستهلك الإماراتي أصبح أكثر وعيًا بموضوعات مثل الاستدامة، التجارة العادلة، وأثر القهوة على البيئة؟

نعم، بشكل ملحوظ. اليوم الزبائن يسألون عن مصدر البن، وعن التجارة العادلة، وحتى عن أثر أكواب القهوة على البيئة. هذا وعي صحي يجبرنا على أن نكون أكثر شفافية.

في نهاية الحوار، يتضح أن رحلة سعيد راشد البلوشي ليست مجرد مشروع تجاري، بل قصة شغف ملهمة ورؤية طموحة تسعى لأن تضع بصمة إماراتية قوية في عالم القهوة المختصة، حيث تتلاقى الجودة مع الهوية والاستدامة مع الطموح.

Continue reading “سعيد راشد البلوشي.. قصة شغف ورحلة ملهمة في عالم القهوة المختصة بالإمارات”

كليا جونكيرا: من ساو باولو إلى دبي… تراث تصنعه حبة قهوة واحدة في كل مرة

دبي – علي الزكري

في عالم أصبحت فيه القهوة شكلاً عميقاً من أشكال التعبير الثقافي والهوية المجتمعية، تبرز كليا جونكيرا كصوت يتمتع بعمق إنساني وخبرة واسعة. بدأت رحلتها في مدينة ساو باولو بإطلاق مقهى صغير، وسرعان ما تحولت هذه البداية إلى رسالة حياة حملتها عبر القارات — درَّبت فيها محترفي تحضير القهوة، وشاركت في تحكيم بطولات دولية، واختصت في مصادر البن الأخضر، ودافعت عن الجودة والشمول والاستدامة.

مع خبرة عملية تمتد لما يقارب عقدين في البرازيل والإمارات، تجمع كليا بين الاحتراف الفني والاتصال الإنساني. وقد ساعدها تخصّصها في الصحافة على إبراز صوت المنتجين، بينما جعلها حصولها على شهادتي تقييم جودة بن أرابيكا وبن روبوستا النادرة جسراً بين التقاليد والابتكار.

ما الذي تعلّمته من عملها بين ثقافتين قهويتين مختلفتين؟ وكيف ترى تطور روبوستا في عالم القهوة المتخصصة؟ ولماذا تؤمن بأن القهوة يجب أن تبقى دائماً مرتبطة بالإنسان؟

انضموا إلينا في هذا الحوار العميق والملهم مع كليا جونكيرا.

كليا، للقراء الذين يكتشفونك لأول مرة عبر منصة قهوة ورلد، كيف تقدمين نفسك؟ وما قصة دخولك عالم القهوة؟

أنا محترفة قهوة من البرازيل، أقع في حب هذا المشروب — والناس خلفه — منذ عام 2005. بدأت رحلتي بمقهى صغير في ساو باولو، لكنه سرعان ما أصبح أكثر من مجرد مشروع. لقد أصبح نداء حياة. على مدار السنوات، عملت كمدربة تحضير قهوة، ومحمصة، ومتخصصة في البن الأخضر، ومُقيمة جودة بن أرابيكا وبن روبوستا، وحكم في المسابقات. كما أقدم استشارات للمحامص وموردي البن الأخضر. قادني شغفي بالقهوة من قلب ساو باولو إلى الشرق الأوسط، وما زالت القهوة تلهمني حتى اليوم.

افتتحت أول مقهى لك في ساو باولو عام 2005. كيف كانت تلك المرحلة؟ وما الذي جذبك للقهوة بهذا الشكل العميق؟

كان اسم المقهى “كافيترية”، وهناك وقعت في حب القهوة فعلاً. كان المكان دافئاً، مليئاً بالمحترفين المتحمسين والزبائن الفضوليين، وكل فنجان كان يروي قصة. وهناك بدأت بتقديم دورات تدريبية في تحضير القهوة. ما جذبني هو الطريقة التي توحّد بها القهوة بين الناس — من المزارعين، إلى المحترفين، إلى من يشربها. إنها تبني مجتمعاً. وأتذكر قصة طريفة من تلك الفترة: فتاتان عملتا معي لتوفير المال لجهاز زفافهنّ قبل أن تصبحن راهبتين. إحداهن الآن راهبة كرمليَّة حافية القدمين تعيش في إيطاليا، وما زلنا على تواصل حتى اليوم.

