شينخوا: في مرتفعات اليمن.. الأمل باقٍ حيث تنمو القهوة

دبي، 10 أغسطس 2025 – (قهوة ورلد) – نشرت وكالة أنباء الصين “شينخوا” تقريرًا بديعًا عن القهوة في اليمن، بعنوان “رسالة من الشرق الأوسط: في مرتفعات اليمن.. الأمل باقٍ حيث تنمو القهوة”، بقلم الكاتبة في الوكالة ين كه، التي يبدو من تقريرها أنها تعشق صنعاء وتعرف جيدًا حراز ومكانتها في عالم القهوة.

تستهل ين كه تقريرها بهذه العبارة المؤثرة: “مع بزوغ أول خيوط الشمس فوق التلال الوعرة في منطقة حراز غرب اليمن، التقيت بأحمد علي نسيم، المزارع الخمسيني، ويداه متلطختان بعصارة أشجار القهوة من عمله في الصباح الباكر”.

وقفنا على ممر ضيق يتعرج بين المدرجات الحجرية، وكان الهواء عليلًا يحمل عبق الأعشاب البرية ورائحة حبوب القهوة الناضجة.

وأشار إلى غصن مثقل بالثمار الحمراء قائلاً: “هذه الشجرة شهدت الحرب والعاصفة، تمامًا مثلنا”.

منذ ستة قرون، كانت مرتفعات حراز معروفة بأنها أحد مهود القهوة اليمنية التقليدية، إذ توفر المرتفعات العالية والتربة الصخرية الفريدة والمناخ الرطب ظروفًا استثنائية تكاد تكون قدَرًا لزراعة أجود أنواع القهوة.

يتذكر نسيم قائلًا: “كل موسم حصاد كان محجوزًا مسبقًا، وكل ما كان علينا فعله هو الحفاظ على الأشجار وأنظمة الري”.

لكن ذلك تغيّر مع اندلاع الحرب الأهلية في اليمن عام 2014.

ومع استمرار الصراع، اضطر بعض المزارعين إلى ترك أراضيهم بحثًا عن الأمان. وتعرضت صناعة القهوة اليمنية لضربة قاسية، فتوقفت الإنتاجية تقريبًا، وحلّ القات – وهو نبات منبّه شبيه بالتبغ – محل مزارع القهوة المزدهرة سابقًا.

ورغم الفوضى والنزوح، لم ينسَ الأهالي أشجار القهوة التي زرعوها بأيديهم. يقول نسيم: “أشجار القهوة في الجبال هي موطننا”.

ومنذ عام 2020، بدأت الأوضاع في شمال اليمن تستقر تدريجيًا، فعاد مزارعو حراز إلى أراضيهم، وأزالوا شجيرات القات وزرعوا شتلات قهوة جديدة.

ورغم الصعوبات والمحن، تستمر الحياة. يضيف نسيم: “طالما أشجار القهوة على قيد الحياة، فهناك أمل لنا”، وعيناه تتلألآن وهو يتأمل حبوب القهوة الناضجة.

ويهمس: “هذه الأرض تعود للحياة، تمامًا كما يبدأ الناس يومهم بفنجان قهوة، نحن المزارعين تبدأ حياتنا الجديدة مع هذه الأشجار”.

بالنسبة لليمنيين، تمثل القهوة مقياسًا دقيقًا لإيقاع حياتهم اليومية. فبينما تتزايد حركة بيع الحبوب بين نسيم والمزارعين الآخرين، تصطف طوابير الزبائن أمام المقاهي المحلية في مشهد يروي حكاية تجدد وعودة للحياة.

وفي معرض صغير للمنتجات المحلية في مدينة صنعاء القديمة، التقيت بوفاء عبد الله، شابة منظمة للمعرض، شبّهت القهوة بقدرة اليمن على الصمود.

قالت: “الناس يصفون النفط بالذهب الأسود، لكن قهوتنا لا تقل قيمة عنه. فهي تربطنا بالآخرين وبالعالم، وتوفر لقمة العيش للأسر”.

وفي الأيام الأخيرة من زيارتي، وردت أنباء عن تجدد الاشتباكات بين قوات الحوثيين والقوات الحكومية.

سألت نسيم إن كان سيغادر مجددًا إذا تصاعد العنف، فأخذني إلى شتلة قهوة صغيرة زرعها قبل موسمين، كانت خضراء يانعة وسط أرض جافة متشققة.

قال بهدوء: “مثل هذه الشجرة، لن أرحل هذه المرة. هذه الأرض هي جذورنا”.

اقرأ أيضا:

القهوة اليمنية: التاريخ والشهرة 

حراز: رحلة إلى قلب القهوة اليمنية

إنتاج القهوة يزدهر رغم التحديات: كيف نجحت اليمن وإثيوبيا وكولومبيا في تجاوز العقبات؟

Continue reading “شينخوا: في مرتفعات اليمن.. الأمل باقٍ حيث تنمو القهوة”

تغيّر المناخ.. غيوم من عدم اليقين تلوح في أفق أحزمة القهوة

بقلم: الدكتور شتيفن شفارز 

لا يواجه مستقبل القهوة تحديًا أكبر من تغيّر المناخ. فالقهوة من المحاصيل شديدة الحساسية للتغيرات المناخية، إذ تحتاج كل من أرابيكا وكانيفورا (روبوستا) إلى نطاقات محدودة من درجات الحرارة وكميات الأمطار. وأي انحراف في هذه الظروف قد يؤثر بشكل كبير على الإنتاجية ويقلل من المساحات الصالحة للزراعة.

الإجماع العلمي مقلق: إذا استمرت معدلات الاحترار الحالية، فإن العديد من مناطق القهوة الرئيسة قد تصبح هامشية بحلول منتصف القرن. وتشير أبحاث خبراء الزراعة ومنظمات مثل البحث العالمي للقهوة ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن ما يصل إلى نصف الأراضي المناسبة لزراعة القهوة اليوم قد تصبح غير صالحة بحلول عام 2050. وتُعد قهوة الأرابيكا الأكثر عرضة للخطر، إذ تحتاج إلى درجات حرارة معتدلة (بين 18 و22 درجة مئوية) وأنماط هطول أمطار محددة. وأظهرت دراسة كبرى انخفاضًا متوقعًا بنسبة 50% في المساحات الصالحة للأرابيكا عالميًا بحلول منتصف القرن، نتيجة ارتفاع الحرارة وتغير الفصول وزيادة انتشار الآفات والأمراض. أما كانيفورا، فرغم قدرتها الأكبر على تحمّل الحرارة، فإنها أيضًا مهددة بخسارة مساحات إذا زادت موجات التطرف المناخي والجفاف.

ويعيش المزارعون بالفعل آثار هذه التقلبات المناخية. فقد شهدت السنوات الأخيرة جفافًا شديدًا في منطقة سيرادو وجنوب شرق البرازيل (2014 و2020)، وصقيعًا أسود كارثيًا في يوليو 2021 دمّر ملايين الأشجار في حزام القهوة البرازيلي، وجفافًا وحرارة مطوّلة في فيتنام بين 2020 و2023 أثرت على إنتاج كانيفورا، وأمطارًا غزيرة غير معتادة بسبب تغيّر أنماط الموسميات في إندونيسيا وكولومبيا. أحداث كانت نادرة في الماضي، أصبحت الآن أكثر تكرارًا. وكما قال أحد المزارعين في ميناس جيرايس: “كنا نعتمد على هطول الأمطار في أوقات محددة، أما اليوم فلم يعد هناك أي توقع ثابت”. النتيجة: تذبذب أكبر في الإنتاج سنويًا وصعوبة متزايدة في التخطيط الزراعي.

تغيّر الخرائط المناخية لمناطق القهوة

تشير التوقعات المستقبلية إلى أن العديد من مناطق القهوة ستضطر “للهجرة” للبقاء، غالبًا إلى مرتفعات أعلى أو خطوط عرض أبعد عن خط الاستواء بحثًا عن المناخ المناسب. ففي أمريكا الوسطى قد تتقلص المناطق الحالية بشكل حاد، مما يدفع الزراعة إلى المرتفعات المحدودة. وفي شرق إفريقيا قد تحتفظ الهضاب بملاءمتها لفترة أطول، بينما ستواجه المناطق المنخفضة صعوبة. وفي البرازيل قد تتحرك المناطق المثالية جنوبًا أو إلى مناطق غابية، وهو ما قد يهدد بزيادة إزالة الغابات. وبحلول عام 2100، قد تشهد دول كبرى مثل البرازيل وفيتنام وكولومبيا تراجعًا حادًا في الإنتاج إذا لم تُعتمد استراتيجيات تكيف فعّالة.