في بداياتك، تعاونتِ مع منظمة غير ربحية لتدريب شباب لم تتح لهم فرصة التعليم. كيف أثرت تلك التجربة فيك مهنياً وشخصياً؟

تلك المرحلة شكّلت قيمي. تدريب الشباب المحرومين ليصبحوا محترفين في تحضير القهوة منحني هدفاً. كثير منهم بنى مسيرة ناجحة في القهوة. علمتني تلك التجربة أن القهوة ليست مجرد مشروب، بل أداة للتمكين والتغيير الاجتماعي. غرست فيّ التعاطف، وأعطتني شعوراً بالمسؤولية لدعم الآخرين من خلال هذه الصناعة.

تحملين أيضاً شهادة في الصحافة. هل أثّر هذا التخصّص على طريقتك في التعليم أو التواصل أو حتى الاستشارات في مجال القهوة؟ بالتأكيد. الصحافة علمتني كيف أروي القصص وأبسط المواضيع المعقدة. سواء كنت أدرب فريق عمل أو أقدم استشارة لعلامة تجارية، أسعى دوماً لأن يكون التواصل واضحاً وهادفاً. كما ساعدني تخصصي في إعطاء صوت للمنتجين، خاصة أولئك الذين لا تُسمع أصواتهم كثيراً. وقد أصدرت بنفسي قرصاً بصرياً عام 2007 باللغة البرتغالية بعنوان: كيف تستمتع بفنجان قهوة جيد مع كليا جونكيرا.

أنتِ مقيمة جودة بن أرابيكا وروبوستا — مزيج نادر. ما الذي جذبكِ للعمل مع النوعين؟ وكيف ترين تطور روبوستا في عالم القهوة المتخصصة؟ بدأت العمل مع أرابيكا وكانيفورا (روبوستا) في البداية لأسباب تتعلق بالتكلفة، لابتكار خلطات بأسعار مناسبة. لكن مع مرور الوقت أدركت أن لكل نوع إمكانات رائعة. لا ينبغي للتحيّز أن يحدّ من رؤيتنا. روبوستا — كثيراً ما يُساء فهمه — يشهد اليوم تحسناً كبيراً في الجودة. ومع المعالجة الأفضل والمزيد من الشفافية، بدأ يجد مكانه في عالم القهوة المتخصصة، خصوصاً في التحضير المركز والثقافات التي تعتمد على التحضير التقليدي. وأنا فخورة بأني جزء من هذا التحول.

لقد ابتكرتِ خلطات لقهوة التحضير المركز، والترشيح، والقهوة العربية والتركية. كيف تبدئين عملية الابتكار عند تصميم خلطة لسوق معين؟ أبدأ دائماً بفهم السياق الثقافي: ما النكهات التي يرتبط بها الناس؟ ما الطقوس التي يمارسونها؟ وما الذي يتوقعونه من تجربة القهوة؟ بعد ذلك أستكشف مصادر البن وطرق معالجته وأنماط التحميص التي قد تتوافق أو تُفاجئهم بطريقة إيجابية. أقيّم القهوة بقصد، أختبر خيارات مختلفة، وأسعى دوماً للتوازن. هدفي أن أحترم القهوة وتوقعات العميل في آن واحد.

Cleia Junqueira evaluating a specialty coffee brew, showcasing her expertise as a certified Q-Grader and coffee consultant with nearly two decades of experience.

من خلال خبرتك في مراقبة الجودة، ما الشيء الذي ترين أنه مهم ويغفله كثير من المحامص أو أصحاب المقاهي؟ جودة المياه ومعايرة الطاحنة. هذان العاملان قد يصنعان الفرق في جودة الفنجان، ومع ذلك كثيراً ما يُهملان. ولا ننسى تدريب الفريق — فالاتساق لا يأتي من الآلات فقط، بل من الأشخاص أيضاً.

لقد قمتِ بتحكيم بطولات قهوة عالمية، وقضيت سنوات على طاولة التذوق. برأيك، هل التقييم الممتاز يعتمد أكثر على التدريب أم الحدس؟ كلاهما. التدريب يوفّر الهيكل والانضباط والمفردات والأسلوب. لكن الحدس يأتي من الخبرة والارتباط العاطفي. أفضل من عملت معهم في التذوق كانوا دقيقين تقنياً ومرهفين حسياً في آنٍ معاً. فهم لا يقيّمون القهوة فحسب، بل يشعرون بها.