استراتيجيات التكيف قيد التنفيذ

تعمل صناعة القهوة على عدة محاور للتكيف، من أبرزها تطوير أصناف مقاومة لتغير المناخ، عبر إعادة اكتشاف وتهجين أنواع برية تتحمل الحرارة أو الجفاف، وتطوير سلالات مقاومة لأمراض مثل صدأ أوراق القهوة. كما يتم توزيع شتلات هذه الأصناف على المزارعين.

وتشهد نظم الزراعة أيضًا تحولًا نحو القهوة المزروعة تحت الظل، حيث توفّر الأشجار غطاءً يحمي شجيرات القهوة من أشعة الشمس المباشرة، ويحافظ على رطوبة التربة، ويعزز التنوع الحيوي. كما تساعد أنظمة الري وإدارة المياه في مواجهة فترات الجفاف، رغم أن تكلفتها تمثل تحديًا للمزارعين الصغار.

أبعاد اجتماعية وتحولات جغرافية

حتى مع جهود التكيف، ستصبح بعض المناطق غير صالحة لزراعة القهوة. وهذا يحمل تبعات اجتماعية خطيرة، إذ قد يفقد ملايين المزارعين مصدر دخلهم، ما يزيد من الفقر والهجرة. وتحذر منظمات مثل الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) وفير تريد من أن غياب العمل المناخي الشامل قد يفاقم هذه الأزمات.

في المقابل، قد تنشأ فرص جديدة في مناطق لم تكن مناسبة من قبل، مثل أجزاء من جنوب الولايات المتحدة، وأورغواي، وشمال الأرجنتين، إضافةً إلى المرتفعات التي كانت باردة جدًا في السابق، مثل بعض الجبال في شرق إفريقيا. كما ظهرت تجارب زراعية في مقاطعة سيتشوان الصينية ونيبال قد تمهّد لظهور منابت جديدة إذا توافرت الظروف المناخية الملائمة.

تذبذب الإنتاج والأسواق

يمثل صقيع البرازيل في يوليو 2021 مثالًا صارخًا على أثر التقلبات المناخية، إذ خفّض بشكل مفاجئ توقعات حصاد الأرابيكا ورفع الأسعار العالمية لأعلى مستوى في عقد. وفي المقابل، فإن غياب الصقيع في 2022–2023 مع الجفاف أفرز تأثيرات مختلفة لكنها مؤثرة. ومع تزايد الأحداث المتطرفة، يدرك قطاع القهوة أن التخطيط وفق “المتوسط المناخي” لم يعد مجديًا، فالتقلبات أصبحت القاعدة. وكما وصف أحد المحللين: “الاتجاه الوحيد الثابت هو غياب الثبات”. هذا الواقع يعقّد قرارات الاستثمار للمزارعين، ويصعّب على المشترين تأمين الإمدادات، ما يزيد من تقلبات السوق، وهي مسألة مرتبطة بشكل مباشر بالعوامل المالية التي سنستعرضها لاحقًا.

Continue reading “تغيّر المناخ.. غيوم من عدم اليقين تلوح في أفق أحزمة القهوة”

جيل جديد من مستهلكي القهوة

بقلم الدكتور شتيفن شفارز

كما تعولمت زراعة القهوة وإنتاجها، كذلك انتشرت أنماط استهلاكها عالميًا. فقد كانت أوروبا (خصوصًا الدول الإسكندنافية وإيطاليا) وأمريكا الشمالية تاريخيًا من أكبر مستهلكي القهوة. لكن اليوم، تشهد الأسواق الناشئة – بما في ذلك العديد من الدول المنتجة للبن – ثورة في أنماط الشرب المحلي، بعد أن كانت تُصدر أغلب إنتاجها. هذا التحول جعل القهوة منتجًا مطلوبًا محليًا، وليس فقط سلعة للتصدير.

البرازيل: من مزرعة عالمية إلى دولة عاشقة للقهوة

لطالما اعتُبرت البرازيل “سلة بن العالم”، لكنها أصبحت اليوم أيضًا من أكبر الدول المستهلكة له. فالاستهلاك المحلي في البرازيل يُقدَّر بنحو 22 إلى 23 مليون كيس سنويًا، وهو رقم يقترب من حجم استهلاك الولايات المتحدة – أكبر مستهلك للقهوة عالميًا. ويستهلك البرازيليون اليوم نحو نصف ما ينتجونه. هذا النمو مدفوع بثقافة القهوة المتجذرة في المجتمع (مثل قهوة الكافيزينيو التقليدية)، وارتفاع مستويات الدخل، وحجم السكان الهائل. ومع أن البرازيل ما زالت تصدّر معظم محاصيلها، فإن السوق المحلية تُعدّ قاعدة طلب مستقرة وتفتح المجال لإبقاء عمليات التحميص والمعالجة والقيمة المضافة داخل البلاد.

فيتنام: نهضة ثقافية قهوية

فيتنام، ثاني أكبر منتج للبن في العالم، كانت تقليديًا تميل أكثر إلى شرب الشاي وتصدير القهوة. إلا أن المشهد تغيّر كثيرًا مع ظهور ثقافة قهوة فيتنامية مميزة – مثل “قهوة الحليب المكثف المثلجة” (cà phê sữa đá) – وانتشار المقاهي التي تلبي أذواق الطبقة الوسطى الشابة. وتشير بيانات وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن الاستهلاك المحلي في فيتنام سيصل إلى 4 ملايين كيس في موسم 2024/2025، مع توقعات ببلوغه 4.9 ملايين كيس في 2025/2026. ورغم أن معدل الاستهلاك للفرد لا يزال متواضعًا، فإن السوق المحلية تنمو بثبات إلى جانب صادراتها الضخمة.

الهند: من تقاليد الشاي إلى مقاهي القهوة

الهند بلد معروف بتقاليد شرب الشاي، لكن القهوة تشهد فيه صعودًا سريعًا. إذ ساعد التوسع الحضري وتغير أنماط الحياة وانتشار سلاسل المقاهي في نمو الطلب على القهوة. ورغم أن الاستهلاك لا يتجاوز 1.3 إلى 1.5 مليون كيس سنويًا، فقد نما السوق بنحو 30% بين عامي 2018 و2024. ويتوقع المحللون أن يتضاعف السوق المحلي للقهوة في الهند بحلول عام 2030، مع توسع سلاسل المقاهي خارج الولايات الجنوبية وانتقال ثقافة القهوة إلى الأجيال الشابة.

الصين: المستهلك العملاق يستيقظ

لا توجد قصة أكثر دراماتيكية من قصة القهوة في الصين. بعد أن كانت دولةً يغلب عليها شرب الشاي، شهدت الصين طفرة هائلة في استهلاك القهوة خلال العقد الماضي، بنسبة نمو تقارب 150%. فقد ارتفعت واردات القهوة من أقل من 1 مليون كيس في 2014/2015 إلى 3.6 ملايين كيس متوقعة في 2024/2025. ومن المتوقع أن يصل إجمالي استهلاك القهوة في الصين إلى 6.3 ملايين كيس هذا العام، ارتفاعًا من 2.5 مليون فقط قبل عشر سنوات.

وتزرع الصين البن أيضًا، خصوصًا في مقاطعة يونان التي تنتج نحو 1.9 مليون كيس من أرابيكا، لكن هذا يغطي فقط 30% من الطلب المحلي. أما النسبة المتبقية فتأتي من الواردات، خاصة من البرازيل وكولومبيا (التي تجاوزت فيتنام مؤخرًا كمصدر رئيسي). ومع تحول الذوق الصيني من القهوة سريعة التحضير إلى القهوة المختصة، تتغير أنماط التجارة العالمية وأسعار البن.

زيادة الاستهلاك المحلي في الدول المنتجة

تشهد دول أخرى منتجة للبن نفس الظاهرة. في إندونيسيا، تنمو سلاسل المقاهي المحلية في المدن الكبرى، وفي إثيوبيا، ما تزال طقوس تحضير القهوة تحتفظ بمكانتها المركزية في الحياة اليومية إلى جانب مشهد مقاهي متزايد. أما في أمريكا الوسطى، فترسخت ثقافة المقاهي في دول مثل غواتيمالا وكوستاريكا، رغم أن التصدير لا يزال هو النشاط الأساسي.

حتى الأسواق الناشئة المستوردة، مثل تركيا ومصر والجزائر، تُظهر طلبًا قويًا على القهوة أو مشروبات مشابهة لها. لكن التحول الأكبر يتمثل في أن الدول المنتجة أصبحت اليوم تستهلك نحو 30% من القهوة العالمية، مقارنة بأقل من 20% في تسعينيات القرن الماضي، حسب بيانات المنظمة الدولية للقهوة (ICO). وهذا يعني تنوعًا جغرافيًا أوسع في الطلب العالمي. كما أن الطلب المحلي يساعد على امتصاص الفوائض في مواسم الإنتاج الكبيرة، لكنه يضيف ضغطًا في حالات نقص المحصول أو ارتفاع الأسعار، إذ يتنافس المستهلك المحلي مع المستوردين العالميين على حصة السوق.

نظرة مستقبلية وإشارات تساؤل

ما يلفت الانتباه هو أن النمو في أسواق مثل الصين والهند والبرازيل وفيتنام والمكسيك مرشح للاستمرار. فهذه الدول تضم أعدادًا ضخمة من السكان، لكن بمعدلات استهلاك فردي منخفضة مقارنة بأوروبا. لذا فإن أي زيادة بسيطة في معدل الاستهلاك لكل فرد تعني قفزات هائلة في الطلب الإجمالي.

هذا يمنح الصناعة آفاقًا واعدة على المدى الطويل، لكنه يثير تساؤلات مهمة:

  • هل تستطيع الإنتاجية مجاراة هذا النمو؟

  • كيف يمكن ضمان الاستدامة والجودة في ظل التوسع؟

  • وهل ستحفّز هذه الطفرة الدول المنتجة على الاحتفاظ بقيمة مضافة محليًا، مثل التحميص والتعبئة والترويج، بدلًا من تصدير الحبوب الخام؟

هذه التساؤلات تمهّد للجزء التالي من تحليلنا، حيث نناقش التحديات البيئية، ومعوقات سلاسل التوريد، وديناميكيات السوق التي ستحدد مستقبل القهوة العالمي.

Continue reading “جيل جديد من مستهلكي القهوة”

عمالقة جدد في إنتاج القهوة

بقلم الدكتور شتيفن شفارز 

لطالما كانت جذور القهوة ممتدة في إفريقيا، ثم ازدهرت شهرتها عالميًا انطلاقًا من أمريكا اللاتينية. لكن في العقود الأخيرة، أعادت خريطة الإنتاج العالمي رسم نفسها، لتُبرز قوى جديدة في المشهد. ولعل أبرز تلك التحولات تمثل في الصعود السريع لدولة فيتنام، التي أصبحت اليوم إحدى ركائز السوق العالمي.

في ثمانينيات القرن الماضي، لم تكن فيتنام تُذكر بين كبار المنتجين. لكن بفضل إصلاحات اقتصادية كبرى (سياسة “دوي موي”) واستثمارات حكومية ضخمة، تحوّلت المرتفعات الوسطى إلى مركز ضخم لزراعة الروبوستا عالية الإنتاج. فقد قفز الإنتاج من 91,000 طن فقط عام 1975 إلى ما يقارب 1.8 مليون طن في أواخر العقد الثاني من القرن الـ21، لتحجز لنفسها حصة تتراوح بين 17% إلى 18% من الإنتاج العالمي. وعادة ما تُنتج فيتنام بين 27 إلى 30 مليون كيس سنويًا، معظمها من الروبوستا.

لكن موسم 2023/2024 شكّل تراجعًا حادًا، حيث أفادت منظمة الأغذية والزراعة (FAO) بأن الجفاف والحرارة الشديدة تسببا في انخفاض الإنتاج بنسبة 20%. ووسط ارتفاع الأسعار محليًا، لجأ المزارعون إلى تخزين المحاصيل على أمل تحقيق أرباح أعلى لاحقًا، مما صعّب على المصدرين الحصول على الحبوب في بداية الموسم.

وتشير التوقعات إلى تحسّن في المواسم القادمة، حيث من المنتظر أن يصل الإنتاج إلى 29 مليون كيس في 2024/2025، و31 مليون كيس في 2025/2026، لتُعزز فيتنام مكانتها كأكبر مصدر للروبوستا عالميًا. كما يُتوقع أن تعود الصادرات إلى الارتفاع لتبلغ 27 مليون كيس بحلول 2025/2026، بعد تراجعها في النصف الأول من الموسم بسبب احتفاظ المزارعين بمخزونهم.

ورغم هذا الإنجاز، إلا أن النمو السريع اعتمد على نظم الزراعة الأحادية المكثفة والتوسع في الأراضي، وهما نهجان يواجهان الآن إعادة تقييم بسبب تصاعد التحديات المناخية.

ما بعد فيتنام: قوى ناشئة أخرى

في آسيا، تحتفظ إندونيسيا بموقعها بين كبار المنتجين. فإلى جانب أرابيكا من سومطرة وجاوة وسولاويزي، تُنتج البلاد كميات كبيرة من كانيفورا (روبوستا) في سومطرة الجنوبية. ورغم تراجع الإنتاج بنسبة 16.5% في 2023 بسبب الأمطار الغزيرة، تتجه الأوضاع للتعافي. إذ تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) أن يبلغ الإنتاج 10.9 مليون كيس في 2024/2025، مقارنة بـ8.1 مليون كيس في العام السابق، بزيادة ملحوظة تبلغ 2.7 مليون كيس من الكانيفورا.

وفي إفريقيا، تحتفظ إثيوبيا بمكانة رمزية وعملية كبرى. فعلى الرغم من كونها تحتل المرتبة الخامسة تقريبًا من حيث الحجم، إلا أنها تُعد مهد الأرابيكا. ومعظم الإنتاج الإثيوبي يأتي من مزارعين صغار، وقد سجل رقمًا قياسيًا بلغ 11.6 مليون كيس في 2025/2026. وتستهلك البلاد داخليًا نحو 50% من إنتاجها، مما يعكس عمق ارتباط القهوة بالثقافة المحلية. ورغم ذلك، فقد وصلت صادراتها إلى 2.6 مليار دولار بفضل تحسين الجودة وتوسيع فرص الوصول للأسواق.

أما أوغندا، فهي تنافس إثيوبيا في حجم الإنتاج الإفريقي، مع تركيز أكبر على كانيفورا، وهي نوع محلي الأصل، إلى جانب أرابيكا من مرتفعات جبل إلغون.

أمريكا الوسطى ومنافسون آخرون

في أمريكا الوسطى، تفوقت هندوراس مؤخرًا على جيرانها لتصبح أكبر منتج إقليمي، بعد تعافيها من وباء “الصدأ” الذي ضرب المحاصيل عام 2012، وهي تُصدر حاليًا أكثر من 6 ملايين كيس سنويًا.

أما المكسيك، فقد استعادت بعض قوتها بعد سنوات من التراجع، مع استقرار الإنتاج عند 4 ملايين كيس تقريبًا. وقد ارتفع إنتاج الأرابيكا بنسبة 5.2% هذا العام، لكن إنتاج الكانيفورا انخفض بمقدار الثلث بسبب موجات الحر التي ضربت مزارع المناطق المنخفضة في ولاية فيراكروز. ويُبرز هذا التفاوت كيف أن نجاح كل نوع يعتمد على الظروف المناخية الدقيقة.

خريطة عالمية متغيرة

تشمل خارطة إنتاج القهوة عالميًا:

  • أمريكا اللاتينية: حوالي 41% من الإنتاج العالمي

  • آسيا وأوقيانوسيا: نحو 27%

  • إفريقيا: قرابة 17%

وتبقى القهوة محصولًا عالميًا بامتياز، تنتجه عشرات الدول، وتتغير خريطته باستمرار بتأثير الاقتصاد والمناخ والتقنيات الزراعية. وبين مزارع صغيرة وكبيرة، من الشرق إلى الغرب، يواصل هذا القطاع الحيوي التحول، مشكلًا مشهدًا جديدًا لمستقبل القهوة عالميًا.

Continue reading “عمالقة جدد في إنتاج القهوة”

الرحلة العالمية للقهوة: من مواطنها التقليدية إلى آفاق جديدة

بقلم: الدكتور شتيفن شفارتس (مؤسسة كوفي كونسلت) & فريق التحرير في قهوة ورلد

في ساعات الفجر الباردة من مرتفعات إثيوبيا، يعتني مزارع صغير بأشجار البن العربي القديمة – نفس النوع الذي يُعتقد أن الرهبان استخدموه أول مرة في تحضير القهوة قبل قرون. وعلى الجانب الآخر من العالم، في مرتفعات فيتنام الوسطى، تصطف أشجار الروبوستا على امتداد التربة الحمراء، مشكّلةً مشهدًا زراعيًا تحول بالكامل في العقود الأخيرة. هذا التباين الجغرافي يعكس رحلة القهوة العالمية الحقيقية: تُزرع في أكثر من 80 دولة عبر “حزام القهوة”، وتُستهلك بشكل متزايد في كل مكان، من ساو باولو إلى شنغهاي.