لقد عملتِ في ثقافتين قهويتين مختلفتين: البرازيل والإمارات. ماذا علمتكِ هاتان التجربتان عن طرق استهلاك القهوة وتقديرها والاحتفاء بها؟ البرازيل علمتني الجذور: الإنتاج والجودة والاعتزاز بالمنشأ. أما الإمارات، فعلمتني الضيافة والتقاليد، وكيف توحّد القهوة الناس من ثقافات مختلفة. كلاهما يقدّر التواصل، لكن كلٌ بطريقته. والتباين بينهما جعلني محترفة أفضل.

عملتِ في مجلس إدارة جمعية القهوة المختصة في الإمارات، وقُدتِ فريق الجودة في مؤسسة قهوة بلانيت. من وجهة نظرك، ما الذي يجعل مشهد القهوة في الإمارات بهذه الحيوية؟

الإمارات تمثل مزيجاً مذهلاً من الابتكار والتقاليد. تجمع بين التأثيرات العالمية والطقوس المحلية العريقة في مكان واحد، وهذا يفتح المجال للإبداع. كما أن الناس هنا فضوليون — يريدون التعلم وتحسين تجربتهم، سواء كانوا يعدّون القهوة في منازلهم أو يديرون المقاهي.

بالنسبة لمن يرغب بإطلاق مشروع قهوة في الشرق الأوسط، ما هي أهم ثلاثة أمور يجب إتقانها من اليوم الأول؟

تدريب الفريق — لأن فريقك هو صوت علامتك التجارية.

فهم الثقافة — احترم وتفاعل مع تفضيلات السوق المحلية.

ثبات الجودة — لأنه يبني الثقة على المدى الطويل.

بعد أكثر من عقد من العمل في المنطقة، ما هو التحول القادم الذي تتوقعينه في مشهد القهوة بالخليج؟

أعتقد أننا سنشهد اهتماماً متزايداً من المستهلكين بقصص المنشأ، وكيفية زراعة ومعالجة القهوة. الشفافية والاستدامة سيصبحان أولوية، خصوصاً لدى الجيل الجديد.

بعد قرابة عشرين عاماً في هذا المجال، ما الذي ترين أنه مفقود في حوارنا العالمي حول القهوة؟

نتحدث كثيراً عن الجودة والاستدامة، لكن لا نتحدث بما فيه الكفاية عن الشمول — وخاصة المساواة بين الجنسين. لا تزال النساء يتقاضين أجوراً أقل من الرجال في نفس الأدوار عبر سلسلة التوريد. هذا يجب أن يتغير. الشمول يجب أن يكون في صلب مستقبل صناعتنا.

نشهد تزايداً في استخدام التكنولوجيا في القهوة — من التحميص بمساعدة الذكاء الاصطناعي إلى الكبسولات المبتكرة. ما التطورات التي تثير حماسك؟ وهل هناك اتجاهات تقلقك؟

أنا متحمسة للأدوات التي تحسّن الثبات، مثل برامج رسم منحنيات التحميص، أو أدوات تحليل الجودة المبنية على الذكاء الاصطناعي. لكنني حذرة من الإفراط في الأتمتة. حين تحل الآلات مكان اللمسة البشرية، نفقد الاتصال بالمنتج — وبالمزارع. القهوة تتعلق بالبشر، ويجب ألا ننسى ذلك.

لقد عملتِ تقريباً في كل حلقة من حلقات سلسلة القهوة — من التحميص إلى التوريد إلى التدريب إلى التحكيم. إذا كان عليكِ التركيز على مجال واحد فقط في السنوات العشر المقبلة، فماذا تختارين ولماذا؟

الاستشارات للمحامص الصغيرة التي تمر بمرحلة التوسع. هؤلاء عادة يحتاجون دعماً لبناء نظام جودة متين، وابتكار خلطات فعالة من حيث التكلفة، ووضع استراتيجيات توريد ذكية. أريد أن أواصل مساعدتهم في اختيار البن الأخضر المناسب، وتبنّي أدوات ذكية، والتواصل مع علماء القهوة لإدخال تعليم أعمق في مشاريعهم.