تتناول هذه المقالة تطور إنتاج القهوة في الدول التقليدية الكبرى والناشئة، كما تستعرض تأثير التغير المناخي، واضطرابات سلاسل التوريد، والمضاربات المالية، والاتجاهات الاستهلاكية الجديدة التي تعيد تشكيل مستقبل هذه الصناعة. ومن خلال عدسة علمية موجّهة للمتخصصين في القهوة والصحفيين المهتمين، نستعرض كيف تُزرع القهوة، وتُتاجر، وتُحتسى في عالم سريع التغيّر.

الجذور.. في قلب مواطن القهوة التقليدية

(المساهمة الأصلية للدكتور شتيفن شفارتس)

تبدأ قصة القهوة كمحصول عالمي في غابات جنوب غرب إثيوبيا، حيث تطوّر بن الأرابيكا ونما بريًا. وتتناقل الأساطير المحلية قصة الراعي “خالد”، الذي لاحظ نشاط ماشيته بعد أن أكلت من ثمار الكرز الأحمر. سواءً أكانت القصة حقيقية أم لا، من المرجح أن الرهبان الإثيوبيين كانوا أول من حضّر القهوة في القرن الخامس عشر. ومن إثيوبيا، انتقلت زراعة القهوة إلى اليمن، حيث استخدمها الصوفيون في تأدية صلواتهم الليلية.

وبحلول القرن السابع عشر، وصلت القهوة إلى موانئ أوروبا، وبدأت القوى الاستعمارية في زراعتها في مستعمراتها الاستوائية. أدخلها الهولنديون إلى جزيرة جاوة (التي اشتُق منها مصطلح “جافا”)، وزرعها الفرنسيون في الكاريبي، بينما اختار البرتغاليون البرازيل. وهكذا بدأت إمبراطورية القهوة العالمية، التي انتقلت مع مرور الوقت حسب المناخ والتجارة.

استفادت البرازيل من أراضٍ شاسعة ومناخات مثالية، لتصبح الدولة المهيمنة على إنتاج القهوة عالميًا. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت البرازيل أكبر مصدر للقهوة في العالم – وهو موقع ما زالت تحتفظ به حتى اليوم. تعلمت أجيال من المزارعين البرازيليين إتقان زراعة البن، خاصة في ولايات ريو دي جانيرو، ساو باولو، وميناس جيرايس، وتجاوزوا تقلبات السوق المعروفة باسم سياسة الحليب بالقهوة (Cafés com leite).

واليوم، تمثل البرازيل وحدها ما بين 30 إلى 40% من الإنتاج العالمي للقهوة (حوالي 65 مليون كيس زنة 60 كلغ سنويًا). وبالإضافة إلى تفوقها التاريخي في إنتاج أرابيكا، أصبحت في السنوات الأخيرة رائدة أيضًا في إنتاج نوع كانيفورا (C. canephora، المعروف خطأ باسم روبوستا). وفي موسم 2024/2025، بلغ إنتاج البرازيل من كانيفورا 21 مليون كيس – وهو رقم قياسي – ومن المتوقع أن يصل إلى 24.1 مليون كيس في 2025/2026. هذه الخطوة تمكّن البرازيل من التكيف مع التغيرات المناخية، إذ يُعرف الكانيفورا بقدرته على تحمل الحرارة والارتفاعات المنخفضة، رغم أنه لا يزال عرضة للجفاف.

أما كولومبيا، فقد أسهمت بدورها بشكل كبير في مسيرة القهوة، وارتبط اسمها عبر العقود بالقهوة المعتدلة عالية الجودة، ممثلةً بشخصية “خوان فالديز” الشهيرة. بعد انتشار مرض صدأ الأوراق في العقد الماضي، تعافت البلاد عبر تبنّي أصناف مقاومة. لكن إنتاجها ظل يتأثر بالعوامل المناخية.

وتشير التقديرات الأخيرة لوزارة الزراعة الأمريكية إلى أن إنتاج كولومبيا قد ينخفض بنسبة 5.3% ليصل إلى 12.5 مليون كيس في موسم 2025/2026 (مقارنة بـ13.2 مليون في العام السابق)، بسبب هطول الأمطار الغزيرة غير المعتاد الذي أعاق عملية الإزهار. هذه الظاهرة المرتبطة بظاهرة “النينيا” تُظهر أن حتى المرتفعات المدارية ليست بمنأى عن تقلبات المناخ. ومع ذلك، من المتوقع أن يتحسن الوضع المناخي في أواخر عام 2025، مع زوال تأثير النينيا.

تواجه كولومبيا تحديًا مستمرًا في الحفاظ على استقرار المحاصيل، خصوصًا مع تقدم عمر أشجار البن. ورغم جهود الاتحاد الوطني لمزارعي البن في تشجيع تجديد المزارع، فإن ارتفاع الأسعار مؤخرًا دفع العديد من المزارعين لتأجيل التجديد وبيع المحاصيل. ومع ذلك، تبقى كولومبيا ثالث أكبر منتج في العالم، ورمزًا للجودة في عالم القهوة المختصة.

آفاق جديدة.. آسيا، إفريقيا، ومنتجون غير تقليديين

تحليل موسّع من فريق تحرير قهوة ورلد

بينما تواصل البرازيل وكولومبيا الهيمنة على العناوين الرئيسية، تظهر اليوم جبهات إنتاج جديدة في آسيا، وإفريقيا، وحتى أوروبا، تعيد رسم خارطة القهوة وتُعزز تنوّعها ومرونتها.

فيتنام، على سبيل المثال، تُعد ثاني أكبر منتج للقهوة في العالم، بفضل إنتاجها المكثف من الروبوستا في المرتفعات الوسطى. واليوم، تنتج البلاد أكثر من 27.5 مليون كيس زنة 60 كلغ سنويًا، كما بدأت تُلفت الانتباه إلى محاصيل أرابيكا عالية الجودة من مناطق مثل “كاو دات” و”سون لا”.

الهند تنتج حوالي 5.8 ملايين كيس سنويًا، من خلال أكثر من 400,000 مزرعة صغيرة ومتوسطة الحجم، وتتركز زراعة القهوة فيها في ولايات كارناتاكا، وكيرالا، وتاميل نادو. يُشكّل الروبوستا نحو 70% من الإنتاج، والأرابيكا 30%. وتُعد مناطق مثل تشكماغلور ووايناد من المراكز الرائدة في إنتاج محاصيل مغسولة ومونسون التي تستهدف أسواق القهوة المختصة.

أما الصين، فقد أصبحت من أسرع الدول نموًا في إنتاج القهوة خلال العقدين الماضيين، خاصة في مقاطعة يونّان. وبلغ إنتاجها في موسم 2024/2025 حوالي 2.3 مليون كيس زنة 60 كلغ، مع توقعات بمزيد من النمو، مدفوعًا بزيادة الطلب المحلي في مدن مثل شنغهاي وبكين. وتدعم الحكومة الصينية توسعة مزارع الأرابيكا المحلية، مع التركيز على الجودة والتصدير للأسواق المتخصصة.

وفي إفريقيا، تعيد دول مثل رواندا، بوروندي، وأوغندا رسم موقعها في السوق العالمي. أوغندا، التي كانت معروفة بإنتاج الروبوستا، تعمل الآن على تعزيز إنتاج الأرابيكا في منطقتي جبل إلغون وروينزوري. أما رواندا، فقد عززت شفافيتها وجودة محاصيلها بفضل الشراكات مع منظمات غير حكومية، مما جعلها تحظى باهتمام المتخصصين.

وفي أوروبا، بدأت مزارع صغيرة في البرتغال وإسبانيا وجنوب إيطاليا إنتاج كميات تجريبية من الأرابيكا في بيئات دقيقة، مما يفتح الباب أمام تحولات مستقبلية محتملة بفعل التغير المناخي.

التغير المناخي والتقلبات المالية

في ظل التغير المناخي، أصبحت الأرابيكا معرضة بشكل متزايد لدرجات حرارة مرتفعة، وهطول غير منتظم، وآفات زراعية. بينما يُنظر إلى الروبوستا كحل بديل أكثر تحمّلًا، إلا أنه بدوره يتأثر بالجفاف الحاد.

تسببت هذه التقلبات المناخية في جذب المستثمرين والمضاربين الماليين إلى سوق القهوة، حيث باتت العقود الآجلة أداة تخلق تقلبات حادة في الأسعار. وغالبًا ما تكون هذه الأسعار غير مرتبطة بالتكاليف الحقيقية التي يتحملها المزارع، ما يُشكّل ضغطًا كبيرًا على صغار المنتجين، خاصة في الدول النامية التي تفتقر إلى آليات الحماية المالية.

دور المستهلك.. من سلعة إلى ثقافة

في الطرف الآخر من السلسلة، لم يعد المستهلك مجرد متذوق، بل أصبح مشاركًا فاعلًا في تحديد القيمة. من سيؤول إلى نيروبي، يتساءل المستهلكون اليوم: من زرع هذه القهوة؟ كيف تمت معالجتها؟ وهل تم إنتاجها بطرق أخلاقية ومستدامة؟

استجابة لهذا الوعي الجديد، بدأت الشركات في تبنّي مفاهيم جديدة مثل الشفافية، وتتبع المنشأ، والممارسات الزراعية الأخلاقية. وأصبحت المزارع الصغيرة، والطرق التجريبية في التخمر والتجفيف، جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية التسويق، خصوصًا في محامص ومقاهي القهوة المختصة حول العالم.

نحو مستقبل متعدد الأقطاب للقهوة

تشير الاتجاهات إلى أن مستقبل القهوة سيكون متعدد الأقطاب، لا يقتصر على البرازيل وكولومبيا، بل يشمل أيضًا دولًا ناشئة مثل فيتنام، والصين، وأوغندا. ستكون القدرة على التكيف، والتكنولوجيا، واستجابة المستهلك هي العوامل الحاسمة في تحديد من سينجح ومن سيتراجع.

إن مستقبل القهوة لا يكمن في أمجاد الماضي الإمبريالي، بل في التكيّف، والشراكة، وتحقيق القيمة المشتركة. من مرتفعات إثيوبيا إلى جبال يونّان، ومن مقاهي ساو باولو إلى محطات المعالجة في كيغالي، تستمر رحلة القهوة – فنجانًا بعد فنجان، وخيارًا بعد خيار.

ملاحظة تحريرية

النصف الأول من هذا المقال كُتب بواسطة الدكتور شتيفن شفارتس (مؤسسة كوفي كونسلت). أما النصف الثاني، فقد قام فريق التحرير في قهوة ورلد بتوسيعه وتحديثه ليتضمن تحليلات حديثة واتجاهات السوق الحالية.

Continue reading “الرحلة العالمية للقهوة: من مواطنها التقليدية إلى آفاق جديدة”

لماذا يشرب الفنلنديون القهوة أكثر من أي شعب آخر؟

دبي، 6 أغسطس 2025 – (قهوة ورلد) – في فنلندا، القهوة ليست مجرد مشروب، بل طقس يومي، وعُرف اجتماعي، ولحظة سكون تُقاوم بها البلاد برد الشتاء وصمته.

رغم أن عدد سكان فنلندا لا يتجاوز 5.6 ملايين نسمة، فإنها تتصدر قائمة الدول الأكثر استهلاكًا للقهوة على مستوى الفرد. ووفقًا لمنظمة القهوة الدولية، يبلغ متوسط استهلاك الفرد في فنلندا نحو 12 كيلوغرامًا من القهوة سنويًا — أي ما يعادل 4 إلى 5 أكواب يوميًا.

لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة الكاملة. فلفهم سرّ هذا الولع بالقهوة، علينا أن نتعمّق في تفاصيل الحياة الفنلندية اليومية.

كاهفيتاوكو.. لحظة مقدسة بصمت

كاهفيتاوكو هو مصطلح فنلندي يُشير إلى استراحة القهوة اليومية، والتي تُعدّ من الطقوس المتجذّرة في ثقافة العمل الفنلندية. ورغم أنها ليست إلزامية قانونًا، إلا أن معظم أماكن العمل تُدرجها ضمن عقود الموظفين أو عُرف الشركة.

عادةً ما يحصل الموظفون على استراحتين للقهوة يوميًا — في منتصف الصباح وبعد الظهيرة — تُشرب خلالها القهوة في صمت وهدوء، بدون أحاديث جانبية أو أحكام مسبقة. إنها لحظة للوجود معًا… في السكون.

القهوة كوسيلة لمقاومة الشتاء القاتم

في بلد تغيب فيه الشمس لأيام وربما لأسابيع خلال الشتاء، تصبح القهوة وسيلة لتجاوز الكآبة. فليست مجرد مشروب ساخن، بل دفء نفسي ورفيق صامت في أحلك الأوقات.

يقول الفنلنديون: “لا يوجد شيء لا يمكن إصلاحه بفنجان قهوة”. أما العبارة الطريفة “kylmä kahvi kaunistaa” — “القهوة الباردة تجعلك أكثر جمالًا” — فتعكس رؤية فنلندية مفادها أن اللحظة أهم من حرارة المشروب.

ماذا يشرب الفنلنديون؟

رغم ازدهار القهوة المختصة في العالم، يظل الفنلنديون أوفياء لبساطة قهوتهم:

  • يفضلون القهوة المفلترة ذات التحميص الفاتح.

  • يعتمدون على مياه الصنبور النقية، ما يمنح القهوة طعمًا نقيًا ومتوازنًا.

  • غالبًا ما تُشرب القهوة سادة بدون حليب، خصوصًا في الصباح، وإن كان كبار السن يُضيفون الحليب أحيانًا.

  • تُحضَّر القهوة عادةً في المنازل أو أماكن العمل، وليس في المقاهي الفاخرة.

المومين أيضًا يشربون القهوة

في قصص توفه يانسون الشهيرة، يظهر المومين — تلك الشخصيات الكرتونية الفنلندية — وهم يشربون القهوة للاسترخاء وتحديد المناسبات. واليوم، يمكنك زيارة مقاهي المومين في هلسنكي لتعيش تلك اللحظة بنفسك.

أين تشرب القهوة في هلسنكي؟

  • Kaffa Roastery – محمصة رائدة لعشّاق التحميص الفاتح

  • Fazer Café – علامة عريقة تجسّد الذوق الكلاسيكي الفنلندي

  • Andante – مقهى عصري يدمج بين الهدوء والتصميم البسيط

كيف تصبح “فنلنديًا” في طقوس القهوة؟

  • افطر بهدوء مع فنجان قهوة وقطعة خبز الجاودار

  • خذ استراحة كاهفيتاوكو مرتين يوميًا

  • استمتع بالصمت والنكهة… بدون كلمات

ختامًا

في زمن تتصدر فيه الصور والضجيج مشهد القهوة، تأتي فنلندا لتُذكرنا بأن القهوة يمكن أن تكون شيئًا آخر: لحظة تأمل وسلام.

بلد صغير بصوت هادئ… لكن بكوب قهوة كبير.

Continue reading “لماذا يشرب الفنلنديون القهوة أكثر من أي شعب آخر؟”

الجبل الذي أعادته القهوة إلى الحياة

بقلم: يانغ فِييوِي

عاشق للقهوة يعود إلى جذوره الريفية ليستخدم شغفه في تحقيق الازدهار وإنقاذ نظام بيئي في جبال قاوليقونغ جنوب غرب الصين.

في عام 2017، حلّق وانغ دايونغ بطائرة بدون طيار فوق قرية شيتيتشاي الواقعة على المنحدرات الشرقية لسلسلة جبال قاوليقونغ في مدينة باوشان بمقاطعة يوننان. ما رآه كان صادماً: مساحات قاحلة من الأرض المتدهورة بسبب سنوات من الاستغلال الجائر.

ويقول وانغ، وهو في الخمسين من عمره:

“كانت هناك أراضٍ عارية أُنهكت وأُسيء استخدامها.”

لكن هذه الأرض ذاتها شهدت تحولًا مذهلًا خلال سنوات قليلة. فاليوم، تنمو أشجار القهوة الخضراء بعناية على تلك المنحدرات، بين الأشجار المحلية الطويلة التي توفر الظل اللازم وتهيّئ بيئة مثالية لزراعة حبوب الأرابيكا عالية الجودة.

جاءت فكرة التجديد هذه عندما اكتشف وانغ التاريخ المنسي للقهوة في المنطقة. فبعد أن ترك عمله كمصور تلفزيوني عام 2013، أسس ستوديو وثائقيًا في شينزين، أنتج فيه أفلامًا عن التحولات الحضرية وتلاشي التقاليد.

وخلال رحلة عمل إلى يوننان، التقى وانغ بأهالي شيتيتشاي واكتشف أن المنطقة كانت مركزًا مزدهرًا لإنتاج القهوة منذ عشرينيات القرن الماضي.