Continue reading “كليا جونكيرا: من ساو باولو إلى دبي… تراث تصنعه حبة قهوة واحدة في كل مرة”

من جبل إلجون إلى مقاهي دبي.. ديريك ونيالا يجسّر الفجوة بين المزارعين وعشاق القهوة

دبي – علي الزكري

نشأ وسط مزارع البن في أحضان جبل إلجون شرق أوغندا، حيث كانت حبات القهوة تُزرع بحب في حقول عائلته. واليوم، يقف ديريك ونيالا، المعروف باسم dero_de_barista@، خلف البار في دبي ليصنع أكثر من مجرد فنجان قهوة. هو يسرد حكايات المزارعين، ويمدّ الجسور بين من يزرع القهوة ومن يحتسيها. من خلال عمله في شركة “راو” الرائدة في القهوة المختصة، يبني ديريك مستقبله كخبير ومعلّم ومناصر لثقافة القهوة الشفافة والعادلة. في هذا اللقاء الحصري مع قهوة وورلد، يكشف ديريك عن رحلته من المزرعة إلى الكوب، ويشاركنا رؤيته الطموحة لمستقبل القهوة في بلده أوغندا.

نشأت في عائلة تزرع البن بالقرب من جبل إلجون. كيف أثّر ذلك على علاقتك بالقهوة اليوم، خصوصًا وأنت تعمل الآن على طرف مختلف من سلسلة القيمة؟

النشأة في عائلة تزرع القهوة شكّلت رؤيتي بشكل عميق كصانع قهوة. فهي تذكّرني دائمًا أن كل فنجان أُعدّه هو نتيجة لجهد أيادٍ كثيرة قبلي. وهذا يدفعني لأصنع القهوة بشغف ومسؤولية، تكريمًا للجهود والمحبة التي يضعها المزارعون، ومنهم عائلتي، في زراعة البن. هذه الصلة تلهمني أيضًا للاستمرار في التعلم، حتى أقدّم للناس ليس فقط قهوة ممتازة، بل معرفة حقيقية.

كثيرًا ما تقول إن دور الباريستا هو تمثيل المزارعين. كيف تنقل قصصهم وجهودهم في عملك اليومي؟

أشارك قصصهم من خلال التثقيف — لا أتحدث فقط عن الطعم، بل عن أصل القهوة والجهد المبذول في إنتاجها. تحضير فنجان رائع هو جزء، لكن خلق تقدير أعمق يتطلب شرح الرحلة التي تمر بها الحبة. كلما فهم الناس قيمة القهوة، زاد الطلب، وتحسنت الأسعار، واستفاد المزارعون أكثر. هذه هي الرسالة التي أحملها خلف البار يوميًا.

لديك شغف بالإسبريسو وV60، كيف تختار الطريقة المناسبة لتقديم القهوة لشخص جديد على عالم القهوة المختصة؟

الأمر يعتمد على المرحلة التي يمر بها الشخص في رحلته مع القهوة. إذا كان مبتدئًا تمامًا، أبدأ غالبًا بمشروبات قائمة على الإسبريسو، مثل اللاتيه المُحلّى، لتكون التجربة سلسة ومحببة. وعندما يصبح أكثر فضولًا، أقدّم له V60، فهي مثالية لإبراز النكهات وتعريفه بتعقيد ووضوح القهوة المختصة.

لديك حضور قوي على يوتيوب وإنستغرام. ما هي الرسالة الأهم التي تسعى لنقلها من خلال هذه المنصات؟

“القهوة ببساطة” — هذه هي جوهر رسالتي. أريد أن أجعل القهوة المختصة مفهومة وسهلة لأي شخص في أي مكان. كما أسعى لعرض الجانب الآخر من حياة الباريستا — الجهد، الإبداع، والحب — وبناء مجتمع عالمي يربط بين المزارعين وصانعي القهوة ومحبيها.

تعمل حاليًا في شركة قهوة راو، إحدى رواد القهوة المختصة في دبي. ماذا يعني لك العمل هناك؟ وكيف ساهم في تطوير مسيرتك؟

العمل في راو أكثر من مجرد وظيفة — إنه تجربة عملية حقيقية لما أحلم ببنائه مستقبلاً. السيدة كيم شاركتني ذات مرة أن أحد أصعب التحديات التي واجهتها في بدايتها كان نقص المعرفة بسوق القهوة. هذا الكلام بقي في ذهني. العمل في راو يمنحني المعرفة، والإرشاد، والمهارات التي ستُشكّل مستقبلي كرائد أعمال في عالم القهوة.

تحلم بأن تصبح مشتريًا للبن الأخضر وتؤسس شركتك الخاصة في أوغندا. ما هي الخطوات التي تتخذها لتحقيق هذا الحلم؟ وما الأثر الذي تطمح لإحداثه؟

بدأت بتأسيس مجتمع عالمي حول القهوة من خلال المحتوى الذي أقدّمه، لأتواصل مع الناس من مختلف الثقافات. أؤمن أن العلاقات والمعرفة هما مفتاح النجاح في هذا المجال. أركز الآن على التعلم، ليس فقط أن أطلب من المزارع زراعة “قيشا”، بل أن أتذوقها معه وأشرح له لماذا تهم. هذا الفهم المشترك يصنع فرقًا حقيقيًا.

ما الذي تفتقر إليه ساحة القهوة في أوغندا اليوم؟ وماذا سيقدّم مقهاك أو محمصتك المثالية للمجتمع المحلي؟

رغم أن أوغندا من كبار مصدّري البن عالميًا، إلا أن كثيرًا من الناس هناك لم يختبروا فنجان قهوة مختصة حقيقي. يجب أن يتغيّر ذلك. أحلم بفتح مقهى ومحمصة مختصة تعمل مباشرة مع المزارعين، وتركّز على الشفافية والتسعير العادل والتثقيف — نسخة أوغندية من شركة راو. أريد أن أقرّب بين ما نزرعه وما نشربه.

تطمح للفوز ببطولة العالم للباريستا. ماذا تعني لك هذه الجائزة شخصيًا؟ وما القصة التي تودّ روايتها على المسرح؟

لطالما كان حلمي أن أصبح بطل العالم للباريستا. ليس لأجل اللقب فقط، بل لأثبت أن بالإصرار والدعم المجتمعي يمكن تحقيق أي شيء. أريد أن ألهم الباريستا الشباب، خاصة من دول منتجة للبن، ليؤمنوا بقدراتهم. على ذلك المسرح، أود أن أروي قصة تربط بين المزرعة والفنجان — قصة تحتفي بالأيادي والقلوب والآمال خلف كل حبة بن.

Continue reading “من جبل إلجون إلى مقاهي دبي.. ديريك ونيالا يجسّر الفجوة بين المزارعين وعشاق القهوة”

كاترينا بوروديتش.. كيف تعيد رائدة أعمال شابة تعريف تجربة القهوة في دبي بين التقنية والمشاعر؟

دبي – علي الزكري

تصف كاترينا بوروديتش نفسها بأنها “مهندسة بالتعليم، مسوّقة بالفطرة، ورائدة أعمال بحكم الحياة”. وقد نجحت في تحويل هذا المزيج غير التقليدي إلى فلسفة عمل متكاملة تقف خلف واحدة من أسرع سلاسل القهوة نموًا في دبي: درينكيت.

في سوق مزدحم بالعلامات العالمية والمقاهي الفاخرة، اختارت كاترينا أن تبني شيئًا مختلفًا — علامة يومية، موثوقة، سريعة، وعاطفية في آنٍ واحد. وفي هذه المقابلة الخاصة مع قهوة ورلد، تشاركنا قصتها، من البدايات المتواضعة وحتى إدارة سلسلة رقمية تضم 8 فروع مع ثلاثة أخرى قيد التنفيذ.

التوازن بين المنطق والمشاعر

تقول كاترينا: “من خلال الهندسة تعلمت كيف أبني بعقلانية ومنهجية، ومن خلال التسويق تعلمت كيف أرى العالم بعين العاطفة والسرد القصصي. أما ريادة الأعمال، فقد علمتني التواضع.”

هذا المبدأ هو ما يشكل جوهر فلسفة درينكيت: وضوح في الأنظمة، ودفء في العلاقات. حتى أدق التفاصيل — من تصميم التطبيق إلى الترحيب بالزوار — تعكس هذا التوازن المدروس.

من التسويق إلى الواقع

خلال مسيرتها المهنية التي امتدت عبر الإمارات والمملكة المتحدة وروسيا، تعلمت كاترينا أن كل سوق يحمل درسًا. “روسيا علمتني الصمود، المملكة المتحدة علمتني التنظيم، أما الإمارات فعلمتني الرؤية.”