ويقول: “أنا أحب القهوة، وشعرت بالفضول للتعمق في القصة.”

فقد دخلت القهوة إلى يوننان في أوائل القرن العشرين، ومع مرور العقود، أصبحت محصولًا رئيسيًا. وفي عام 1993، فازت حبوب قهوة من جبال قاوليقونغ بميدالية اليوريكا الذهبية في معرض دولي في بروكسل، بلجيكا. واليوم، تنتج يوننان حوالي 99٪ من إجمالي القهوة في الصين.

لكن ضغط السوق دفع المزارعين إلى ممارسات غير مستدامة: زرعوا الأشجار بكثافة تصل إلى أكثر من 330 شجرة في العُشر من الهكتار، بعد أن كانت 60 فقط. وأصبح الحصاد يتم دفعة واحدة دون اعتبار لنضج الحبوب. وعندما انهارت الأسعار، قطع المزارعون أشجار الأرابيكا واستبدلوها بالخضروات.

بالنسبة لوانغ، الذي وُلد في قرية ريفية بمقاطعة خنان، كانت الأرض تعني الكثير. ومع تزايد استهلاك القهوة في الصين بعد 2018، رأى فرصة حقيقية للتغيير.

جذب فيلمه الوثائقي عن قهوة يوننان اهتمام السلطات المحلية، التي وافقت على دعمه لإعادة إحياء القرية عبر الزراعة المستدامة للقهوة. انتقل مع عائلته وفريقه إلى شيتيتشاي، حيث عاشوا أولاً في خيام، ووضعوا ثلاثة أهداف رئيسية:

إحياء الأرض، تحسين جودة القهوة، وإعادة الحياة إلى الريف.

كانت البداية بيئية: زُرعت الأشجار المحلية لتوفير الظل وإعادة التوازن الطبيعي. ولم تُستخدم أي مبيدات أو أسمدة كيميائية. واستبدلت أنواع الهجينة القديمة مثل كاتيمور بحبوب الأرابيكا، التي تناسب البيئة الجبلية ودرجات الحرارة المنخفضة.

يقول وانغ: “حبوب الأرابيكا تحتاج إلى ارتفاع مناسب، وظل طبيعي، ونظام بيئي صحي.”

تعلم المزارعون انتقاء الكرز الناضج يدويًا فقط، ما أدى إلى زيادة قيمة الغلة لكل “مو” من 3000 يوان إلى نحو 5000 يوان.

كما أطلق وانغ مهرجانًا سنويًا للحصاد، حيث يتذوق المزارعون قهوتهم بأنفسهم، ويتعلمون الفرق بين القهوة الجيدة والسيئة.

ويقول: “بهذه الطريقة فقط يدركون قيمة الجودة ويتوقفون عن اختيار الأنواع المقاومة للأمراض على حساب المذاق.”

وفي عام 2024، حصدت المزرعة أول إنتاج كامل من حبوب الأرابيكا عالية الجودة، وتم تحميصها وبيعها مباشرة لعشاق القهوة. أصبحت القهوة مصدر دخل رئيسي للسكان، وبدأت القرية تجذب السائحين ومحترفي صناعة القهوة.

تقول الأستاذة وو هوا من جامعة شنغهاي، والتي زارت شيتيتشاي مرارًا:

“لقد أُعيد إحياء قرية مهجورة، وعاد المزارعون الذين تركوها إلى أراضيهم، وصناعة القهوة تتعافى.”

واليوم، يعيش وانغ وفريقه في شيتيتشاي ولا يغادرون الجبل إلا نادرًا.

“نحتاج إلى 40 دقيقة بالسيارة للنزول، لا نغادر إلا عند إرسال الشحنات أو استقبال الزوار.”

الزوار الذين يصعدون إلى ارتفاع 1800 متر يمكنهم تذوق القهوة وسط هواء نقي ومناظر خلابة.

يدير الفريق كامل دورة الإنتاج: من الزراعة إلى التحميص والاستخلاص. كما افتتح وانغ مقهيين في شينزين (عام 2021 و2024)، لا يقدمان مشروبات بالحليب ولا طلبات خارجية — بهدف دعوة الناس لتذوق القهوة كما ينبغي.

يقول: “المقهى ليس فقط مكانًا لبيع القهوة، بل مساحة للحوار والتواصل.”

أما عن قراره بالعودة إلى الريف، فيعلق:

“لم أعتبرها رجوعًا للوراء. بل كانت خطوة للأمام. الريف ليس نقيضًا للمدينة، بل مكانٌ يمكن فيه أن تنمو أحلامك وتتحقق قدراتك.”

Continue reading “الجبل الذي أعادته القهوة إلى الحياة”

إسطنبول تستعد لمهرجان القهوة.. نكهة توقظ الحواس

بقلم: سيركان أورال

إسطنبول – 3 أغسطس 2025 (قهوة ورلد) – لا شيء يضاهي متعة احتساء فنجان من القهوة في إسطنبول بينما تبحر السفن وتحلّق طيور النورس فوق مياه البوسفور. واليوم، تتحوّل هذه اللحظة اليومية إلى احتفال واسع مع عودة مهرجان القهوة في إسطنبول، الذي تنطلق فعالياته في الفترة من 11 إلى 14 سبتمبر 2025، في قلب منطقة كاديكوي على الجانب الآسيوي من المدينة.

وتُقام هذه النسخة تحت شعار “المهرجان الذي يوقظ المدينة”، جامعًا بين النكهة، والرائحة، والإبداع، والثقافة في تجربة لا تُنسى.

مهرجان يحتفي بالقهوة والثقافة والمجتمع

يجمع المهرجان، كما في كل عام، نخبة من العلامات التجارية الرائدة في عالم القهوة، إلى جانب المنتجين المحليين والمقاهي المستقلة والمبادرات الصغيرة. وسيحظى الزوار بفرصة فريدة لتذوّق مئات أنواع القهوة العالمية من خلال تجارب تذوّق مجانية، وورش عمل، وعروض تفاعلية ثرية.

ويقدّم المهرجان على مدى أربعة أيام متواصلة برنامجًا حافلاً يشمل:

  • نكهات حرفية وقهوة مختصة

  • ورش عمل تعليمية بإشراف خبراء في التحضير والتذوق

  • لقاءات حوارية حول استدامة القهوة وابتكاراتها

  • عروض موسيقية حية وتجارب فنية متنوعة

  • تجارب طهو تمزج بين النكهات التركية والعالمية

المهرجان ليس فقط مساحة للتذوّق، بل بيئة حيوية للراحة والاستكشاف والتفاعل مع المجتمع.

من جالاتا إلى كاديكوي: محطات من ذاكرة المهرجان

استضافت إسطنبول مهرجان القهوة في مواقع شهيرة عبر السنوات، منها مدرسة جالاتا اليونانية، محطة قطار حيدر باشا، منتزه كوتشوك تشيفتليك، ترسانة إسطنبول، ومارينا أتاكوي. أما هذا العام، فينتقل إلى كاديكوي، ليضفي على هذه الوجهة النابضة بالحياة نكهة جديدة من القهوة والثقافة.

تعلّم، حضّر، وتذوّق: برنامج غني بالتجربة

يوفّر المهرجان لزوّاره تجارب تعليمية وثقافية فريدة، منها:

  • تعلّم تحضير القهوة التركية الأصيلة باستخدام “الجزوة”

  • إتقان إعداد الإسبريسو وطرق التحضير اليدوية

  • قراءة الفأل في بقايا القهوة (فأل القهوة)

  • اكتشاف اتجاهات الاستدامة وأحدث تقنيات صناعة القهوة

سواء كنت هاويًا أو محترفًا، فإن المهرجان يفتح أبوابه أمام الجميع، في مساحة يجتمع فيها عطر القهوة بروح المدينة.

دعوة للمشاركة

مع انتشار عبق القهوة في الأجواء وتردّد أنغام الموسيقى بين الزوايا، يؤكد مهرجان القهوة في إسطنبول 2025 أنه أكثر من مجرد فعالية؛ بل هو احتفال بروح إسطنبول، وتقاليدها، ومستقبلها الممزوج بنكهة القهوة.

Continue reading “إسطنبول تستعد لمهرجان القهوة.. نكهة توقظ الحواس”

القهوة وعقارب الساعة.. كيف يمكن لفنجانك اليومي أن يبطئ الشيخوخة البيولوجية

بقلم: فينسينتيوس ليونغ

يرتبط شرب القهوة بإبطاء عملية الشيخوخة البيولوجية، ما قد يسمح لعشّاق القهوة بالتمتع بعمر بيولوجي أصغر من عمرهم الزمني الحقيقي. ويعكس العمر البيولوجي الحالة الفسيولوجية العامة للجسم، بناءً على صحة الخلايا والأنسجة، وليس فقط عدد السنوات التي عاشها الإنسان.