وعن انتقالها من خلفية تسويقية إلى تأسيس سلسلة مقاهٍ فعلية، تقول: “في التسويق، تبتكر قصة. أما في الأغذية والمشروبات، فأنت تعيش هذه القصة كل يوم. لا يمكنك أن تختبئ خلف العروض التقديمية. إذا كان القهوة باردة أو العميل غير راضٍ — فالمسؤولية عليك.”

ورغم صعوبة هذا التحول، إلا أنه منحها طاقة من نوع مختلف. “المساءلة اليومية قد تكون شاقة، لكنها أيضًا تمنحك وضوحًا مباشرًا. وهذا ما جعلني أقع في حب هذه الرحلة.”

التميّز في سوق مزدحم

ما يميّز درينكيت ليس الفخامة ولا الصخب. بل البساطة المدروسة. عندما وصلت كاترينا إلى دبي، لاحظت فجوة واضحة في السوق: علامة تقدم قهوة عالية الجودة، دون تعقيد، بأسعار مناسبة، وبأسلوب رقمي بالكامل يناسب نمط الحياة السريع.

تقول: “لم نسعَ لنكون الأفضل في الرفاهية أو الأجمل تصميمًا. أردنا أن نكون الأفضل لمن يبحث عن قهوة يومية ممتازة، بسرعة وسلاسة، وبتكلفة معقولة.”

أولويات رقمية.. بروح إنسانية

منذ اليوم الأول، بُنيت درينكيت كعلامة “رقمية أولًا”. أكثر من 99٪ من الطلبات تتم عبر التطبيق. لكن هذا لا يعني أن التجربة فقدت طابعها الإنساني.

توضح كاترينا: “نبدأ كل عملية بسؤال واحد: كيف تعمل هذه التجربة رقميًا؟ من تحديثات القائمة إلى برامج الولاء، كل شيء مصمم ليكون سريعًا وسلسًا. لكن خلف كل نقرة يوجد إنسان. لذا، فإن هدفنا هو بناء اتصال عاطفي — حتى في تجربة رقمية.”

وقد انعكس هذا المفهوم في التكنولوجيا المستخدمة. التطبيق والكشك الرقمي مصممان داخليًا، ونظام ERP متكامل يربط كل العمليات — حتى تطبيقات التوصيل مرتبطة داخليًا لتقليل الأخطاء وتوفير وقت الباريستا.

النمو السريع دون التفريط بالجودة

في أقل من عامين، توسعت درينكيت من فرع واحد إلى ثمانية. ستة من هذه الفروع حققت أرباحًا تشغيلية في الشهر الثاني فقط. وتحقق الفروع في المتوسط أكثر من 143,000 درهم إماراتي شهريًا لكل موقع.

ما سر هذا الأداء؟ تقول كاترينا: “نحن نعامل كل فرع جديد كأنه مشروع ناشئ. نعمل بمرونة، نراقب البيانات بدقة، ونستثمر في الفريق أكثر من أي شيء.”

البيانات في خدمة الفهم

البيانات تلعب دورًا كبيرًا في تحسين التجربة — لكنها ليست كل شيء. تقول كاترينا: “نستخدم البيانات لفهم عادات الضيوف. لماذا هذا المنتج ينجح في فرع معين؟ لماذا يزداد الطلب على الإفطار أيام الخميس؟ لكننا لا نكتفي بالأرقام.”

فريق درينكيت يملك عادة غير تقليدية: كل عضو في الإدارة العليا يعمل نوبة واحدة كل ربع سنة في أحد الفروع.

“نريد أن نبقى قريبين من الواقع. الأرقام مفيدة — لكن المحادثات مع الضيوف أكثر صدقًا.”

الاختيار الذكي للمواقع والتفاصيل الصغيرة

لا تختار درينكيت مواقعها بناءً على الحركة فقط، بل على الروتين اليومي للأشخاص. “أين يقضي الناس صباحهم؟ أين يحتاجون دفعة طاقة في خمس دقائق؟”

كما أن كل فرع جديد يحمل تحسينات عملية — من تصميم الرفوف إلى تدفق الحركة خلف البار. “تحسين بسيط يمكن أن يوفر وقتًا، يقلل التوتر، ويجعل يوم العمل أفضل لفريقنا.”

المستقبل: نمو ذكي لا عشوائي

المرحلة القادمة تشمل التوسع إلى أبوظبي والشارقة، إطلاق منتجات صحية جديدة، وتوسيع شبكة الامتيازات — مع ستة شركاء امتياز تم توقيع العقود معهم بالفعل.

لكن كاترينا تؤكد: “نحن لا نركض خلف الاتجاهات. نحن نستمع ونُجرب ونبقى قريبين من الضيف.”

عن كونها امرأة تقود التغيير

بصفتها مؤسسة ومديرة تنفيذية في قطاع سريع التوسع في منطقة الشرق الأوسط، ترى كاترينا أن البيئة في الإمارات تحتضن الطموح.

“بالطبع، واجهت لحظات شك أو تقليل من شأني. لكنني لم أركز على ذلك. ركزت على العمل. دبي تحترم الإنجاز.”

وتضيف: “نصيحتي؟ لا تحاول أن تكون أعلى صوتًا — كن أفضل. وكن محاطًا بمن يؤمن بك.”

نصيحة أخيرة لمن يبدأون

عندما سُئلت عما تتمنى لو عرفته في بداية الرحلة، أجابت ببساطة:

“أنجز، ولا تنتظر الكمال. اختبر، تعلم، وعدّل. ثق بحدسك، لكن لا تنس الآلة الحاسبة. واهتم بنفسك — أنت المحرك. إذا احترقت، فلن يعمل أي شيء.”

ثم تضيف بابتسامة: “واستمتع بالرحلة. أنت لا تبني شركة فقط — بل قصة ستفتخر بروايتها.”

Continue reading “كاترينا بوروديتش.. كيف تعيد رائدة أعمال شابة تعريف تجربة القهوة في دبي بين التقنية والمشاعر؟”

سارة العلي لـ”عالم القهوة”: التحكيم في البطولات العالمية مسؤولية وفرصة لصقل المهارات

جنيف – علي الزكري

على هامش مشاركتها في تحكيم بطولة فن اللاتيه ضمن فعاليات معرض عالم القهوة جنيف 2025، تحدثت السعودية سارة العلي، المحكّمة الدولية المعتمدة في بطولات فن اللاتيه، الباريستا، وتذوق القهوة، لموقع “عالم القهوة” حول تجربتها الواسعة في هذا المجال، والفروقات بين البطولات المحلية والعالمية، إضافة إلى نصائحها للمحكّمين العرب.

وقالت سارة: “الحمد لله، كانت لي تجارب تحكيمية متعددة على المستويات المحلية والدولية، شملت عدة دول في أوروبا وشرق آسيا والدول العربية، بالإضافة إلى مشاركتي في بطولات العالم في تايوان، جاكرتا، والآن في جنيف. كل تجربة منها كانت استثنائية ومليئة بالتعلّم. نحن كمحكّمين نتطور مع كل بطولة، فهي ليست مجرد تقييم، بل فرصة لصقل المهارات والممارسة المستمرة.”

وعن الفروقات بين البطولات، أوضحت: “البطولات المحلية عادة ما تكون بيئة تعليمية جيدة للمحكّمين الجدد، بينما في البطولات العالمية تكون المتطلبات أعلى بكثير، سواء من ناحية أداء المتنافسين أو دقة التحكيم. الفروقات واضحة في الجانب الفني، مثل التحليل البصري لفن اللاتيه أو تقييم توازن النكهات في الباريستا، وكلما كان مستوى البطولة أعلى، زادت الحاجة للخبرة والاطلاع.”

وأضافت: “أنصح كل من يطمح لأن يصبح محكّمًا بالتمرّن المستمر، والإلمام الدقيق بالقوانين والمعايير الخاصة بكل بطولة. التحكيم يتطلب مسؤولية كبيرة، وهناك تقييمات تُجرى للمحكّمين تشمل الأداء والانضباط والتفاعل. من المهم أن يكون المحكّم على دراية تقنية دقيقة، ومواكبًا لأحدث التطورات في مجالات التحكيم، سواء في فن اللاتيه أو الباريستا أو تذوق القهوة.”

واختتمت العلي تصريحها قائلة: “التحكيم ليس وظيفة روتينية، بل علم ومهارة وخبرة متجددة. والاستمرارية في هذا المسار تتطلب شغفًا والتزامًا وتفانيًا في أدق التفاصيل.”

Continue reading “سارة العلي لـ”عالم القهوة”: التحكيم في البطولات العالمية مسؤولية وفرصة لصقل المهارات”