مضادات الأكسدة ودورها

تشير الأبحاث إلى أن القهوة غنية بمضادات الأكسدة مثل أحماض الكلوروجينيك والمركبات الفينولية، والتي تلعب دورًا كبيرًا في تحييد الجذور الحرة. هذه الجزيئات غير المستقرة تتسبب في إجهاد تأكسدي يؤدي إلى تلف الخلايا والالتهابات، وهي من العلامات الأساسية للشيخوخة. ومن خلال تقليل هذا الإجهاد، تساعد القهوة على حماية الحمض النووي والبروتينات والدهون من التلف، مما يحافظ على وظائف الخلايا ويؤخر التدهور المرتبط بتقدم العمر.

خصائص مضادة للالتهاب

تتمتع القهوة أيضًا بقدرة على مقاومة الالتهاب المزمن، وهو عامل رئيسي في أمراض التقدّم في السن مثل أمراض القلب والتدهور العصبي.

مؤشرات الشيخوخة

تشير الدراسات التي تستخدم مؤشرات حيوية مثل طول التيلوميرات وساعات التقدير الجيني إلى أن استهلاك القهوة بانتظام يرتبط بنتائج أفضل في هذه المؤشرات، مما يعكس تباطؤ الشيخوخة البيولوجية.

آليات على مستوى الخلية

أظهر بحث علمي حديث أجرته إحدى الجامعات أن الكافيين ينشّط إنزيماً يُعرف بمستشعر الطاقة في الخلايا، والذي يلعب دورًا في إصلاح الحمض النووي، ومقاومة الإجهاد، وتنظيم النمو الصحي للخلايا. هذا المسار محفوظ في معظم الكائنات الحية، ويُعد من أهداف الأدوية المضادة للشيخوخة.

أهمية الاعتدال

رغم الفوائد، فإن الإفراط في استهلاك القهوة قد يؤدي إلى آثار سلبية مثل القلق واضطرابات النوم، ما قد ينعكس سلبًا على الفوائد المتوقعة.

دراسات داعمة:

  • أظهرت دراسة طويلة المدى على أشخاص تزيد أعمارهم عن خمسة وخمسين عامًا أن شرب القهوة بمعدل أربعة إلى ستة أكواب يوميًا يقلل من خطر الضعف الجسدي، وربما يكون ذلك بفضل خصائصها المضادة للأكسدة والالتهابات، التي تساهم في الحفاظ على القوة البدنية.

  • مراجعات علمية شاملة تؤكد أن هناك علاقة بين الشيخوخة البيولوجية والعوامل السلوكية مثل التغذية والنوم والنشاط البدني، ما يدعم دور القهوة كأداة محتملة في إبطاء التدهور البيولوجي.

الخلاصة

يقدم الكاتب في هذا المقال رؤية علمية متكاملة توضح أن القهوة، عند شربها باعتدال، يمكن أن تسهم في إبطاء الشيخوخة البيولوجية، بفضل تأثيرها في تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي وتحفيز آليات إصلاح الخلايا. ليست القهوة مجرد مشروب صباحي، بل قد تكون حليفًا في طريق الحياة الصحية وطول العمر.

Continue reading “القهوة وعقارب الساعة.. كيف يمكن لفنجانك اليومي أن يبطئ الشيخوخة البيولوجية”

القصص التي تُروى من المنشأ.. حكاية كل فنجان من قهوة راو

بقلم: كيم تومبسون

دبي، 30 يوليو 2025 (قهوة ورلد) – حين نتحدث عن القهوة، فنحن لا نتحدث فقط عن الجودة أو النكهات، بل نتحدث عن الأشخاص الذين يقفون خلفها. قهوتنا تُزرع على يد منتجين مميزين في بعضٍ من أجمل مناطق العالم، والتي كثيرًا ما تكون أيضًا من أكثرها هشاشة. كل كيس نقوم بتحميصه هو ثمرة علاقات حقيقية، وشراكات عادلة، واحترام عميق للأرض ولمن يعتني بها. نحن نؤمن بأن القيام بالأشياء بالطريقة الصحيحة يستحق دائمًا، حتى إن لم يكن هو الطريق الأسهل.

من المنحدرات البركانية في المكسيك إلى مرتفعات جنوب إثيوبيا، نحصل على قهوتنا الخضراء مباشرة من المنتجين — من 10 دول حاليًا — الذين تربطنا بهم علاقات طويلة الأمد. نحن لا نتعامل مع سلسلة توريد مجهولة، بل مع أشخاص نعرف أسماءهم، مشينا في مزارعهم، وتقاسمنا وجبات الطعام مع أسرهم، واستمعنا إلى قصصهم. واليوم، يسعدنا أن نشارككم هذه القصص.

نحن لا نعتمد على تسعير السوق العالمي. لا نشتري بشكل أعمى، ولا نفاوض بما يحرم أي شخص من أجرٍ كريم. نتفق على الأسعار مباشرة مع المنتجين — دائمًا بأسعار أعلى من معدل السوق — ونسعى جاهدين لتعزيز علاقات طويلة الأمد تُثمر للطرفين معًا.

القهوة الجيدة تبدأ من التربة الصحية، والمياه النقية، والتنوع البيئي. معظم منتجينا يعملون بالفعل بانسجام مع الطبيعة، لا ضدها. نحن نُفضّل المزارع التي لا تستخدم المواد الكيميائية، بل المعادن الطبيعية، والتي تستثمر في الحفاظ على المياه وتحسين صحة التربة، وتلتزم بممارسات زراعية متجددة. هذا ليس مجرد “استدامة”، بل نظرة نحو مستقبل صحي ومستدام للأجيال القادمة.

نحن نبحث بنشاط عن شراكات تُعزز تمكين المرأة وتدعم المزارعات. إحدى هؤلاء ماريا لوبيز في المكسيك، وهي مزارعة من الجيل الجديد تُنتج القهوة بثلاث طرق معالجة: المغسولة، والعسلية، والطبيعية — وبجودة واهتمام في كل خطوة. سنُطلق قهوتها بداية سبتمبر 2025.

طوال 18 عامًا من العمل في قطاع القهوة، رأيت بنفسي أن تمكين المرأة يُحدث أثرًا حقيقيًا في المجتمعات. فالقهوة غالبًا ما تُزرع في مناطق ريفية تواجه تحديات كبيرة، من تغيّر المناخ إلى ضعف الوصول إلى التعليم أو الرعاية الصحية. ونحن نؤمن أن شراء القهوة يجب أن يُسهم في تحسين الواقع، لا أن يكون مصدر ربح فقط.

ومن خلال علاقاتنا المباشرة، ساهم دعمكم في تمويل احتياجات حقيقية لبعض منتجينا، بما في ذلك أسرّة تجفيف جديدة، وخزّانات تخمير، وزي مدرسي وقرطاسية، وطرق وصول، وتوصيل الكهرباء، وأنظمة معالجة لمياه الصرف الناتجة عن معالجة القهوة.

نحن نتتبّع كل قهوة نشتريها — من المزرعة إلى التصدير، إلى التحميص، ثم إلى فنجانكم. نحن نعمل على تحقيق شفافية كاملة لكل شحنة، ويمكنكم الوثوق بأنه لا يوجد أي “تجميل أخضر” في ما نقوم به.

بعضكم يكتفي بالاستمتاع بفنجان القهوة، والبعض الآخر يحب أن يعرف أكثر. يمكنكم مسح رمز الاستجابة السريعة (QR) الموجود على الكيس لمعرفة اسم المنتج، وتفاصيل المزرعة، وطريقة المعالجة، أو زيارة موقعنا الإلكتروني للاطلاع على القصة الكاملة لكل قهوة ومن يقف خلفها.

اختياركم لقهوة راو لا يعني فقط اختيار قهوة أفضل، بل أيضًا نتائج أفضل للناس الذين يزرعونها. أنتم جزء من حركة تُثبت أن العمل التجاري يمكن أن يكون أخلاقيًا، وإنسانيًا، ولذيذًا في آنٍ معًا.

شكرًا لدعمكم. ابقوا فضوليين. وابقوا مع راو.

Continue reading “القصص التي تُروى من المنشأ.. حكاية كل فنجان من قهوة راو”

الرسوم الأمريكية على القهوة البرازيلية تهدد سوق القهوة في الشرق الأوسط

بقلم لي صفر، مقدمة بودكاست يوميات القهوة ومؤسسة “ماب إت فوروورد”

تسارع الشركات التجارية في الولايات المتحدة لتفريغ شحنات القهوة قبل الأول من شهر أغسطس، وهو الموعد المحدد لبدء تطبيق تعريفة جمركية بنسبة خمسين بالمئة على القهوة المستوردة من البرازيل. ويتوقع مراقبو السوق أن يتم توجيه كميات كبيرة من القهوة البرازيلية إلى أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

ورغم أن هذه التعريفة لا تؤثر مباشرة على الرسوم الجمركية في دول الشرق الأوسط، إلا أنها قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة تنافس المشترين في الولايات المتحدة على القهوة غير البرازيلية وتغير مسارات سلاسل الإمداد. ويواجه قطاع القهوة المختصة في الشرق الأوسط، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد البن الأخضر، مخاطر محتملة تتعلق بالتكلفة والتوافر والجودة.

ما الذي تعنيه هذه التطورات للمحمصين والمشترين في الشرق الأوسط؟

زيادة التكاليف: مع تحول الطلب في الولايات المتحدة نحو البن القادم من أفريقيا وأمريكا الوسطى، قد يواجه المحمصون في الشرق الأوسط منافسة أكبر على هذه المصادر وارتفاعاً في تكاليف الشحن. وقد يصبح من المجدي اقتصادياً التعاقد على شحنات من القهوة البرازيلية الموجهة لأسواق خارج الولايات المتحدة.

اعتبارات الجودة: تعتبر البرازيل مصدراً رئيسياً في خلطات القهوة المستخدمة في المشروبات القائمة على الحليب الشائعة في منطقة الخليج، بالإضافة إلى القهوة العربية التقليدية. وأي تغيير في أنماط التوريد قد يؤثر على توازن النكهات وثبات الجودة.

التخطيط المالي: من المهم أن يبدأ المشترون بدراسة تثبيت الأسعار أو زيادة حجم المخزون استعداداً لفترات التقلب في السوق.

ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من أن المحمصين في الشرق الأوسط لا يصدرون كميات كبيرة إلى أوروبا، إلا أن القاعدة الجديدة التي فرضها الاتحاد الأوروبي لمكافحة إزالة الغابات تظل مؤثرة. فقد بدأ بعض المستوردين الأوروبيين بخفض مشترياتهم من المزارعين الصغار في إثيوبيا خشية عدم مطابقة القهوة للمعايير الجديدة. وعلى المدى المتوسط، قد يؤدي هذا إلى توفر كميات أكبر من القهوة الإثيوبية في الأسواق غير الأوروبية بأسعار أقل. إلا أن هذا الأمر قد يدفع المزارعين الصغار إلى الخروج من سلاسل التوريد العالمية، مما يقلل التنوع ويعرض مستقبل الإمدادات للخطر.

يتعين على العاملين في قطاع القهوة في الشرق الأوسط متابعة السياسات العالمية بدقة. وقد يكون تنويع مصادر القهوة والاستثمار في علاقات مباشرة مع المنتجين وسيلة فعالة لتقليل أثر الاضطرابات في سلسلة التوريد ودعم المزارعين في مواجهة التحديات التنظيمية الجديدة.

Continue reading “الرسوم الأمريكية على القهوة البرازيلية تهدد سوق القهوة في الشرق الأوسط”

أنقرة.. حيث تُروى ذاكرة القهوة الممتدة لأربعين عامًا

من مواقد العثمانيين إلى مقاهي القهوة المختصة، تعرّف كيف أصبحت أنقرة عاصمة القهوة الجديدة في تركيا


بقلم: سيركان أورال

أثناء تجوالي في شوارع العاصمة التركية، لفت نظري ازدياد عدد المقاهي المختصة بشكل ملحوظ. من المحامص الصغيرة المخفية إلى المقاهي الحديثة الصاخبة، تعيش أنقرة ثورة قهوية صامتة، تستند إلى تقاليد عريقة وتتجه بثقة نحو المستقبل. حب القهوة هنا لا يُخفى على أحد.

في الصباح الباكر، لا يزال من الممكن أن تجد قهوة تُعدّ على نار الفحم في الأحياء القديمة بالمدينة. هذه العادة المتوارثة تعود إلى الحقبة العثمانية واستمرت في السنوات الأولى من الجمهورية التركية. كان إعداد القهوة على نار الشواء طقسًا منزليًا تشارك فيه النساء والرجال على حد سواء، يتبادلون خلاله الأحاديث وقراءة الطالع من فنجان القهوة.

أما المقاهي في العهد العثماني، فكانت أكثر من مجرد أماكن للجلوس؛ كانت مؤسسات اجتماعية وثقافية. وكان الذهاب إلى المقهى، وربما تدخين النرجيلة، من متع الحياة التي يحرص الرجل العثماني على ممارستها. لكن رحلة القهوة للوصول إلى الأناضول كانت طويلة: بدأت من اليمن، ثم نُقلت عبر الموانئ المصرية، وعبرت البحر المتوسط لتصل في النهاية إلى إسطنبول. لم تكن الأغنية الشعبية “القهوة من اليمن” تغني عبثًا.

في تلك الحقبة، كانت عملية تحضير القهوة شاقة وتتطلب تعاونًا جماعيًا. الطحن كان يتم في أدوات بدائية تُعرف باسم “الدِبَك”، حيث يعمل شخصان على دق الحبوب بمطارق ثقيلة. وكان العاملون في الطحن يدفعون ضريبة تُعرف بـ”رسم الدِبَك” لقاء خدماتهم. بعد الطحن، تُنقل القهوة إلى أصحاب المتاجر لتحميصها، وهم يُعرفون باسم “التحميصان”. غالبًا ما كان الطحن والتحميص يتمّان في المكان نفسه.

علاقة أنقرة بالقهوة، التي تعود إلى القرن السادس عشر، وصلت إلى مستويات مدهشة في عام 2025. اليوم، تتجه العاصمة لتصبح عاصمة القهوة في تركيا. تنتشر المقاهي الحديثة على جانبي الطرق المزدحمة من كزلاي إلى بهتشلي إيفلر، وتحمل لافتاتها أسماءً محلية وأخرى غربية، لتصبح مشهدًا مألوفًا لدى سكان المدينة.

بحسب يافوز لابور، كان كل مقهى في الماضي يستهلك ما معدله 1221 أوقية من القهوة يوميًا، أي ما يعادل تقريبًا 1.565 كيلوجرام. وبما أن كوب القهوة الواحد يحتاج إلى نحو 6 جرامات، فإن المقهى الواحد كان يبيع ما يقارب 261 كوبًا يوميًا. ومن المؤكد أن الأرقام اليوم قد تضاعفت مع تطور الأدوات وتنوع العروض.

مهرجان القهوة السنوي في أنقرة، الذي أُقيم مؤخرًا تحت شعار “افتح عينيك على القهوة”، ساهم بشكل كبير في تعزيز ثقافة القهوة وزيادة استهلاكها في المدينة. وتشير البيانات الرسمية إلى أن استهلاك القهوة في أنقرة تضاعف 4 مرات خلال السنوات العشر الماضية، وبلغ 1.5 كيلوجرام للفرد سنويًا.

وفي حديث مع محبي القهوة، تقول إحدى الزائرات: “في كل مرة أزور فيها هذا المكان الساحر، أشعر أنني لا أريد مغادرته أبدًا. موسم تشيزكيك البرقوق انتهى، لكن لا تفوّتوا تجربة البراوني الكلاسيكي.”

ولا تقلّ قصص أصحاب المقاهي إلهامًا، فبعضهم بدأ رحلته القهوية في عام 2019 من خلف آلة الإسبريسو، ليشق طريقه نحو التحميص، ثم التدريب ونشر المعرفة. في هذه المقاهي المتواضعة، التي وضع أصحابها فيها أرواحهم قبل أدواتهم، تنبض التجربة بروح إنسانية ملهمة.

“هل أقتل نفسي أم أشرب فنجانًا من القهوة؟” تساءل الفيلسوف ألبير كامو ذات مرة. ترد عليه أنقرة: اشرب القهوة، واستمر في الشرب. فالقهوة والحب، كما يقول أهل المدينة، “ألذّ حين يُشربان معًا.”

وفي أنقرة، حيث يُقال إن فنجان القهوة يحمل ذكرى لأربعين عامًا، تنتظرك العاصمة بكل شغف… لتصنع معها ذكريات جديدة، فنجانًا بعد فنجان.

Continue reading “أنقرة.. حيث تُروى ذاكرة القهوة الممتدة لأربعين عامًا”